هآرتس: التهديد العسكري على ايران لم يلغِ إمكانية الحل الدبلوماسي
هآرتس 19/1/2026، تسفي برئيل: التهديد العسكري على ايران لم يلغِ إمكانية الحل الدبلوماسي
الشهادات التي تصل من ايران تشير الى خفوت موجة الاحتجاج الأكبر في تاريخ الدولة منذ الثورة الإسلامية في 1979. بضع عشرات من المتظاهرين ما زالوا يتجمعون في عدة مدن، آلاف المعتقلين في السجون وينتظرون محاكمتهم، العائلات الثكلى، عائلات القتلى الذين عددهم الدقيق غير معروف – تقرير وكالة “رويترز” الذي يستند الى مصدر إيراني رفيع يقول ان العدد هو 5 آلاف شخص، بينهم 500 من رجال الامن – بدأت تقيم بيوت العزاء العائلية، والآباء يخشون من ارسال الأولاد الى المدارس، وكل الدولة تنتظر بترقب وخوف لرؤية كيف سيتصرف النظام الان. تجربة الماضي تعلمنا بان المحاكمات الصورية لن تتوقف، ومثلها أيضا الاعدامات. مع ذلك يمكن توقع ان الاعدامات ستنفذ (بالقطارة) على مدى فترة أطول، وليس كرد بالجملة الذي من شانه ان يعيد الجمهور الى الشوارع ويعيد “المساعدة” الامريكية التي تم وقفها في اللحظة الأخيرة.
وقف الهجوم على ايران يستند الى سلسلة من التفسيرات. لقد كان للضغط العربي الكبير والسيناريوهات المخيفة التي وصفها زعماء كل من دول الخليج ومصر وتركيا لدونالد ترامب وكبار المسؤولين في الإدارة الامريكية دور كبير في ذلك، بما في ذلك احتمالية اندلاع حرب أهلية، وعدم وجود استعداد كافي وخطة هجوم فعالة. يضاف الى ذلك الخوف الحقيقي من ان يؤدي القصف الكثيف الى الحاق اضرار كبيرة بالمدنيين وتغيير مسار الراي العام. أيضا غياب قيادة إيرانية داخلية اصيلة ومتفق عليها تستطيع إدارة شؤون البلاد، وربما أيضا طلب إسرائيلي استند الى نقص الموارد والترتيبات الدفاعية في حالة رد إيراني، كل ذلك اكمل سلسلة الأسباب التي أدت الى وقف الهجوم. في عملية اتخاذ قرار منظم كان ينبغي عرض هذه الأسباب على الرئيس قبل ارسال التطمينات للمتظاهرين بان أمريكا تدعمهم، بل وقبل ذلك، قبل إعلانه بان الجيش الأمريكي “مستعد تماما” للهجوم. هذه الحجج ما زالت قائمة حتى الان، حيث يبدو ان الهجوم العسكري كاحتمالية حتمية.
هذه لم تكن المرة الأولى التي فيها الولايات المتحدة تشجع حركات عصيان واحتجاج من اجل اسقاط نظام، وتتعهد بالمجيء لمساعدتها. في 1991 إدارة جورج بوش الاب دعت الشيعة في العراق للخروج ضد صدام حسين وتعهدت بالمجيء لمساعدتهم. صدام، الذي اتفاق وقف اطلاق النار معه منعه من استخدام الطائرات القتالية، لكن ليس المروحيات، استخدم اسطول من المروحيات والمدفعية ضد المتمردين الشيعة وقتلهم بالالاف وسحق التمرد.
في آذار 2011 شن تحالف دولي برئاسة حلف شمال الأطلسي (الناتو) عملية عسكرية ضد نظام معمر القذافي لحماية المدنيين في ليبيا. استمرت الهجمات بقيادة بريطانيا وفرنسا تحت قيادة مشتركة مع الولايات المتحدة لثمانية اشهر، وتم تنفيذ آلاف الطلعات الجوية وعمليات القصف، وشاركت قوات خاصة برية. ورغم الإطاحة بالقذافي واغتياله في تشرين الأول في تلك السنة، أصبحت ليبيا دولة ممزقة بدون قيادة متفق عليها، الامر الذي أدى الى اندلاع حرب أهلية دموية لم تهدأ حتى الآن. وقد وصفت الدراسات والتقارير الاستخبارية التي جمعت بعد العملية العسكرية في ليبيا هذه العملية بالفشل الذريع. ونسبت ذلك بالأساس الى غياب خطة للمرحلة التالية.
من المهم تذكر دروس هذه الفصول، اذ تثير التقارير عن تقدم القوات الامريكية وحشدها، بما في ذلك حاملة الطائرات “ابراهام لنكولن” التكهنات بان الولايات المتحدة تستعد لاستئناف حملتها ضد ايران بهدف توجيه ضربة قاضية للنظام. ان تعزيز القدرات العسكرية الامريكية وتحسين الاستعدادات الدفاعية ضد أي رد إيراني لا تغير الظروف الأساسية التي تميز سيطرة النظام في ايران، أو حالة عدم اليقين بشان التداعيات السياسية لأي تحرك عسكري.
الجيش الإيراني وحرس الثورة الإيراني والباسيج والشرطة بقوا مخلصين للنظام، ونحن لا نعرف عن أي انشقاق جماعي في صفوفهم. ويواصل عشرات آلاف عناصر الامن الدوريات في شوارع المدن الكبرى التي فرض فيها نوع من الاحكام العرفية، التي بحسبها يتم اعتقال مئات المواطنين كل يوم. هيكلية النظام تضمن استمرار النظام القائم حتى في حالة تصفية المرشد الأعلى علي خامنئي، ولا يوجد نقص في المرشحين لخلافته. وقد عين خامنئي (86 سنة) لجنة قبل سنة تقريبا لاختيار خليفته، وذلك في اطار نفس نظام الحكم المنصوص عليه في الدستور.
ان تفكيك كامل لآليات سلطة وسيطرة النظام يحتاج الى ثورة مضادة شاملة وواسعة النطاق، على شاكلة الثورة الإسلامية. ولكن في تلك الثورة امتنع جنود الجيش النظامي عن اطلاق النار على المتظاهرين، في حين يمتلك النظام الآن حرس الثورة وقوة الباسيج التي يعتمد وجودها على النظام نفسه، وفي نفس الوقت يبقى مشكوك فيه اذا كان الشعب في ايران، الذي عانى من ضربات دموية غير مسبوقة، سيتمكن أو يرغب في الخروج الى الشوارع في المستقبل القريب فقط لمجرد ان ترامب يظهر الآن تصميمه على التدخل العسكري. ويجدر الذكر بان هذا الشعب نفسه هو الذي بدأ الاحتجاجات التي أصبحت الأكبر منذ الثورة الإسلامية، ليس بسبب وعد أمريكا بالمساعدة، وبدون تنسيق مسبق مع إدارة ترامب. لم ينضم التشجيع الأمريكي للاحتجاج ألا عندما تطور. ولكن بعد ذلك سمعت أصوات كثيرة تعبر عن السخط وحتى عن الخوف من ان يصبح الاحتجاج واسقاط النظام “انجاز” امريكي، وصورة مشابهة للإطاحة بحكومة محمد مصدق في العام 1953 على يد المخابرات الامريكية والمخابرات البريطانية.
في حين ان التقديرات والتنبؤات حول المسار العسكري الذي يخطط له ترامب توحي بانه الطريقة الوحيدة المحتملة لحل “قضية ايران”، الا أن القناة الدبلوماسية لم تغلق بعد. فقبل أسبوع فقط كشف ترامب بان ايران ابلغته برغبتها في استئناف المفاوضات حول الاتفاق النووي، وأن “لقاء مع الإيرانيين هو قيد التخطيط”. وقد تم الغاء اللقاء بعد ان تبين حجم المذبحة التي نفذت ضد المتظاهرين، واستبدل بالتهديد بشن هجوم، الذي توقف أيضا “في اللحظة الأخيرة” بعد وصول رسالة من ايران تفيد بتجميد عمليات الإعدام.
الامر لم يقتصر على تبادل “رسائل طواريء” بين الطرفين، بل ان النشاط الدبلوماسي لم يتوقف خلال أيام الاحتجاج. فقد عملت الدول العربية، التي حذرت ترامب من العملية العسكرية، لا سيما السعودية وسلطنة عمان، في الفترة الأخيرة على فحص إمكانية عقد اللقاء الذي تم الغاءه واستئناف المفاوضات الكثيفة التي يمكن ان تؤدي الى الاتفاق. في يوم الخميس، على هامش اجتماع المجلس الأمريكي – الإسرائيلي في فلوريدا، لم يستبعد ستيف ويتكوف إمكانية التوصل الى حل دبلوماسي، بل وعرض معايير اتفاق جديد مع ايران، تشمل عدم تخصيب اليورانيوم في ايران والتعامل مع 2 طن من اليورانيوم الذي تمتلكه ايران بمستوى تخصيب 3.67 في المئة أو 60 في المئة وتقليص ترسانة الصواريخ البالستية وتقليص المنظمات التابعة لها والتي تعمل تحت رعايتها. وجدير بالذكر ان حقوق الانسان واطلاق سراح المعتقلين وانهاء القمع لم تكن ضمن هذه الشروط. وقد قدر ويتكوف ان ايران ستوافق على تقديم تنازلات بشان هذه القضايا “بسبب الازمة الاقتصادية الشديدة التي تمر بها”.
من الأفضل الا نحبس الانفاس قبل عقد لقاء دبلوماسي بين أمريكا وايران. ولكن التقييم الذي يقول بان ترامب “ليس لديه خيار” باستثناء استخدام القوة ضد ايران – ليس لتدمير المنشآت النووية أو مستودعات الصواريخ البالستية بل لاسقاط النظام – يجب التعامل معه أيضا بقدر كبير من التشكك.
مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook



