هآرتس: بالنسبة لترامب إما غزة أو ايران
هآرتس 16/2/2026، تسفي برئيل: بالنسبة لترامب إما غزة أو ايران
في يوم الأربعاء القادم عند عقد مجلس السلام برئاسة ترامب في واشنطن ستكون هذه فرصة سانحة لرئيس اندونيسيا بارابو سوبيانتو لتوقيع على اتفاق تجارة جديد مع الولايات المتحدة. فبعد مفاوضات مطولة وضغوط كثيفة وافق الرئيس ترامب على خفض الجمارك على اندونيسيا من 32 في المئة الى 19 في المئة. وفي المقابل، تعهدت اكبر دولة إسلامية في العالم بخفض الجمارك على البضائع الامريكية وشراء طائرات بوينغ وزيادة استيراد فول الصويا من الولايات المتحدة.
هل توجد صلة بين هذا الاتفاق وبين اعلان اندونيسيا استعدادها لارسال 8 آلاف جندي لقوة حفظ السلام الدولية في غزة؟. ويثور سؤال اذا كان قرار دولة الامارات الانضمام لمجلس السلام كعضو دائم مقابل مليار دولار كرسوم عضوية، هو مجرد احتفال بالانتقال الى المرحلة الثانية في خطة ترامب. وتتعرض أبو ظبي الى ضغط امريكي منذ أسابيع بسبب سياستها في اليمن والسودان. وقد أدى التوتر، بل والعداء، بين الامارات والسعودية الى تهديد أعضاء في الكونغرس بفرض عقوبات على الامارات بسبب المساعدة العسكرية التي تقدمها لقوة “الردع السريع” في السودان برئاسة الانفصالي المتشدد محمد دقلو. ويبدو ان عضوية مجلس السلام هي بمثابة متنفس لمصالح لا تقتصر بالضرورة على إعادة اعمار قطاع غزة فقط، بل تشمل قضية أخرى مهمة جدا وهي ايران.
في 6 شباط اصدر الرئيس الأمريكي أمر قضائي يخوله بفرض جمارك على الدول التي تتاجر مع ايران. ويرى ترامب بان هذه وسيلة ضغط قد تجبر طهران على تقديم تنازلات في المفاوضات التي ستجري غدا في جنيف. وتعاني ايران بالفعل من شدة العقوبات الامريكية، التي أضيفت اليها عقوبات دولية في شهر أيلول الماضي من خلال تفعيل آلية إعادة فرض العقوبات بمبادرة الدول الأوروبية. ورغم ذلك ما زالت دول كثيرة من الدول التي ستشارك في الجلسة الافتتاحية لمجلس السلام تقيم علاقات تجارية واسعة مع ايران، ولا يبدو أنها تقلق من الامر الجديد. قبل يومين على اصدار الامر نشر السفير الإيراني في اندونيسيا محمد بروغردي، مقال طويل في صحيفة “جاكارتا بوست” كتب فيه: “لقد صمدت العلاقات الوثيقة بين الدولتين حتى في ظل فرض عقوبات أحادية الجانب وغير عادلة على ايران. وبدلا من ان تضر العقوبات بالتعاون فان التحدي سيعزز تصميم الدولتين على تنويع العلاقات بينهما، مع الاستفادة من التقدم الذي أحرزته ايران في مجال التكنولوجيا والعلوم”.
اندونيسيا تحترم العقوبات رسميا، وحجم التجارة بين الدولتين الذي يبلغ مليار دولار تقريبا، هو منخفض نسبيا، لكن حسب تقرير نشرته “رويترز” فان ايران تستخدم المياه الإقليمية لاندونيسيا من اجل تهريب النفط الى الصين. وتشير معطيات التقرير الى ان الصين ضاعفت (بل اكثر من ذلك) كمية النفط التي استوردتها من اندونيسيا في 2025. ويشتبه بان هذا النفط مصدره هو ايران.
اندونيسيا، التي وقعت مؤخرا على مذكرة تفاهم مع ايران للتعاون في مجالات كثيرة، ليست وحدها في هذا الشأن. فما زالت اكثر من مئة دولة لها علاقات تجارية مع طهران، الصين اكبرها. وقد حصلت الصين على دعوة للانضمام لمجلس السلام، لكنها امتنعت عن التصويت في مجلس الامن الذي اتخذ فيه قرار المصادقة على الخطة، ولم تعلن حتى الان عن موقفها من الانضمام للمجلس. من ناحية أخرى لا تقتصر عضوية تركيا في المجلس كعضو فخري، بل هي شريكة فاعلة في مجلس إدارة السلام التابع للمجلس. وقد استضاف وزير خارجيتها هاكان فيدان في يوم السبت رئيس مجلس الخبراء الفلسطيني علي شعث في انقرة. وتعهد شعث بانشاء 20 الف كرفان في غزة للنازحين، ضمن المرحلة الثانية في خطة ترامب.
