ترجمات عبرية

هآرتس : الاغتيال ليس صيغة سحرية

عاموس هرئيل

هآرتس  2022-05-09 بقلم: عاموس هرئيل 

إلقاء القبض على «منفذي عملية العاد» الفلسطينيين اللذين قتلا المواطنين الاسرائيليين الثلاثة في إلعاد في منتهى عيد الاستقلال هو مسألة وقت. التغطية الاستخبارية الإسرائيلية في الضفة الغربية شاملة جدا والوسائل والموارد المستثمرة في الملاحقة كبيرة جدا إلى درجة أن السؤال الأساسي هو هل سيتم إلقاء القبض عليهما أحياء أم أنهما سيقتلان في المواجهة مع قوات الأمن. في حالة «منفذي العملية» اللذين قتلا الحارس الذي كان يوجد على مدخل «أريئيل» قبل أسبوع مرت اقل من 24 ساعة بين العملية والاعتقال. حقيقة أن هذين الاثنين تخليا عن السلاح منعت موتهما. في ظروف حملة قتل كبيرة جدا فمن المشكوك فيه أن يأخذ أي أحد مخاطرة خاصة من اجل اعتقال منفذي عملية إلعاد على قيد الحياة. يمكن الأمل فقط بأن يتم إيجادهما قبل أن يعملا مرة أخرى.
ليست الصعوبة الكبيرة التي تواجه جهاز الأمن في موجة الإرهاب الحالية في حل لغز العمليات أو ملاحقة المنفذين، بل في مرحلة اسبق وحاسمة اكثر، بلورة التحذيرات الاستخبارية وإمكانية منع المخربين قبل العمل. رغم توجيه حساسات الأجهزة الاستخبارية نحو المناطق إلا أن إسرائيل حتى الآن تجد صعوبة في تشخيص منفذي عمليات منفردين أو خلايا محلية صغيرة لا توجد لها بنية تنظيمية منظمة مسبقا.
في موجة إرهاب المنفردين السابقة في 2015 تمت بلورة طرق لمتابعة التصريحات المتطرفة في الشبكات الاجتماعية. ولكن في هذه المرة يبدو أن المخربين اصبحوا حذرين اكثر في ترك آثار حول نواياهم. هناك فرق آخر وهو أن انتفاضة الأفراد تلك وصفت بأنها انتفاضة المنبوذين. ففي حالات كثيرة كان منفذو العمليات ذئابا منفردة حتى في حياتهم، شباب وفتيات صغار أو أشخاص من هامش المجتمع، الذين التقت مشكلاتهم الشخصية مع النضال الوطني. في هذه المرة منفذو العمليات بشكل عام هم أكبر وكما يبدو أكثر أهمية في المجتمع. في معظم الحالات وصل الى ايديهم سلاح ناري متطور، وحتى عندما انطلقوا في الطريق وهم يحملون فقط السكاكين والبلطات، مثلما في العملية في إلعاد، كان هناك كما يبدو تخطيط مسبق هادئ.
في إلعاد استغل «منفذي العمليات» بنية تحتية مدنية معروفة وهي مقاول نقل إسرائيلي، يبدو أنه اعتاد على تهريب ماكثين غير قانونيين، من اجل الوصول الى المدينة. هم قتلوه في سيارته وواصلوا حملة القتل. حقيقة أن خط التماس مخترق منذ سنوات كثيرة وبإهمال متعمد من المستوى السياسي وجهاز الأمن تسهل اكثر على منفذي العمليات. مؤخرا انتشرت قوات كبيرة على طول الجدار وتم الإعلان عن عملية لترميمه، لكن مهمة الإصلاح ستستمر لفترة طويلة.
بدأت موجة العمليات الحالية في القدس عندما قتل فلسطيني من الخليل من مؤيدي «داعش» عاملا من مولدوفا اعتقد بالخطأ أنه إسرائيلي في 21 آذار الماضي. اتضحت خلفية العمل  فقط في وقت متأخر، لكن في اليوم التالي قتل بدوي إسرائيلي من النقب، هو أيضا من مؤيدي «داعش»، اربعة مواطنين في بئر السبع. حتى الآن نفذت اربع عمليات قاتلة قتل فيها 16 مدنيا و3 من عناصر قوات الأمن. هذا بالمتوسط عملية كل أسبوع تقريبا، التي تبقي تهديد الإرهاب الموضوع رقم واحد على جدول الأعمال الوطني والإعلامي، وبشكل خاص عندما تحدث معظم العمليات في مراكز المدن. الموجة لا تجر معها الجمهور الفلسطيني إلى مواجهات عنيفة مع الجيش في الضفة، لكن يكفي أن نجاح كل عملية يجر وراءه محاولات للتقليد بإلهام منها من اجل إبقاء النار مشتعلة. إذا كان يوجد أمل للحظة بأن نهاية شهر رمضان ستجلب معها الهدوء، في هذه الأثناء يبدو أن هذا الأمل قد تبخر.
إسرائيل ردت على العمليات، التي انطلق بعض منفذيها (من بينهم منفذي عملية إلعاد) من منطقة جنين، أيضا بعمليات اعتقال واسعة في شمال الضفة. هذه النشاطات تمت مواجهتها في بعض الحالات بمواجهة مسلحة التي قتل فيها فلسطينيون مسلحون والى جانبهم عدد من المدنيين الذين ليست لهم أي صلة. ولكن غياب بنية تنظيمية وراء العمليات يصعب أيضا العثور على أهداف أخرى للاعتقال. ردع إسرائيل لا يظهر عاليا في هذه الأثناء. فخلال عشرين سنة، منذ عملية السور الواقي في 2002، بقيت في المنطقة بقايا النشاط العدائي للجيش الإسرائيلي، وردعت معظم الجمهور عن الانضمام مرة أخرى إلى العنف. ومشكوك فيه أن يتذكر الجيل الشاب الذي ينتمي إليه الإرهابيون هذه الصدمة الجماعية.
الاغتيال ليس صيغة سحرية. خيبة الأمل الإسرائيلية من استمرار العمليات وفقدان الشعور بالأمن في أعقابها يؤدي إلى الارتكاز على فترات سابقة. في البداية سمعت نداءات لـ»سور واقي 2»، حتى لو كانت الظروف في هذه المرة، كما قلنا، مختلفة في مضمونها. بعد العملية في إلعاد هبت صرخة شعبية: نفذ اغتيالات من اجلنا. وللدقة، احضروا لنا رأس رئيس «حماس» في غزة يحيى السنوار.
برزت هذه الدعوات على الفور بعد تنفيذ العملية في الشبكات الاجتماعية وفي وسائل الإعلام. حتى صباح اليوم التالي أصبحت هذه الدعوات تردد من قبل جهات سياسية. في الجيش الإسرائيلي نظروا إلى ما يحدث بدهشة. أولا، «حماس» مرتبطة بصورة غير مباشرة بهذه العملية (والد أحد المخربين معروف كعضو في «حماس»، لذلك سارعت «حماس» لتحمل المسؤولية عن العملية)، ثانيا، اغتيال السنوار لم يكن موضوعا على جدول الأعمال قبل العملية، على الأقل في الأماكن التي تتخذ فيها القرارات. وثالثا، لا توجد أي ضمانة بأن إخراج السنوار من المعادلة سيوقف بصورة عجيبة جميع الإرهاب الحالي. كل ذلك لم يزعج المعارضة في اليمين في تطاولها على الحكومة وعرض عدم المس برئيس «حماس» كفشل امني فظيع، ولم يزعج محللين في وسائل الإعلام، الذين عدد كبير منهم هم من المتعاطفين مع الحكومة، في الانقضاض على الاغتيال كصيغة سحرية ستنقذنا من الواقع الدموي الجديد.
السنوار هو قاتل مجرم، قضى في السجن الإسرائيلي اكثر من عشرين سنة على عملية قتل وتعذيب لمشبوهين بالتعاون مع إسرائيل. وقد تم إطلاق سراحه من السجن في صفقة جلعاد شاليت، التي اتخذ القرار فيها بنيامين نتنياهو. وكل الحكومات الأخيرة، من حكومات نتنياهو وحتى حكومة نفتالي بينيت الحالية، تمسكت بمحاولة التفريق المحسوب بين الضفة الغربية وقطاع غزة. حطم السنوار هذه الصيغة في السنة الماضية عندما ربط في عملية حارس الأسوار بين إطلاق الصواريخ من غزة والمواجهات في الحرم وداخل الخط الأخضر. ولا ريب في أنه رسخ لنفسه مؤخرا الشعور بالحصانة المبالغ فيها. فمن جهة هو يشجع بشكل علني الإرهاب في إسرائيل وفي الضفة (بما في ذلك «خطاب البلطات» في الأسبوع الماضي). ومن جهة أخرى، سياسة التسهيلات الاقتصادية لإعادة إعمار غزة تستمر كالمعتاد. لكن توقع نجاح الحلول الفورية بأسلوب الاغتيال تبدو دون أساس.
مبررات ذلك كثيرة. فسيكون من الصعب مفاجأة السنوار الآن بعد كل التهديدات والتصريحات. الاغتيال يعني جولة قتال مع غزة، التي لا تريدها إسرائيل في هذه الأثناء. إضافة إلى ذلك، حتى الآن كانت لعمليات الاغتيال نتائج مختلطة في محاربة الإرهاب. دائما يمكن التلويح بتداعيات تصفية فتحي الشقاقي، رئيس الجهاد الإسلامي في 1995، أو الجنرال قاسم سليماني، قائد «قوة القدس» في حرس الثورة الإيراني في 2020 (على أيدي الأميركيين). في هاتين الحادثتين لحق ضرر بهذه المنظمات التي قادوها، لكن بالتحديد في الساحة القريبة أمام «حماس»، أيضا عشرات عمليات التصفية لكبار أعضاء هذه المنظمة، منها تصفية الشيخ احمد ياسين في 2004، لم تدفع قدما حتى الآن بأي إنجاز إسرائيلي مهم باستثناء إشباع شهوة الانتقام لفترة قصيرة. من التجربة هذا الإشباع ينقضي على الفور بعد العملية المضادة الأولى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى