ترجمات عبرية

هآرتس: انتصرنا في المعركة وخسرنا في الحرب

هآرتس 10/4/2026، شلومو بن عامي: انتصرنا في المعركة وخسرنا في الحرب

يؤكد اعلان وقف اطلاق النار في الحرب مع ايران على الهزيمة الاستراتيجية لمهندسي الحرب، الثنائي ترامب ونتنياهو. الإنجازات العسكرية واضحة، لكنها تذكر أيضا بالحوار الذي اقتبسه العقيد هاري سامرز في كتابه “حول الاستراتيجية: تحليل نقدي لحرب فيتنام” (1982). يقول سامرز لعقيد سابق من فيتنام الشمالية: “أنتم لم تهزمونا أبدا في ساحة المعركة”. فيرد عليه الفيتنامي الشمالي: “نعم، هذا صحيح، ولكنا انتصرنا في الحرب”.

هذه الحرب ستسجل في التاريخ كحالة بارزة وقع فيها جيشان من اقوى جيوش العالم في فخ الحرب غير المتكافئة، ذلك النوع الذي لم تتمكن فيه القوة العظمى أبدا من تحويل الإنجازات التكتيكية الى انتصارات استراتيجية. لقد تعلمنا من كلاوزوفيتش ان تدمير قوات العدو هو الذي يحسم الحروب. لم تكن هذه هي الحال في ايران، حتى عندما تم اعدام قيادتها السياسية والعسكرية بالكامل، وتآكلت قدرتها العسكرية الى الحد الأقصى.

تشك الحرب غير المتكافئة تحد لمعيار كلاوزوفيتش الذي يقول بان “المعركة الحاسمة” هي مفتاح الانتصار في أي حملة عسكرية. وقد لجأت ايران الى حرب استنزاف ضد الاقتصاد العالمي من خلال اغلاق مضيق هرمز، وهو ممر جغرافي مهم جدا. وقد مكنت الفوضى الاقتصادية وتوسيع رقعة الحرب عبر المليشيات الوكيلة بقيادة حزب الله، وحرب المسيرات والصواريخ الذكية ضد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، مكنت ايران من موازنة التفوق العسكري لاعدائها.

لا ينبع الخطر الذي يهدد إسرائيل من شر اعدائها فقط، بل أيضا من الطريقة التي تختارها للتعامل مع التهديدات التي يمثلونها. يمثل البرنامج النووي الإيراني تهديد استراتيجي لكل المنطقة، وقد ينحدر الى سباق نووي خطير، ولكنه في حد ذاته لم يتم انشاءه بهدف استهداف إسرائيل. ينظر الى البرنامج النووي على انه بمثابة بوليصة تامين للجمهورية الإسلامية ضد أي تدخل خارجي لاسقاطها.

إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو هي التي اختارت ان تكون في طليعة النضال ضد البرنامج النووي الإيراني. كان من شان اتباع استراتيجية الحصار والعقوبات والتخريب أن يؤدي الى وقف البرنامج النووي، بل وحتى اسقاط النظام، مثلما حدث في الاتحاد السوفييتي الذي انهار نتيجة الحرب الباردة، وليس نتيجة حرب يأجوج ومأجوج التي شنها نتيناهو وترامب ضد ايران.

في نهاية المطاف كان للصراع بين سرائيل وايران مسار دبلوماسي يسمح بنزع فتيله. ولكن مثلما اطال نتنياهو حكم حماس في غزة للتهرب من حل سياسي للقضية الفلسطينية، فقد صعد التهديد الإيراني كوسيلة لتوحيد الإسرائيليين حول قيادته التي يفترض أنها حامية. لهذا السبب عمل شخصيا على انسحاب إدارة ترامب الأولى من الاتفاق النووي الذي وقع مع ايران في العام 2015، وهو اتفاق التزمت به ايران حرفيا، كما اكدت ذلك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

يبرز تشاؤم نتنياهو بالتحديد لانه خلافا لترامب، يفترض به ان يفهم دروس التاريخ ويدرك ان نظام تغذيه الحماسة الأيديولوجية والفخر القومي، الى جانب المصالح الاقتصادية والفساد الحكومي العالمي، في دولة يمتد تاريخها لقرون من الصمود في وجه الغزاة الأجانب – سيخوض حرب بقاء ضروس، وسيكون مستعد لدفع أي ثمن لها. لقد ارتكب هذا النظام خلال 24 ساعة مذابح ضد عشرات الالاف من مواطنيه الذين ثاروا احتجاجا على استبداده؛ وفي حرب العراق في ثمانينيات القرن الماضي، ضحى بارواح 750 الف إيراني، بينهم آلاف الأطفال؛ ويتمتع هذا النظام بميزة هائلة على اعدائه الذين ينهارون تحت وطأة الصدمة العاطفية عند رؤية بضع عشرات من التوابيت.

صحيح ان النظام الإيراني الان اكثر ضعفا وألما من أي وقت مضى، الا ان انتصاره يكمن في بقائه، بل ان ترامب منحه الشرعية المطلقة – الإدارة المشتركة في مضيق هرمز. مع ذلك، لم يتحقق أي هدف من اهداف الحرب. كان فتح المضيق ضرورة فرضتها الحرب. وما زالت القدرات البالستية الإيرانية واليورانيوم المخصب لديها من القضايا التي ستتم مناقشها في المفاوضات الدبلوماسية، مثلما كانت الحال قبل الحرب. وفي مسالة التفاوض يمكن للايرانيين أن يعلموا درس مهم لمن يقول بانه “فنان عقد الصفقات”، لا سيما أنه يحرص على تقليص خسارته والتركيز على جبهات أخرى حيوية لحكمه.

هذه المفاوضات لن تكون املاء من قبل المنتصرين. حتى أوهام تغيير النظام تبددت. بل هو الان مترسخ اكثر من أي وقت مضى. فقد مثلت الحرب تحول الجمهورية الإسلامية الى ديكتاتورية عسكرية، حيث منحت آيات الله الشرعية الدينية للحاكم الأعلى الفعلي: الحرس الثوري الذي انقذ موقفه العنيد النظام من الانهيار.

أما سياسة الابتزاز ضد اقتصاد الطاقة العالمي، التي اعتقدنا أنها ولت منذ حظر النفط الذي تم فرضه في حرب تشرين الأول 1973، عادت لتصبح عامل أساسي في الجغرافيا السياسية العالمية. والفائزون الاساسيون في الوقت الحالي هم أعداء الغرب، ايران وروسيا، اللتان تم رفع عقوبات الاتجار بالنفط عنهما. وقد ربح فلادمير بوتين عائدات حيوية لمواصلة حربه في أوكرانيا. والان حتى في زمن السلم يبدو انه من غير المرجح ان تتنازل ايران عن نفوذها الجيوسياسي في مضيق هرمز وعن المكاسب الكبيرة التي اكتشفتها: مليارات الدولارات من عائدات الضرائب المفروضة على ناقلات النفط التي تمر في المضيق.

تجني ايران في الوقت الحالي تقريبا ضعف ما كانت تجنيه قبل الحرب من مبيعات النفط. وهذا إضافة الى حقيقة ان أي اتفاق نهائي سيشمل أيضا رفع العقوبات المفروضة عليها، الامر الذي يعني انها لن تعاني من نقص الأموال لمواصلة تمويلها السخي لحزب الله والوكلاء الاخرين الذين يهدفون الى إبقاء إسرائيل في حالة تاهب دائم للحرب. وبما ان كل دول الخليج شاهدت انخفاض في أرباحها، فان مليارات الدولارات التي تعهدت باستثمارها في الولايات المتحدة وفي تنويع نموذج نموها الاقتصادي، لن تكون متاحة بسرعة.

يتوقع ان تعيد هذه الحرب رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، حيث يسعى الفاعلون الاقليميون والعالميون الى إعادة بناء ما خلفته. وقد عارض “محور الشر”، الصين وروسيا وايران وكوريا الشمالية، النظام العالمي الذي يمليه الغرب، ولكنه لم يتبلور حتى الان الى تحالف عسكري ملزم. واذا خرجت ايران من هذه الحرب اقوى، كما سنرى، فقد يتجرأ هذا المحور على تحدي النظام الأمريكي في المنطقة بعزم اكبر.

وقد ظهرت هشاشة دول الخليج كذخر استراتيجي لإيران. وبسبب تزايد المعارضة الامريكية للحروب الاختيارية، ولان القواعد الامريكية في دول الخليج، بدلا من ان تكون جدار دفاعي أصبحت اهداف لإيران، فان هذه الدول ستعيد النظر في الاعتماد الكلي على الدفاع الأمريكي. ومن البدائل المحتملة قوى إقليمية معادية لإسرائيل مثل تركيا (التي لها علاقات الان مع مجلس التعاون الخليجي) وباكستان التي تربطها اتفاقية مع السعودية، والمعروفة باستعدادها لمشاركة خبرتها النووية مع الدول الإسلامية.