في نفس الوقت تزداد التجارة بين تركيا وايران. فطهران تصدر النفط والغاز الى تركيا، والدولتان تعملان على انشاء خط انابيب غاز مشترك. وفي 2025 قفز حجم التصدير الإيراني لتركيا الى اكثر من 7 مليار دولار، مقارنة بـ 5 مليارات دولار في العام 2024. ليس خرق العقوبات امر جديد على تركيا. فقد تم رفع دعاوى ضد شركات تركيا، من بينها الدعوى التي قدمها احد البنوك الرئيسية في الولايات المتحدة، بتهمة خرق العقوبات وغسل الأموال الإيرانية. وفي “المنافسة” بينها وبين الدول الأخرى التي تخرق العقوبات تقترب تركيا من تجاوز دولة الامارات، التي وصلت قيمة تجارتها مع ايران 27 مليار دولار في 2025، وقد تصل الى 30 مليار دولار في هذه السنة.
آلاف الشركات الإيرانية، تقريبا 8 آلاف شركة، تعمل من دولة الامارات، حيث تمر عبرها بضائع من جميع ارجاء العالم. وقد حاولت واشنطن اقناع الامارات بتقليص تجارتها مع ايران، لكنها لم تحقق أي نجاح. فهل الشراكة الدائمة في مجلس السلام والاستعداد للاستثمار في إعادة اعمار غزة ستعفي ايران من العقوبات؟. الباكستان هي عضوة أخرى في هذا النادي المرموق، وكانت مرشحة لارسال قوات الى القوة متعددة الجنسيات في غزة. وقد بلغ حجم التجارة بين الباكستان وايران في السنة الماضية تقريبا 3 مليارات دولار. وقد ناقشت الدولتان في نهاية 2025 توسيع التجارة الى 10 مليارات دولار تقريبا. وهناك حجم مشابه للتجارة بين ايران وسلطنة عمان، الوسيط الرئيسي في المحادثات بين ايران وامريكا والعضوة في مجلس السلام. أيضا قطر، التي هي شريكة مع إيران في اكبر حقل للغاز في العالم في الخليج الفارسي. ورغم ان حجم التجارة بينهما منخفض مقارنة مع غيرها، ربع مليار دولار في السنة الماضية، الا ان هذا المبلغ يشير الى زيادة 10 في المئة مقارنة مع العام 2024.
يبدو ان هذه الدول من المرجح ان تواجه العقوبات التي وعد بها الامر الرئاسي الجديد، التي تفرض بالفعل رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على البضائع التي تصدرها هذه الدول للولايات المتحدة. ولكن يفضل عدم التفاؤل المفرط في معاقبة الدول التي يسعى ترامب لارضائها، على أمل أن تستثمر الأموال والجنود في إعادة اعمار غزة، هذا قبل حتى النظر الى الاستثمارات التي خصصتها بعض هذه الدول للولايات المتحدة، والبارز من بينها الـ تريليون وربع تريليون دولار من دولة الامارات.
لم تحصل أي دولة من هذه الدول على تهديد أو تحذير حول وقف تجارتها مع ايران، على شاكلة التهديد الذي حصل عليه العراق، الذي ليس عضو في مجلس السلام، ويبدو انه لم تتم دعوته اليه أصلا. وحسب تقارير وسائل اعلام عربية فقد هدد السفير الأمريكي في العراق غوشوا هاريس بقطع عائدات النفط عن العراق اذا لم يوقف الأخير علاقته التجارية مع ايران، واذا شغل ممثلون عن المليشيات الشيعية الموالية لإيران مناصب في الحكومة العراقية الجديد. هذا يعتبر تهديد حقيقي، لان عائدات النفط العراقية تتم ادارتها من قبل بنك الاحتياط الفيدرالي في نيويورك وفقا للاتفاق الذي وقع بعد الحرب مع العراق في 2003.
يكمن جمال امر ترامب في مرونة صياغته المدهشة. فهو ينص في جوهره على ان الرئيس “يحق له تعديل هذا الامر على خلفية معلومات إضافية أو توصيات من المسؤولين الكبار أو تغير الظروف”. هذه الصياغة تسمح للرئيس بعدم فرض العقوبات (أو توسيعها) حسب ما يراه ضروري. ان الحرب الاقتصادية ضد ايران هي خطوة هامة قد تكون مفيدة، لكن عندما تتنافس مع نجاح مجلس السلام فان فعاليتها تصبح مشكوك فيها.



