ترجمات عبرية

هآرتس: المفاوضات تعزز الانقسام في لبنان، ومشكوك أن تفي حكومته بالتعهدات

هآرتس 12/4/2026، جاكي خوريالمفاوضات تعزز الانقسام في لبنان، ومشكوك أن تفي حكومته بالتعهدات

على خلفية الاتصالات لعقد المحادثات المباشرة بين اسرائيل ولبنان في هذا الاسبوع، يتصاعد الجدل الداخلي في لبنان حول مباديء هذه المفاوضات وشروطها واهدافها. ففي بيروت يفهمون أن ميزان القوة يميل بوضوح لصالح اسرائيل، لا سيما ان المحادثات سيتم اجراءها برعاية امريكية كاملة، بدون تدخل أي طرف دولي أو عربي آخر يمكنه تحقيق التوازن في المصالح. ويزداد القلق لدى حزب الله وانصاره من التوصل الى اتفاق يتم تفسيره على انه استسلام بدون انسحاب اسرائيل الكامل من جنوب لبنان، وبدون اعادة اعمار القرى المدمرة وبدون ضمان عودة النازحين.

مصدر مقرب من حزب الله قال لـ “هآرتس” بان التقييم السائد هو ان اسرائيل ستسعى الى تطبيق نموذج يشبه نموذج غزة في لبنان: وقف اطلاق النار بدون ضمانات سياسية أو امنية ملزمة. وحسب قول هذا المصدر فانه لا يوجد أي التزام اسرائيلي بعدم تجميد الهجمات في المستقبل أو احترام المجال الجوي اللبناني، أو عدم التصميم على احتلال جزء من الاراضي أو السيطرة على منطقة واسعة في جنوب لبنان. وقد عبر الامين العام لحزب الله نعيم قاسم عن هذا الموقف علنا، واكد في بيان له في يوم الثلاثاء بان الحزب يعارض أي تنازل غير مشروط، واضاف بان حزب الله لن يوافق على العودة الى الوضع الذي كان سائدا قبل القتال، حيث واصلت اسرائيل مهاجمة اهداف الحزب بدون قيود.

من ناحيته هاجم حسن فضل الله، عضو البرلمان من الحزب، الحكومة بشدة، ورفض الموافقة على اجراء المفاوضات في ظل الظروف الراهنة وقال: “ما لم يحققه العدو في ساحة المعركة لن يحققه من خلال المفاوضات مع حكومة تعجز عن حماية شعبها”. بل ان هناك مطالبات في داخل الحزب لاجراء المحادثات في اطار بديل، مثل ان تعقد في اسلام اباد برعاية دولية وبمشاركة ايران، بدلا من القنوات المباشرة في واشنطن. في غضون ذلك نظم الحزب مسيرات احتجاج امام مبنى الحكومة في بيروت في نهاية الاسبوع شملت هتافات مناهضة لاسرائيل وأي عملية تطبيع معها. ويأتي هذا بالتزامن مع حملة يقودها الحزب ضد الحكومة ورئيسها نواف سلام.

من جهة اخرى، يرى القصر الرئاسي وشخصيات في الحكومة المفاوضات فرصة لوقف هجمات اسرائيل، ويعتبرون في ضوء الواقع على الارض انه من الافضل التوصل الى وقف لاطلاق النار في اسرع وقت ممكن وبعد ذلك الانطلاق الى نقاش اوسع حول القضايا السياسية والامنية.

واوضحت مصادر رسمية في لبنان ان الحكومة تعتزم وضع شروط اساسية للمشاركة في المفاوضات، البارز من بينها وقف اطلاق النار. واكد بيان للقصر الرئاسي في يوم الثلاثاء ان المحادثات في واشنطن ستتناول في المقدمة اعلان وقف اطلاق النار وتحديد جدول زمني لاستئناف العملية السياسية.

مع ذلك، اشار مصدر لبناني مقرب من الحكومة الى ان التصريحات الحالية في هذه المرحلة لا تعدو كونها “اختبار نوايا”، وليس عملية متبلورة. وحسب قوله يفتقر لبنان حاليا رؤية سياسية منظمة تحدد اهداف واضحة حول قضايا الامن والحدود وطبيعة العلاقات المستقبلية مع اسرائيل. وقال المصدر لـ “هآرتس”: “لا احد يمكنه ادعاء وجود ملف تفاوض منظم وواضح، حتى مع وجود تاييد مبدئي لتعزيز سياسة الدولة، الا انه لا يمكن في هذه المرحلة السعي الى اتفاق سلام. الظروف غير مناسبة: يصعب تخيل أي اتفاق بدون انسحاب اسرائيل بشكل كامل واعادة اعمار المناطق المدمرة في الجنوب وعودة النازحين وتعزيز كبير للجيش اللبناني من اجل تمكينه من ممارسة سيادته الكاملة، بما في ذلك على الحدود مع اسرائيل. هذه عملية طويلة، وفي ظل الوضع السياسي الراهن في اسرائيل يبدو أنها غير قابلة للتحقيق”. ورغم هذه الثغرات يتفق من يؤيدون ومن يعارضون هذه الخطوة على ان المفاوضات اصبحت القضية الاساسية في الخطاب العام اللبناني. وفي هذا السياق وصل الانقسام السياسي في الدولة الى الذروة، وقد يتطور الى اتجاهات خطيرة.

وقد حذرت باحثة اجتماعية في لبنان تحدثت لـ “هآرتس” من ان الانقسام يتجاوز بالفعل الانتماء الطائفي. وبحسبها، يروج المحور الشيعي، وحزب الله بالذات، لرواية تفيد بان هذه المفاوضات تهدف الى التطبيع مع اسرائيل. ويرى هذا الرأي ان هذا يعتبر اهانة وطنية وتنازل عن المجتمع الشيعي. ويرافق هذا الخطاب اتهامات شديدة واستخدام مصطلحات رمزية مثل “بيع دماء الشهداء”، مع تصوير هذه الخطوة السياسية على انها خيانة.

يزعم حزب الله وانصاره بان موقف الدولة، التي تصمم على امتلاكها السلطة الحصرية لاجراء المفاوضات، مع تجاهل الحزب ومكونات اخرى في المجتمع اللبناني، شجع اسرائيل على مواصلة موقفها العدائي. ويحمل قادة المحور الشيعي وحلفاءهم قيادة الدولة المسؤولية عن الهجمات المستمرة، ويعود هذا جزئيا الى رفضها قبول أي اطار بديل لاجراء المحادثات، بما في ذلك مبادرة اجراء هذه المحادثات ضمن المحادثات الامريكية – الايرانية التي تجري في باكستان. من جهة اخرى، تقول الباحثة الاجتماعية بان هناك تاييد شعبي واسع لموقف الدولة، لا سيما رئيس الوزراء سلام. وياتي هذا التاييد ردا على حملة نزع الشرعية التي تشن ضده، وانطلاقا من مبدأ ان الدولة هي الجهة الوحيدة المخولة باتخاذ القرارات السياسية والتوقيع على الاتفاقيات.

في هذه المرحلة يتجلى رد حزب الله بشكل اساسي في حشد الشارع، لكن بطريقة منضبطة نسبيا. مع ذلك، اشار مصدر لبناني عرف نفسه بانه محايد، الى خطر آخر وهو تفاقم التوتر بين الطوائف. وبحسبه لا يعتبر حزب الله نفسه مهزوم، بل ان الصراع الحالي ابرز امتلاكه قدرة عسكرية كبيرة. واضاف بان الحزب ما زال قوة مهيمنة على الصعيد الداخلي. وقال هذا المصدر لـ “هآرتس”: “يثير الواقع السياسي والامني تساؤلات جوهرية حول قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها في المستقبل. المفاوضات الفعالة تحتاج الى مركز مستقر لصنع القرار، ويستطيع تطبيق الاتفاقات، وهذا شرط مشكوك فيه بسبب الثقل السياسي والعسكري لحزب الله، الذي يعمل بدرجة كبيرة خارج اطار الدولة. والمفاوضات تحتاج الى شريك يمكنه تنفيذ التزاماته، الامر الذي يلقي يظلال الشك على فعالية العملية، طالما لم يكن هدفها الرئيسي هو تحقيق هدوء مؤقت وتقديم ضمانات للتحرك نحو الانسحاب الكامل واعادة الاعمار، الامر الذي قد يعزز رواية الحكومة. ولكن المفاوضات التي تعطي الشرعية لاستمرار التواجد الاسرائيلي في الميدان، التي يكون هدفها الوحيد هو تفكيك حزب الله، لن تؤدي الا الى تعزيز رواية الحزب واضعاف الحكومة”.

باختصار، يواجه لبنان مسار تفاوض معقد محفوف بالمخاطر. فبين المطالبة بوقف اطلاق النار والتصعيد على الارض، والانقسام الداخلي، وغياب استراتيجية واضحة، فانه يتشكل واقع هش يصعب فيه التوصل الى حل بسرعة. ويعتمد أي تقدم حقيقي على ثلاثة عوامل رئيسية: تحقيق هدوء مستقر على الارض، صياغة موقف لبناني موحد ووجود ضمانات دولية تمكن من ترجمة أي اتفاق في المستقبل الى واقع قابل للتنفيذ.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى