ترجمات عبرية

هآرتس: العطش للدم ولّد قانونا عنصريا لن يجتاز المراجعة القضائية

هآرتس 31/3/2026، مردخاي كرمنتسر: العطش للدم ولّد قانونا عنصريا لن يجتاز المراجعة القضائية


الكنيست تعمل في السنوات الأخيرة على الدفع قدما بالانقلاب النظامي، وزادت من نشاطاتها في الأسابيع الأخيرة مستغلة أجواء الحرب. ويحتل احياء عقوبة الإعدام مكانة خاصة، أو بالأحرى مكانة مرموقة، في التطليق التام للقيم الإنسانية والليبرالية. في العالم الديمقراطي الليبرالي يعتبر الغاء عقوبة الإعدام احد اكبر الإنجازات في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد انضمت إسرائيل الى هذه العملية بطريقتين. الأولى، الغاء عقوبة الإعدام على جريمة القتل، التي ورثتها من الانتداب البريطاني، واستبدالها بالسجن المؤبد الالزامي في العام 1954. الثانية، اتباع سياسة ثابتة من قبل النيابة العامة والمحاكم في تجنب استخدام عقوبة الإعدام باستثناء جرائم النازية.

يحتوي كتاب القوانين في إسرائيل على الكثير من الجرائم التي يعاقب عليها بالاعدام، مثل الجرائم ضد الإنسانية وضد الشعب اليهودي، والجرائم الخطيرة جدا ضد امن الدولة والجرائم الإرهابية بموجب لوائح الدفاع (الطوارئ) من العام 1945، والجرائم الخطيرة جدا للجنود حسب قانون القضاء العسكري، وجريمة القتل التي ترتكب في يهودا والسامرة من قبل اشخاص من غير مواطني إسرائيل ومن غير المقيمين فيها. ولكن كما ذكر، باستثناء جرائم النازيين تميز القانون بتحويل عقوبة الإعدام المنصوص عليها في كتاب القوانين الى شيء ميت.

كانت إسرائيل تتفاخر بنفسها لهذا الانضباط. أما إسرائيل الجديدة، التي يعتبر بن غفير وسموتريتش من يحدد توجهها، فتفعل العكس تماما. فهي تسعى الى استبدال الانضباط بالتعطش للدماء، شريطة أن لا تكون دماء اليهود. لقد كان النهج القديم يستمد من الاخلاق العالمية والأخلاق اليهودية. ان القتل المتعمد لشخص لا يشكل خطر على الآخرين، ويمكن عقابه بطرق أخرى، هو فعل قاسي جدا ويظهر الاستخفاف بقيمة الحياة. في هذا الصدد يعتبر القانون الجديد انجاز كبير للمنظمات الإرهابية. فمن أهدافها تقليص الفجوة الأخلاقية بينها وبين الوسائل غير المشروعة التي تلجأ اليها والدولة التي تحاربها. وتاتي الكنيست لتقدم لها هدية ثمينة.

إضافة الى ذلك من المستحيل ضمان عدم وقوع خطأ في القرار القضائي، الامر الذي قد يؤدي الى اعدام شخص لم يرتكب جريمة. هذا الخطأ، خلافا لغيره، لا يمكن تصحيحه. ومن الجدير بالذكر انه من بين الحالات القليلة التي فرضت فيها عقوبة الإعدام في إسرائيل، تبين ان اثنتين منها كانت بالخطأ، حالة مئير توبيانسكي الذي حكم عليه بالاعدام في محكمة ميدانية وتم تنفيذ الحكم عليه وبعد ذلك تمت تبرئته من التهمة المنسوبة اليه. وأيضا حالة ايفان دميانيوك الذي ادين في المحكمة، لكن تمت تبرئته في الاستئناف بسبب وجود شكل معقول في هويته، واذا كان هو بالفعل “ايفان الرهيب” من تريبلنكا. ولولا فتح ارشيفات أجهزة المخابرات السوفييتية لكان مشكوك فيه جدا تبرئة دميانيوك.

يزداد خطر الخطأ في ظل مناخ عام يسود فيه التوق الى الانتقام ونزع الإنسانية عن الفلسطينيين (بما في ذلك نساءهم واولادهم وكل شخص فيهم)، وينعكس ذلك أيضا في ظروف اعتقال هؤلاء السجناء والمعتقلين. يسعى القانون الجديد بكل الطرق الى زيادة هامش الخطأ. فهو يلغي شرط الاجماع في المحكمة العسكرية في الضفة الغربية عند اصدار الاحكام ويكتفي برأي الأغلبية. وخلافا للقانون الدولي يلغي القانون سلطة القائد العسكري في تخفيف الاحكام، وينص على تنفيذ عقوبة الإعدام في غضون تسعين يوم.

يصعب التصديق ان المحكمة العليا ستؤيد هذه الخطوة، التي لا تتجاوز “فائدتها” الرئيسية زيادة احتمالية سفك دماء اشخاص أبرياء. يصعب أيضا التصديق بان المحكمة العليا ستوافق على تحويل عقوبة الإعدام من عقوبة قصوى، مثلما هي الحال في القانون الذي ينص على محاسبة النازيين وشركائهم، الى عقوبة الزامية يمكن التنازل عنها في ظروف استثنائية ولأسباب خاصة. لقد تم ادخال هذا الاستثناء الى القانون تحت ضغط كبير، لكن واضعي القانون فهموا سبب موافقتهم عليه: لانه من المتوقع ان يبقى مجرد نص فارغ لا يتم العمل به. ان المازق الذي توضع فيه المحكمة فيما يتعلق بعقوبة الإعدام هو وصفة لعقاب جائر، لذلك، هو امر غير مالوف حتى في القانون المقارن. لان هذه العقوبة في افضل الحالات هي استثناء واضح، فمن الضروري ترك السلطة التقديرية للمحكمة، وأي محاولة لفرضها عليها هي باطلة.

واذا لم يكن هذا كاف، فان القانون الجديد يقوم على التمييز العنصري، وأقبح أنواع العنصرية وأكثرها حقارة. لقد واجه المشرعون معضلة: كيف يضمنون أن لا يطبق القانون، الذي يهدف الى الحاق الأذى بالعرب، على اليهود، لا سمح الله، الذين يفترض ان اعناقهم محصنة من حبل المشنقة؟ فوجدوا ذريعة واضحة: في تعريف جريمة القتل تقرر ان هدف القتل هو انكار وجود دولة إسرائيل، وهكذا، فقد جاء مخلص لصهيون، أي جاء لباروخ غولدشتاين (لو انه بقي على قيد الحياة) وللصديقين امثاله. أما جريمة القتل في الضفة الغربية، التي طرحت في محكمة عسكرية هناك، فقد اقتصرت من البداية على الفلسطينيين المقيمين. ان محكمة تمارس الرقابة الدستورية وتساهم في مثل هذه الجريمة في مثل هذه الممارسة البغيضة، تشهد على نفسها بأنها لا تستحق أن تتم محاكمتها.

المشرعون يعرفون ان هذا المزيج البغيض الذي انتجوه لن يصمد امام المراجعة القضائية، لكن ذلك لا يردعهم. فهم فقط يسعون الى الربح. أولا، لا يمكن التنبؤ بالمدة التي ستستغرقها عملية اصدار حكم قضائي. ثانيا، اذا تدخلت المحكمة العليا فسيكون من الممكن الادعاء بانها هي المسؤولة عن الاعمال الإرهابية. ثالثا، سيكون من الممكن اتهام المحكمة باحباط إرادة الشعب، وبالتالي، الحاجة الى محكمة أخرى لتنفيذ إرادة الشعب، بغض النظر عن طبيعتها الأخلاقية.

لم تكن الاعتبارات الأخلاقية وحدها هي التي أدت الى وجود الفجوة بين عقوبة الإعدام المنصوص عليها في القانون وعدم تطبيقها في الواقع في إسرائيل. فقد استندت السياسة التي تم تحديدها وتطبيقها أيضا الى آراء امنية قاطعة، اشارت من جهة الى عدم تاييد الأثر الرادع لعقوبة الإعدام في مواجهة الإرهاب من قبل الذين هم مستعدون للتضحية بأنفسهم. ومن جهة أخرى، أشاروا الى اخطار استخدامه، بما في ذلك “التشجيع” على الاعمال الإرهابية التي تضفي صفة “الشهيد” والتمجيد الاجتماعي للمحكوم عليهم بالاعدام، وازدياد عمليات التفجير الرخيصة واحداث خطيرة اثناء اعتقال المشتبه فيهم، وخطر الموت على المخطوفين.

في الواقع كانت هناك أيام قدم فيها المسؤولون عن الامن آراء مهنية للحكومة والكنيست، ولم يكتفوا برد ضعيف لا أساس له من الصحة، يشير الى عدم معارضة القانون. من يدين بتعيينه رغم افتقاره للمؤهلات لمن قام بتعيينه، هو يدفع ثمن ذلك بولاء غير مهني. كانت هناك كنيست لا تشرع الا بعد تقديم بنية تحتية مهنية من البيانات والأبحاث والآراء المهنية. لم يعد الامر كذلك. لقد استبدلت الحوكمة المتنورة بالحوكمة الجاهلة.

وكما يقتضي مبدأ الشرعية في القانون الجنائي، ينظر القانون الى المستقبل ولا ينطبق على الأفعال التي ترتكب قبل دخوله الى حيز التنفيذ. مع ذلك، هو يحمل رسالة للمستقبل. الحديث يدور عن الغزيين المعتقلين بتهمة التورط في مذبحة 7 أكتوبر. وبقدر ما يتهمون بجرائم يعاقب عليها بالاعدام، فمن المرجح ان يطبق عليهم النهج الجديد لحكومة الإعدام – ولن يبقى ذلك مجرد علامة ميتة في سجل، بل حبل مشنقة حول اعناق المدانين. سيتم تزيين الفيلا في الغابة بالمشانق. هل ما زال يمكنها ادعاء مكانة الفيلا؟ مشكوك في ذلك تماما. لقد أصبحت عقوبة الإعدام معيار لتصنيف نظام أي دولة بانه متنور وتقدمي أو ظلامي ورجعي. إسرائيل تتقدم بثقة نحو الفئة الثانية، متظاهرة بالانتماء الى الأولى. هذا التظاهر لم يعد مقنع. فالضرر الذي لحق بمكانة إسرائيل وعلاقاتها مع الغرب الليبرالي واضح، ويتوقع أن يزداد. من المحتمل ان رئيس الحكومة لم يكن يعرف هذا الامر مسبقا، لانهم لم يمسكوه من طية جاكيته.

ترمز عقوبة الإعدام الى ازدراء الحياة البشرية وفي مقدمتها حياة الانسان العربي، ويتجلى هذا الازدراء باشكال كثيرة، منها معاملة غير المتورطين في الإرهاب في غزة والتهجير الذي يتم ضمن صلاحيات في الضفة الغربية، والتمييز ضد المواطنين العرب في كل ما يتعلق بالحماية.

بقدر ما تصر الحكومة الإسرائيلية على سيادة اليهود والتمييز الواضح بين دم اليهود ودم الفلسطينيين فان ازدراء الحياة البشرية لا يمكن ان يقتصر على فئة واحدة، بل يتغلغل في المجتمع الإسرائيلي نفسه: في معاملة الحكومة للمخطوفين، والمصابين الذين لا يؤيدون السلطة، والطلائعيين الذين يدافعون عن حدود الدولة والجنود. لا يجوز السماح للحكومة بسفك الدماء.

يروى عن عضو الكنيست ابراهام ميلماد (المفدال)، الذي كان عضو في اللجنة الفرعية لتعيين القضاة، وكان يسال كل مرشح ومرشحة عن رأيه بعقوبة الإعدام. وكان تاييد عقوبة الإعدام سيؤدي الى استبعاد المرشح. واذا سيطرت الحكومة على تعيين القضاة كما تريد فسيكون رفض عقوبة الإعدام بحق العرب هو ما سيؤدي الى استبعاد المرشح. سيقولون من الان فصاعدا: طوبى لنا، نحن اليهود، الذين حظينا بدولة خاصة بنا. أخيرا يمكننا إقامة المشانق في دولتنا وشنق غير اليهود عليها.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى