ترجمات عبرية

هآرتس: الأزمة الإنسانية في قطاع غزة تتحول إلى سلاح استراتيجي وسياسي في أيدي إسرائيل

هآرتس 10-11-2023، بقلم تسفي برئيل: الأزمة الإنسانية في قطاع غزة تتحول إلى سلاح استراتيجي وسياسي في أيدي إسرائيل

 الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، رسم في هذا الأسبوع الخطوط الأساسية للخطة الأمريكية لفترة ما بعد الحرب. بعد اجتماع الـ “جي7” في طوكيو قال إن “الولايات المتحدة تعتقد أن المبادئ الأساسية يجب أن تتضمن عدم تهجير الفلسطينيين بالقوة من غزة، لا الآن ولا بعد الحرب؛ لأن غزة لن تستخدم كقاعدة للإرهاب أو لهجمات عنيفة أخرى، وأنه لن يكون هناك إعادة احتلال لغزة بعد انتهاء الحرب (الصراع، حسب تعبيره)، ولن تكون محاولة لفرض حصار على غزة، ولا أي تقليص لمساحة القطاع. ويجب ضمان بعدم حدوث تهديد إرهابي من الضفة الغربية”.

ليست هذه سوى المرحلة الأولى من الخطة التي تم فيها تحديد مجال النشاطات الإسرائيلية الذي ستكون واشنطن مستعدة لتحمله. ليس فيه مطالبة بتخفيف نطاق العمل العسكري، لكنه يحدد إطار الأضرار الإنسانية المسموحة الذي تم خرقه في السابق بشكل كامل. ربما يعلن بلينكن كما يريد، بأنه لن يكون هناك تهجير للسكان أثناء الحرب أو بعدها، لكن التهجير يحدث الآن. وهناك تكملة، التي تهز القيادة في إسرائيل لأنها تكشف بكل الوضوح خطوط المواجهة المتوقعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

“علينا العمل على الأسس المطلوبة من أجل التوصل إلى سلام ثابت. وهذه يجب أن تشمل أصوات وتطلعات الفلسطينيين الذين سيقفون في مركز طبيعة الحكم الذي سيقوم بعد الحرب”، هذا تصريح غامض لا يمثل العملية التي “ستسمع فيها أصوات الفلسطينيين”، لكن تأتي الوصفة العملياتية على الفور، التي تقول إن هذه الخطوات “يجب أن تتضمن سلطة فلسطينية في غزة، بحيث تكون موحدة مع الضفة الغربية تحت قيادة السلطة الفلسطينية، وعليهم إقامة آلية قابلة للحياة لإعادة إعمار القطاع وقناة للإسرائيليين والفلسطينيين للتعايش في دولة خاصة بهم، مع وسائل متساوية من الأمن والحرية والفرص والكرامة”.

هذه الخطة متناقضة بشكل مطلق مع تصريح نتنياهو حين قال “ستكون لإسرائيل سيطرة أمنية كاملة على غزة”، وبدون تقييد زمني. بلينكن، كما يبدو، لا يوافق على هذه الصيغة الضبابية والخالية من الأفق التي عرضها غانتس حين قال في هذا الأسبوع في لقاء مع مراسلين أجانب إنه “عندما تكون غزة آمنة فالمنطقة الشمالية ستكون آمنة. وستهدأ “يهودا والسامرة”. وسنجلس ونفحص آلية بديلة لغزة. لا أعرف ما هي الآلية”. من الجيد أنه لم يطلب سلام عالمي كشرط لمناقشة الخطة المستقبلية.

صحيح أنه لا يوجد جدول زمني في خطة بلينكن لتطبيقها، ولا يوجد أي تفصيل للآليات التي سيتم تطبيقها من أجل إجراء مفاوضات حول الخطة، وحتى لا يوجد شرح عملي بشأن من الذي ستلقى عليه المسؤولية لإعادة إعمار القطاع… ولكن يوجد فيها سياسة أمريكية حازمة ستلزم إسرائيل بمواجهتهم. أقوال بلينكن نشرت بعد أيام كثيرة نسي فيها كيف يبدو بيته وهو يجمع نقاط المسافر الدائم في رحلاته المكوكية بين العواصم العربية؛ بين الرياض وعمان، وبين “القدس” والقاهرة، وهي تعكس القاسم المشترك الذي توصل إليه بعد محادثات كثيرة، بالأساس مع الزعماء العرب، ومع نظرائه الأوروبيين أيضاً. هذه هي الخطة التي قد تحل محل الصيغ التي سبقت الحرب وفشلت، بما في ذلك مبادرة السلام العربية.

مقابل إسرائيل التي لا تطرح أي خطة، تقول الادارة الأمريكية بوضوح، حتى لو كانت لا تقول ذلك بصراحة، إنها تتبنى الصيغة التي عرضها محمود عباس عندما التقى مع بلينكن والتي بحسبها “السلطة الفلسطينية لن تتحمل المسؤولية عن غزة بدون حل سياسي شامل”. يصعب التفكير في فجوة سياسية أكبر بين الموقف الأمريكي والموقف الفلسطيني والموقف الإسرائيلي، ليس في مسألة الرؤيا المستقبلية فحسب. ففي الوقت الحالي، لا يوجد حتى اتفاق حول قضية توسيع نطاق المساعدات التي ستعبر من مصر إلى القطاع. وحسب منظومة القتال الإسرائيلية، فإن غزة مقسمة الآن إلى قسمين: الشمال، الذي تدور فيه حرب كاملة ضد البنية التحتية لحماس، في حين يعتبر الجنوب “منطقة آمنة” لسكان غزة. هذا تقسيم مضلل. فالشمال أصبح منطقة تحت سيطرة إسرائيلية كاملة، في حين يتشكل مخيم كبير للاجئين في جنوب غزة، الذي خلال فترة قصيرة عندما سيبدأ الشتاء، لن يكون مكان مناسباً للسكن. ولا نريد التحدث عن الأمراض وربما الأوبئة التي ستنتشر فيه.

زيادة عدد الشاحنات التي قد تنقل الغذاء والأدوية لجنوب غزة، التي لا يوجد حتى الآن أي موافقة حولها، لا يمكنها حل الأزمة الإنسانية التي تتفشى في قسمي القطاع تحت مسؤولية إسرائيل. ولكن حتى لو افترضنا بعدم وجود قيود على نقل المساعدات وحتى الوقود إلى جنوب القطاع، فلا مناص من إنشاء آليات محددة تتولى توزيع المساعدات وإعداد الأطباء ونقل المرضى والجرحى إلى مستشفيات خارج القطاع، وتوفير المياه والكهرباء، في الوقت الذي تعدّ فيه البنى التحتية في الجنوب غير مهيأة لاستيعاب مئات آلاف اللاجئين دفعة واحدة. ولأن هذه الحرب قد تستمر أشهراً كثيرة ولأن إعادة إعمار القطاع سيمتد سنوات، فثمة حاجة لعثور على حل للخدمات المدنية الأخرى مثل التعليم وإخلاء القمامة والمواصلات وإدارة أموال المساعدات، هذا إذا وصلت. هذه الآليات، التي هي نوع من الإدارة المدنية المؤقتة، ستعتمد على موظفين عمل بعضهم بالتأكيد تحت إدارة حماس، وكثير منهم الآن هربوا من مدينة غزة إلى جنوب القطاع.

هناك شك حول موافقة السلطة الفلسطينية على تحمل المسؤولية، حتى في المرحلة المؤقتة، عن إدارة جنوب القطاع لصالح إسرائيل. سوريا هو النموذج الأقرب للأزمة الإنسانية المتوقعة في جنوب القطاع، التي اضطر فيها الملايين من المهجرين لترك بيوتهم والعيش في خيام وأكواخ ومبان مهجورة وسيارات، إلى أن أقامت حركات التمرد، منها منظمات تعتبر إرهابية، المجالس المحلية التي بدأت مع جمعيات إغاثة محلية ودولية في توفير الخدمات المدنية. مرت 12 سنة على اندلاع الحرب في سوريا، والأزمة الإنسانية في مناطق المهجرين ما زالت صارخة، وصندوق منظمات الإغاثة فارغ، وانتقال قوافل المساعدات مرهون بحسن نية النظام والدول المتورطة في الحرب مثل تركيا وروسيا.

لكن مقابل الحلول الجزئية لمهجري سوريا، مثل الانتقال إلى لبنان أو تركيا أو الأردن أو العراق، ومؤخراً إمكانية العودة إلى بيوتهم في سوريا، فإنها خيارات معدومة أمام لاجئي غزة. مصر التي تعتبر العنوان الفعلي الوحيد لاستيعابهم، أوضحت بشكل قاطع أنها لن تستوعب أي لاجئين من غزة. ولا توجد أي دولة عربية أو غربية عرضت فتح أبوابها أمامهم، مثلما فعلوا مع اللاجئين السوريين. حتى قبل الحرب، بقيت في غزة مناطق كاملة لم تحظ بإعادة الإعمار بعد الدمار الكبير الذي تعرضت له في عمليات سابقة. وفي هذه السنة، بدأت مصر في تشغيل طواقم بناء وشق طرق في مناطق معينة في القطاع. بعد الدمار العظيم الذي حدث في شمال القطاع في هذه الحرب، ستمر سنوات كثيرة حتى يتمكن المهجرون من العودة إلى بيوتهم. هذه أرض خصبة لتطور عصابات محلية، “لجان شعبية”، التي ستعمل في ظل غياب الشرطة وقوات الأمن المحلية. وفي الوقت الذي سيكون فيه الجيش الإسرائيلي مشغولاً بتطهير شمال القطاع من قواعد حماس، فإن جنوب القطاع “الملجأ الآمن”، سيتحول إلى منطقة مشاع.

يكفي فحص الواقع الذي تطور في مخيم جنين للاجئين أو في مخيمات اللاجئين التي لم تتجرأ فيها السلطة الفلسطينية على العمل، لكي نتوقع ما الذي قد يحدث في جنوب القطاع. “الإنجاز” الاستراتيجي الذي يكمن في احتلال شمال القطاع ربما يعمل كمنظومة أدوات مستطرقة، التي سيزيد فيها الأمن في شمال القطاع عدم الأمن والتهديد الذي سيتطور في جنوب القطاع.

أداة ضغط

“خطة المراحل” التي يطرحها بلينكن، والتي تميز بين الأزمة الإنسانية التي تحتاج إلى علاج فوري وملموس، وبين الحل السياسي بعيد المدى، ربما ستضخم الأزمة في القطاع إذا لم تسرّع نقل السيطرة في غزة إلى السلطة الفلسطينية. في هذه الأثناء، تتحول قضية المساعدات الإنسانية وربطها بإطلاق سراح المخطوفين إلى محور الخلاف الرئيسي بين أمريكا وإسرائيل بصورة تهدد أي احتمالية من أجل التوصل إلى المرحلة السياسية في الخطة، التي بدونها لا توجد إمكانية لنقل المسؤولية المدنية في غزة إلى السلطة الفلسطينية. ولكن إسرائيل ترى في هذه العملية تهديداً. فمعنى أن تحكم السلطة الفلسطينية في غزة والضفة ثم الاعتراف بها ممثلاً حصرياً للشعب الفلسطيني ومخولة باتخاذ القرار حول مستقبلها، هذا هو جوهر الحلم الأمريكي الذي منعت إسرائيل تحقيقه حتى الآن “بفضل” وجود حماس التي عملت ككابح أمام رؤية وحدة فلسطين، وقوضت مكانة السلطة كممثل حصري للفلسطينيين.

تم استخدام حماس كعامل فيتو بوجه أي عملية سياسية، وهكذا سمح لإسرائيل بالتهرب من الحاجة إلى التعامل معها، وبدأت تحتله الآن الأزمة الإنسانية التي تتطور لتصبح قضية استراتيجية وسياسية. حسب رؤية إسرائيل، فإن الأزمة الإنسانية جزء من ترسانة سلاح في يدها، وتستخدمها ليس فقط كورقة مساومة في المفاوضات على إطلاق سراح المخطوفين، بل لتنقش في وعي الفلسطينيين عقاب جهنم الذي ينتظر كل من يتجرأ على تحدي إسرائيل. هذه استمرارية لرؤية استراتيجية متجذرة، تستغل فيها المعاناة الإنسانية لمكاسب أمنية، لهذا رسخت الحصار على غزة كواقع لا بديل له.

ليس مهماً أن الحصار الذي استمر 17 سنة لم يمنع هجمات على إسرائيل وعمليات عسكرية، وبالطبع الحرب الحالية. يمكن التقدير بثقة كبيرة أنه حتى لو تم اجتثاث حماس، فلن تتنازل إسرائيل عن الحصار، لأنه حتى لو لم يمنحها الأمن، فإنه يعطيها السيطرة على الحياة في القطاع.

الأهم هو أن الأزمة الإنسانية في غزة توفر الآن لإسرائيل أدوات ضغط سياسية، تشمل المقابل الذي قد تحصل عليه من مصر، مثل ربط طريقة تشغيل معبر رفح في المستقبل، حتى بعد الحرب، وتحسين علاقتها مع الأردن مقابل التسهيلات في غزة، وبهذا تقلل الضغط الداخلي على الملك. وفوق كل ذلك، جعل السعي الأمريكي من أجل حل الدولتين يصبح عقيماً. وهنا يمكن لنموذج سوريا أن يستخدم كمصدر للمحاكاة. بعد فترة كانت فيها الولايات المتحدة مشاركة في صياغة قرارات الأمم المتحدة التي وضعت الشروط لاتفاق مستقبلي في سوريا، فقد ابتعدت عن أي معالجة للأزمة السياسية، ومنذ ذلك الحين ركزت على استمرار محاربة “داعش” وضمان المساعدة للمهجرين السوريين. خارطة الطريق التي جاء بها بلينكن للفصل بين القضية الإنسانية والحل السياسي: أولًا مساعدات إنسانية، ثم الحوار السياسي بعد انتهاء العملية العسكرية، وكأن العمليتين لا يمكن أن تجريا بشكل متواز، من شأن ذلك أن يقود إلى نتيجة مشابهة.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى