ترجمات عبرية

هآرتس : الاستيطان سيتحول لحَدبة أمنية واقتصادية على ظهر إسرائيل

هآرتس 2022-04-22 – بقلم: شاؤول أريئيلي

وراء كل أسطورة يوجد هدف سياسي. كلما كان أبعد من الواقع فسيصغر عامل الحقيقة الموجود في الأسطورة ويزيد فيها عامل الاختلاق، الذي يخلق غلافاً من الادعاءات والتفسيرات المنحازة، ويسمح للاسطورة بأن تنقل رسالة اجتماعية – سياسية بصورة مثيرة للمشاعر، التي لا تصمد امام اختبار الحقائق.
كلما كان الهدف السياسي ملحاً اكثر فان اتباع الاسطورة سيحاولون تطويرها بصورة اشد. لا يوجد مثل التقرير السنوي لمجلس “يشع” مع المعطيات الديمغرافية عن الإسرائيليين الذين يعيشون في يهودا والسامرة من أجل أن يثبت ذلك. يريد التقرير الإشارة الى ازدهار اسرائيل في يهودا والسامرة من اجل ترسيخ اسطورة أن المستوطنات حولت حل الدولتين الى أمر غير ممكن، والآن بعد فترة قصيرة سيكون بالامكان ضم المنطقة دون المس بالحلم الصهيوني حول دولة ديمقراطية مع اكثرية يهودية. يوجد لهذه الاسطورة نجاح كبير في روح المجتمع الاسرائيلي – 80 في المئة من مؤيدي حل الدولتين يعتقدون أنه غير ممكن بالاساس بسبب نجاح مشروع الاستيطان.
في كل سنة ينشر التقرير مع بيانات انتقائية جدا، تثير في القارئ الشعور بأن الامر يتعلق بسنة اخرى ناجحة لمشروع الاستيطان الاسرائيلي. هذا “النجاح” اجمله في الشهر الماضي رئيس مجلس “يشع” دافيد الحيان في القناة 7 بالكلمات التالية: “نحن سعداء لتبشيركم أنه في هذه السنة يتوقع أن نتجاوز سقف نصف مليون مواطن في يهودا والسامرة”.
لكن مثلما في كل سنة، بعد بضعة اسابيع على نشر تقرير مجلس “يشع”، ايضا المكتب المركزي للاحصاء نشر بيانات (22/3)، وهذه البيانات تظهر أن تقرير مجلس “يشع” يكشف عن الجانب الايجابي ويخفي الجوانب السلبية. وهذه البيانات تحول احتفال النصر الاستيطاني الى مهزلة. بعد فحص البيانات والتوجهات الموجودة في تقرير المكتب المركزي للاحصاء فان ذرة الحقيقة في تقرير مجلس “يشع” تتضاءل، وتنقلب الامور رأسا على عقب، ونحصل على صورة محزنة جدا بالنسبة لاتباع الاسطورة المذكورة اعلاه.
تتلخص بذرة الحقيقة في تقرير “يشع” من العام 2021 بالاساس ببيان واحد: الزيادة السنوية في المنطقة اعلى من الزيادة داخل الخط الاخضر. حتى لو لم تكن بيانات التقرير للعام 2021 مشابهة لبيانات المكتب المركزي للاحصاء، يشير التقرير الى زيادة تبلغ 3.3 في المئة في يهودا والسامرة، في حين أن المكتب المركزي للاحصاء يشير الى زيادة تبلغ 2.6 في المئة فقط. ويشير التقرير الى زيادة 15890 نسمة، في حين أن تقرير المكتب المركزي للاحصاء يذكر فقط 11805 نسمة، فان الادعاء صحيح. الزيادة السنوية داخل الخط الاخضر هي 1.7 في المئة.
من هذه المرحلة يبدأ تضليل عن طريق عرض بيانات انتقائية. الآن سأعرض بيانا واحدا يمكن من خلاله أن نستنتج البيانات الباقية. حسب تقرير مجلس “يشع” فانه في المدن الاربع اليهودية في يهودا والسامرة (موديعين عيليت وبيتار عيليت ومعاليه ادوميم واريئيل) كانت هناك زيادة سنوية تبلغ 2.6 في المئة، وسكانها يشكلون 43 في المئة من اجمالي عدد السكان اليهود في يهودا والسامرة. يعكس هذا الرقم زيادة سنوية اعلى مما في اسرائيل، ويبدو أنه يؤكد الادعاء بشأن نجاح مشروع الاستيطان. لنتجاهل أن المكتب المركزي للاحصاء يشير الى زيادة 2.4 في المئة وأن السكان في هذه المدن يشكلون 46 في المئة من اجمالي السكان اليهود في يهودا والسامرة، وسنركز على ما اراد مجلس “يشع” اخفاءه من خلال تمثيل موحد للمدن الاربع دون تمييز بينها وبدون الدخول في تفاصيل.
أولاً، هذه المدن الاربع تعاني منذ سنوات من ميزان هجرة داخلي سلبي، الذي بلغ في هذه السنة بصورة متراكمة لها جميعها -1154. أي أنه غادر الاربع مدن 1154 شخصا اكثر ممن انضموا اليها. ثانياً، عدد سكان معاليه ادوميم في نهاية 2021 ، 37533، كان اقل من عددهم في نهاية 2020، 37846 نسمة. أي أن معاليه ادوميم ليس فقط تعاني منذ عشر سنوات متتالية من ميزان هجرة داخلي سلبي، بعد ان غادرها في العقد الاخير 5105 اشخاص، اكثر مما انتقلوا اليها (937 من بينهم في السنة الاخيرة)، ولكنها ايضا تعاني من زيادة سنوية سلبية للسنة الثانية على التوالي. الوضع في اريئيل مشابه. ايضا في 2021، مثلما في الثماني سنوات من الـ 12 سنة الاخيرة اريئيل عانت من ميزان هجرة سلبي هو -217. لو لم يصل اليها 27 مهاجرا جديدا فان اريئيل كانت ستنهي 2021 بصورة مشابهة لسابقتها، مع زيادة سنوية سلبية. أي انه في 2021 انضم الى اريئيل 59 شخصا فقط. هذه العملية حولتها الى المستوطنة الخامسة في حجمها (بدلا من الرابعة) بعد جفعات زئيف التي حصلت على زيادة اصولية كبيرة.
خلافاً للادعاءات فان هذا التوجه في المدن لا يرتبط بعدم اعطاء تصاريح عمل. الحياني اضاف في المقابلة “يجب علينا التأكد من أن المصادقة على المخططات تتواصل كالعادة”. وفي 7 كانون الثاني 2021 كتب مدير عام مجلس “يشع، يغئيل دلموني، في مقال نشره في الصحيفة: “فقط قبل سنتين تمت المصادقة على مئات الوحدات السكنية في اريئيل، في هذه السنة في معاليه ادوميم. وسنبدأ في رؤية اسكانها في السنة القادمة”، أي في العام 2021.
ماذا بخصوص المدن الاصولية؟ ايضا هناك تواصل الهجرة السلبية في 2021 هذا المنحى الذي كان في سنتين من السنوات الثلاث الاخيرة. موديعين عيليت، المدينة اليهودية الاكبر في يهودا والسامرة، وبيتار عيليت، المدينة الثانية من حيث حجمها، غادرهما في السنة الماضية على التوالي 280 و4771 شخص اكثر من الذين انتقلوا اليهما. ولكن خلافا للمدينتين العلمانيتين الاصغر، فان المدينتين الاصوليتين تحظيان بمعدل عال جدا من الزيادة الطبيعية. في المدينتين اضيف ما لا يقل عن 5638 نسمة. الزيادة الطبيعية في المدن الاصولية هي 88.2 في المئة من اجمالي الزيادة الطبيعية في المدن الأربع. والاهم من ذلك هو أنها تشكل 84.3 في المئة من اجمالي الزيادة السنوية في المدن الأربع. أي أن ميزان الهجرة الداخلية السلبي العالي يتم الاقتطاع منه عن طريق الزيادة الطبيعية العالية جدا، الذي ينقص ايضا الزيادة السنوية السلبية لاريئيل ومعاليه ادوميم. بكلمات اخرى، هذا هو الطين الذي يغلق به مجلس “يشع” الثقوب الكبيرة في تقريره.
هناك من يقولون إن هذا لا يغير النتيجة النهائية وهي أن عدد الاسرائيليين في يهودا والسامرة ارتفع. توجد حول هذا الامر عدة ملاحظات. الاولى، الزيادة في نسبة الاصوليين من بين سكان يهودا والسامرة يعني استمرار الهبوط في التصنيف الاقتصادي – الاجتماعي للسكان الاسرائيليين جميعهم في يهودا والسامرة. معدل الاسرائيليين في يهودا والسامرة الذين يوجدون في العنقود الادنى (رقم 1) جميعهم من سكان المدينتين الاصوليتين، هو اكبر بعشرة اضعاف من نسبة الاسرائيليين داخل الخط الاخضر المصنفين في هذا العنقود. هذا يحدث، ضمن امور اخرى، لأن معدل السكان الاصوليين في يهودا والسامرة اكبر باربعة اضعاف مما هو في اسرائيل. الزيادة الطبيعية العالية وميزان الهجرة السلبي تقلل عمر السكان. في موديعين عيليت 66.2 في المئة من سكان المدينة وفي بيتار عيليت 63.2 في المئة، هم تحت جيل 19 سنة. أي هذه المجموعة السكانية هي فقيرة جدا، حتى بالنسبة للمجتمع الاصولي بمجمله في اسرائيل، في كل المؤشرات، التصنيف الاجتماعي – الاقتصادي، متوسط الاجور، الحصول على البغروت، نسبة الاكاديميين وغيرها. تداعيات هذه التوجهات واضحة. تحول سكان يهودا والسامرة الى اصوليين، اكثر شبابا واكثر فقرا ومدعومين اكثر ومندمجين اقل. هذا الواقع بعيد جدا عما يحاولون رسمه لنا في تقرير مجلس “يشع”.
ثانياً، الزيادة الطبيعية في المدينتين الاصوليتين هي 47.8 في المئة من اجمالي الزيادة في يهودا والسامرة. لولا هاتين المدينتين فان الزيادة السنوية في يهودا والسامرة كانت ستكون اقل من المتوسط داخل الخط الاخضر. في كل اقتراح قدم من قبل اسرائيل أو الفلسطينيين في المفاوضات المختلفة فان المدينتين القريبتين من الخط الاخضر يمكن أن تنضما لاسرائيل في اطار تبادل الاراضي، والسكان فيهما ينضوون ضمن الـ 80 في المئة من الاسرائيليين من سكان يهودا والسامرة الذين سيبقون تحت السيادة الاسرائيلية. أي انه ليس في زيادة المدن الاصولية ما من شأنه أن يغير الحدود الثابتة التي اقترحت، سواء من قبل اسرائيل أو من قبل الفلسطينيين؛ ايضا في الاضافة الهامشية لاسرائيليين الى المستوطنات البعيدة عن الخط الاخضر فان ذلك لا يمكنه أن يغير هذه الحدود.
ثالثاً، رغم الزيادة الطبيعية العالية إلا أن ميزان الهجرة الداخلية السلبي يقلص الزيادة السنوية، التي لا تنجح في تغيير الميزان الديمغرافي، الذي فيه يوجد فيه للفلسطينيين في الضفة الغربية اغلبية ثابتة تبلغ 86 في المئة من اجمالي السكان.
ربما يمكن أن نغفر لحياني الذي اراد استباق المستقبل عندما وعد بأنه في هذه السنة سيتجاوز خط النصف مليون نسمة في يهودا والسامرة، رغم أنه حسب معطيات المكتب المركزي للاحصاء فان سكان يهودا والسامرة كان عددهم في نهاية السنة الماضية 465 ألف نسمة، وليس 491 ألف نسمة مثلما ذكر في تقرير مجلس “يشع”، وبوتيرة الزيادة السنوية المتوسطة سنحتاج الى ثلاث سنوات تقريبا من اجل الوصول الى نصف مليون. ولكن نحن لا نستطيع أن نغفر له ولمجلس يشع عن الاخفاء الممنهج لبيانات تقود الى تضليل. من يعرف اكثر من حياني، الذي هو ايضا رئيس المجلس الاقليمي “عربوت هيردين” عن فشل الاستيطان في منطقته. بعد 55 سنة على الاستيطان في غور الاردن، الذي تم تشجيعه عن طريق روح الامن ورافقه استثمار بالمليارات، فان عدد سكان المجلس الذي يمتد على 15 في المئة من اراضي الضفة وصل في نهاية 2021 الى 6128 شخصا فقط. وضع مشابه يسود ايضا في جارته من الجنوب، المجلس الاقليمي ميغلوت يم هميلخ، وهذا المجلس يمتد على مساحة 8 في المئة من اراضي الضفة، لكن يعيش فيه فقط 2058 نسمة في ست مستوطنات.
تفيد بيانات المكتب المركزي للاحصاء بأن منظومة المستوطنات تعاني في السنوات الاخيرة من توجهات سلبية في كل ما يتعلق بالزيادة الديمغرافية ومصادر الزيادة والتصنيف الاقتصادي  الاجتماعي والخصائص الاقتصادية المختلفة. اذا استمرت التوجهات القائمة فان سكان يهودا والسامرة سيتشكلون في المستقبل من اغلبية اصولية، اقلية من المتدينين – القوميين والقليل من العلمانيين. ستتحول هذه المجموعة السكانية الى حدبة امنية واقتصادية على ظهر دولة اسرائيل، فقيرة، ليس لها مصادر للتشغيل الذاتي وتعتمد على اسرائيل داخل الخط الاخضر في جميع المجالات مثل التشغيل والخدمات والدعم الحكومي وما شابه.
اذا كان الامر هكذا فان التحدي السياسي الاكبر الذي يقف امام الطرفين ليس في المؤشر المكاني – الطبيعي، لانه في هذا المؤشر حل الدولتين على اساس المعايير التي وجهت المفاوضات في انابوليس في 2007 ما زال ممكنا، بل في المؤشر السياسي. الظروف لامكانية تنفيذه هي استعداد حكومة اسرائيل لاعادة تبني حل الدولتين وقدرة الفلسطينيين على تقديم عنوان شرعي واحد معتمد للتفاوض والتوقيع على اتفاق دائم.
طريقة فعل ذلك هي الاظهار للجمهور الاسرائيلي الذي يؤيد حل الدولتين أن امكانية ذلك قائمة، والادعاء بأن منظومة الاستيطان اخرجتها من هذه الامكانية غير صحيحة. إن تجديد ايمان الجمهور بامكانية حل الدولتين سيؤثر بشكل دراماتيكي على القيادة في اسرائيل، سواء التي تؤيد الحل ولكنها تتجنبه خوفا من فقدان ناخبيها أو التي تعارضه، وسيمكن من أن يحرك من جديد عجلات العملية السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى