هآرتس: استعمار اقتصادي في القرن الـ 21: المناجم في افريقيا تموت في خدمة ثورة الـ AI

هآرتس 9/2/2026، يشاي الفر: استعمار اقتصادي في القرن الـ 21: المناجم في افريقيا تموت في خدمة ثورة الـ AI
سكان منطقة الكونغو يدفعون حياتهم ثمنا للتقدم التكنولوجي منذ اكثر من مئة سنة. الملايين ماتوا من اجل توفير شهوة الملك ليوبولد في نهاية القرن التاسع عشر، وعشرات الالاف ماتوا في مناجم النحاس في بداية القرن العشرين. في بداية القرن الواحد والعشرين وصلت الى العالم اجهزة النوكيا والبلاي ستيشن، والطلب على منجم كولتين دفع المنطقة الى حرب اقليمية. التقدم التكنولوجي القادم – الانتاج الصناعي لبطارية الليثيوم التي تحتاج الى المعدن المعروف باسم كوبالت – برز في صراع المليشيات المسلحة والعمل القسري للاولاد ابناء السادسة.
الكارثة التي كانت في يوم السبت الماضي في منجم كولتين في شرق الجمهورية الديمقراطية الكونغو، والذي قتل فيه ليس اقل من 200 شخص، حدث على خلفية الثورة التكنولوجية الجديدة – الذكاء الصناعي.
ذكاء صناعي ضاغط
حتى لو كان معظم الموارد الطبيعية في الكونغو ما زال يلبي احتياجات صناعة الطاقة المتجددة في الدولة فان صناعة الذكاء الصناعي اصبحت تنافسها – عالم الذكاء الصناعي بحاجة تقريبا الى كل ما هو موجود في بطن ارض الكونغو مثل الكولتين (من اجل المعالجات والرقائق)، الكوبالت (من اجل بطاريات الدعم ومزارع الخوادم)، النحاس (من اجل الاسلاك). وبالتاكيد الموارد التي كانت ذات يوم تغذي الصراعات الاقليمية مثل الذهب والمجوهرات، تلعب الان دور اقل اهمية في سلاسل التوريد، وتستخدم بالاساس لغرض السيطرة والتمويل لمليشيات محلية.
في الانهيار في منجم الكولتين روبايا تضافر السباق نحو الموارد بكل ثمن (المنجم الذي يوفر حوالي 15 في المئة من الكولتين للعالم.
متمردو الـ ام 23 الذين يسيطرون على الاقليم الذي يوجد فيه المنجم، الذي يكسبهم ارباح تبلغ مليون دولار في الشهر، والثمن الانساني والبيئي للمناجم في احدى الدول الفقيرة في العالم (2 مليون من ابناء الكونغو يعملون في مناجم غير قانونية، بينهم آلاف الاطفال).
تقدير عدد القتلى في حوادث المناجم أو حالات الوفاة المرتبطة بظروف العمل الصعبة هو حسب التقديرات مئات في السنة، لكن بسبب سيطرة المتمردين فانه يصعب على منظمات حقوق الانسان أو الحكومة توفير معطيات دقيقة. التداعيات البيئية للمناجم غير القانونية تشمل تلويث مصادر المياه والغذاء، وتسرب مواد خطيرة واضرار كبيرة للبيئة.
ان الانتشار السريع للبنى التحتية للذكاء الصناعي يزيد الضغط على الاقتصادات التي تقوم على استغلال الموارد، ويتقدم بوتيرة، التنظيم الحكومي لا يمكنه تلبيته”، قال للصحيفة البروفيسور اوفساسان اوكوي من جامعة سانت توماس في ميناسوتا. اوكوي حقق بشكل معمق في تاثير صناعة الذكاء الصناعي على النظام الحكومي والصراعات وحقوق الانسان والبيئة. “الكارثة في منجم روبايا”، قال، “تمثل كيف ان الطلب العالمي يلتقي مع ممارسات العمل القسري ودفع الخاوة للمسلحين”.
اوكوي، مثل خبراء آخرين، حذر من نظرة بسيطة تقول ان الموارد نفسها هي التي تؤدي الى الاستغلال. “من غير الصحيح الافتراض بان الصراع يحدث فقط بسبب وجود المعادن”، قال. “لكن الصراع يستمر عندما يتحول الصراع على المناجم والوصول الى الموارد الى نقطة خلاف في البيئة التي تتميز بمؤسسات ضعيفة وصلاحيات موزعة”.
ويتفق مع اوكوي في رأيه ريتشارد بيرهاوس، مدير قطاع البيئة في “هيومن رايتس ووتش”: “في نهاية المطاف فان العلاقة بين هذه المعادن واعمال العنف في شرق جمهورية الكونغو، تتواصل لأن سلاسل التوريد غير الشفافة لا تمكن هذه المعادن من الوصول الى الاسواق العالمية، وهي تحمي المستثمرين والتجار والمنتجين من الانتقاد”. قال.
اكتفاء استراتيجي
مثل أي تطور تكنولوجي فان ثورة الذكاء الصناعي ترافقها تغيرات جيوسياسية واضحة. ففي شهر آذار اعلن الرئيس الامريكي دونالد ترامب بان معادن معينة هي حيوية للامن القومي الامريكي. هذه العملية تعكس السباق بين الدول العظمى في العالم من اجل الوصول الى “الاكتفاء الاستراتيجي”، أي توفير مخزون من الموارد الثمينة على خلفية التنافس المتزايد، بالاساس مع الصين.
في شهر كانون الثاني اعلن ترامب عن اقامة مخزن للمعادن بمبلغ 12 مليار دولار (مشروع الخزنة). وحسب قوله فان “هذا الخزان سيضمن ان المصالح التجارية الامريكية لن تتضرر في أي يوم من أي نقص”. في ايار 2024 اطلق الاتحاد الاوروبي قانون “المواد الخام الحاسمة”، الذي استهدف تقليص الاعتماد على دول معينة في استيراد المعادن. هكذا يامل الاتحاد تعزيز التوفير المضمون والدائم للمواد الخام الحيوية لاقتصاد الدول الاعضاء فيه. وزير الخارجية الاسرائيلي جدعون ساعر شارك في هذا الاسبوع في لجنة “المعادن الحاسمة” في واشنطن، وتحدث عن “منظومة دولية جديدة تضمن لاعضائها التزود بالمعادن الحاسمة للصناعات الحيوية المختلفة لاقتصادها وامنها القومي”.
لكن ايضا في السباق الى “الاكتفاء الاستراتيجي” فان جمهورية الكونغو تحولت الى ساحة حرب. ففي حين يحاول الغرب ضمان التزود بالمعادن من هذه الدولة، التي يوجد في بطن ارضها معادن تقدر بـ 24 تريليون دولار. ومن تسيطر حتى الان على اكثر من 70 في المئة من مناجم الكوبالت والنحاس في العالم هي الصين.
ترامب كرئيس للكارتل
اذا كانت ثورة الذكاء الصناعي هي المحرك، والاكتفاء الاستراتيجي هو الاخلاق، فان ترامب هو شخص بين رجل مبيعات ورئيس الكارتل. سياسة سلفه، الرئيس جو بايدن، اعطت وزن اكبر لصناعة الطاقة الخضراء، وحتى أنها حاولت الدفع قدما بالشفافية في سلاسل التوريد. ولكن العالم تعلم التعرف ليس فقط على احتقار ترامب لقضايا البيئة، بل ايضا مقاربته النفعية للموارد الطبيعية وتهديداته التي ترافق أي مفاوضات.
هذه المقاربة معروفة تماما في العالم: نفط فنزويلا، معادن اوكرانيا والكنوز المدفونة تحت جليد غرينلاند. “الاقتصادات السياسية في جمهورية الكونغو وفي غرينلاند مختلفة جدا”، قال اوكوي. “لكنها تمثل جانبين لنفس التنظيم العالمي الجديد الذي يحركه الذكاء الصناعي”.
المقاربة النفعية لترامب مهمة ايضا من اجل فهم “اتفاقات السلام” التي يتفاخر بها. في هذه الحالة توسط الرئيس الامريكي في وقف اطلاق النار بين رواندا وجمهورية الكونغو في حزيران 2025. واحتفل بانهاء “الحرب الاكثر فظاعة التي يمكن ان يشاهدها أي احد”، لكن جملته التالية اوضحت مصالح اخرى. “كجزء من الاتفاق نحن سنحصل، أي الولايات المتحدة، على حقوق كثيرة في مجال المعادن في الكونغو”، قال في احتفال التوقيع في واشنطن.
“ان تاثير الاتفاق على الارض محدود جدا”، قالت للصحيفة مورين وولشت، الباحثة في معهد الابحاث في بلجيكا أي.بي.آي.اس الذي يتناول ضمن امور اخرى النزاعات على الموارد الطبيعية والثمن الذي تجبيه. “في شرق الدولة، مجموعات مسلحة تواصل السيطرة على مناطق رئيسية ومناطق التعدين”.
المنظمات الانسانية تجد صعوبة في العمل في شمال وجنوب كيبو الموجودة تحت سيطرة المتمردين. ايضا وولشت التي تحدثت مع “هآرتس” من الولاية المجاورة ايتوري، اشارت الى انه من غير الممكن في هذه الاثناء القيام ببحث في منطقة انهيار المنجم.
في كانون الاول الماضي باركت الامم المتحدة الاتفاق الذي توسط فيه ترامب، لكنها حذرت ايضا من انه “حتى في الوقت الذي وقع فيه الزعماء على اتفاق ما وراء البحار، فان العنف على الارض يشتعل ويؤدي الى المزيد من القتلى والمصابين واللاجئين”. وحقيقة ان حكومة الكونغو لم تنجح حتى الان في استعادة المناطق التي احتلها المتمردون تدل اكثر من أي شيء آخر على مستوى نجاح الاتفاق.
وولشت تعمل مع شبكة منظمات محلية تتابع وضع حقوق الانسان والاحداث المتعلقة بالمناجم – سواء الانتاج أو النقل أو التجارة. ايضا هي تنضم الى الاصوات التي تقول بانه ليس الطلب على الموارد نفسه هو الذي يحرك العنف، بل بالذات “التدفق غير القانوني للمعادن والحكم الضعيف وقدرة المسلحين على كسب الارباح من المناجم ومنظومات النقل”.
بهذا المعنى تقريبا لا يهم أي مجموعة مسلحة تسيطر الان على منجم مثل منجم روبايا. الاهتمام يجب ان يتركز حسب قولها على منظومات السيطرة ومسارات حرف الانتباه والحواجز واخذ رسوم الحماية والتركز في مناطق كاملة، وليس فقط حول منجم معزول.