وقد زاد خطر سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط بالفعل، حيث لم يعد بإمكان حتى المتشككين في ايران انكار ان السلاح النووي هو الضمانة النهائية للنظام. وكوريا الشمالية هي المثال البارز على ذلك. وستبذل ايران كل جهدها للحفاظ على الجدار الواقي الذي يوفره حلفاؤها في لبنان وفي العراق وفي اليمن. وتعتبر هذه الدول الفاشلة عنصر أساسي في استراتيجية طهران، ولديها ما يدعو للتفاخر بذلك. وقد فقدت الولايات المتحدة وأوروبا الرغبة في تغيير الأنظمة و”بناء الدول” في الشرق الأوسط.

لن يكون أي انتعاش للديمقراطية في إسرائيل، التي تضررت بشدة قبل الحرب بسبب انقلاب فاسد – اذا لم تحاسب بعد هذه الهزيمة الاستراتيجية نتنياهو وجماعته المتعصبة. نتنياهو هو بائع ماكر نجح في اقناع ترامب والراي العام في إسرائيل باهدافه الحربية الوهمية. انه ليس الزعيم البطل الذي يدعيه، بل هو نسخة محلية لعازف الناي الساحر، الذي يجر شعبه نحو الهاوية بالوعود الكاذبة والخداع.

لقد تاق لسنوات كثيرة الى لعب دور بطولي مثل تشرتشل في حرب بطولية ضد تجسد الشر. ولكن ايران كانت في الأساس مجرد تشتيت ملائم له وحرف الأنظار عن القضية الفلسطينية، التي كان قمعها وما زال هو الرابط بين تحالفاته ووصفة لحكمه الابدي.

ان أي محاولة لفصل الحرب بين إسرائيل وايران ووكلائها عن القضية الفلسطينية تخدم الكذبة الكبيرة التي تكمن في لب حكم نتنياهو السام. لقد بدات الحرب الإسرائيلية الدموية الحالية ضد ايران وحزب الله، والتي تصاعدت الى حرب إقليمية لها تداعيات جيوسياسية عالمية، في فلسطين. وقد حرص نتنياهو على تسمية كل جزء منها باسم مختلف، “حرب القيامة”، “شعب كالاسد”، “زئير الأسد”، لكنها في الحقيقة هي حرب واحدة بدأت في 7 أكتوبر.

لقد شنت حماس هجمات عنيفة ونفذت مذابح. وفي اليوم التالي انضم حزب الله للحملة تحت شعار “وحدة الساحات”، مع وعده بعدم التوقق الى حين انتهاء الحرب في غزة. وقدم الحوثيون في اليمن، وكلاء آخرون لإيران، وعد مشابه. وقد مكنت الإنجازات العسكرية الإسرائيلية من تحطيم وحدة الساحات وابعاد حزب الله عن المعادلة. ولكن نجاح إسرائيل (المؤقت كما تبين لاحقا) في تفكيك “حلقة النار” الإيرانية، اجبر ايران على الدخول الى مواجهة مباشرة مع إسرائيل من خلال هجوم بالصواريخ والمسيرات واسع النطاق في نيسان 2024.

هكذا نشات الحسابات التي عمل نتنياهو على تصفيتها بالتعاون مع إدارة ترامب في عمليات “شعب كالاسد” و”زئير الأسد”. لقد بدأت هذه العملية في قطاع غزة، وربما لم تكن لتحدث لولا مبادرة حماس الى إعادة القضية الفلسطينية الى الواجهة، وتجاوز الهزيمة الاستراتيجية للفلسطينيين التي تجسدت باتفاقات إبراهيم.

هكذا رجعنا الى نقطة البداية الحتمية: السعي الى حلول دبلوماسية – وهو المصطلح الذي اعتبره مشين في حكومة نتنياهو – بن غفير – سموتريتش. وخلافا لامريكا التي اثبتت قدرتها على استيعاب الخسائر المتكررة في الحروب غير المتكافئة التي خاضتها منذ فيتنام، فان إسرائيل ليست قوة عظمى، كما يصورها نتنياهو في تصريحاته الرنانة. فبسياسته الداخلية المثيرة للانقسام ومغامراته تجاه المنطقة والعالم مزق نتنياهو المجتمع الإسرائيلي، الذي تكمن قوته في تماسكه. بل وأدى الى تدهور مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة الى درجة تحولها الى تهديد استراتيجي، بل ووجودي.

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى