ترجمات عبرية

هآرتس : أهالي مسافر يطا على حافة التهجير الثاني

هاجر شيزاف

هآرتس 8/5/2022 – بقلم: هاجر شيزاف

في مبنى بسيط من الطوب في قرية جنبا بمسافر يطا، وقفت امرأتان في الستينيات ونظرتا إلى الصورة. “هذه صورة من طردنا في 1999، هنا توجد كل أغراضنا التي وضعها الجيش في الشاحنات. وأنا هنا أجلس في الوسط. كنت حاملاً ومعي أطفال صغار”، قالت خضرة علي جبارين. “سكان القرية الذين يعيشون في المنطقة التي أعلنتها إسرائيل كمنطقة تدريب في الثمانينيات، استيقظوا في ذاك الصباح ليكتشفوا أن الجيش والإدارة المدنية يخلون أغراضهم من بيوتهم ويصادرونها. والسكان أنفسهم اضطروا إلى المغادرة في نفس ذاك اليوم الماطر، واختبأ بعضهم في الجبال. “في اليوم نفسه، رجعنا إلى هنا ونمنا بهذه الصورة في الخارج ومن دون أي شيء”، تذكرت.

الأربعاء الماضي، حكمت المحكمة العليا بأنه يمكن لإسرائيل طرد السكان من بيوتهم مرة أخرى. وافقت المحكمة على موقف الدولة القائل بعدم وجود دائم في هذه القرى قبل الإعلان عنها كمنطقة تدريب. ورفضت ادعاءات السكان التي تقول بأن طردهم يعارض القانون الدولي، وأنهم يعيشون في المكان حتى قبل قيام الدولة. ذكرى ذاك الطرد ما زالت حية في هذه القرى، والأخبار بشأن احتمالية طرد آخر تثير الصدمة القديمة. “ما الذي يفكرون به، أننا لسنا مثلهم؟ ألسنا مخلوقين؟ ليحرقوا! ماذا يعتقدون أنفسهم؟”، صرخت خضرة أول أمس.

القرية، التي تعد -حسب سكانها- 300 شخص، هي من بين القرى الثماني في مسافر يطا، منطقة أعلنت إسرائيل عنها منطقة تدريب في الثمانينيات. بالإجمال، حسب التقديرات، في هذه القرى 1000 – 1800 شخص. وبمفاهيم جنوب جبل الخليل، وهي منطقة بعيدة بحد ذاتها، فإن مسافر يطا مكان بعيد وفقير. وللوصول إلى هذه القرى، يجب السير عبر طريق ترابية غير معبدة وفيها الكثير من المطبات التي تجعل المسافرين يقفزون في أماكنهم. بعض سكان القرى يعيشون في بيوت من الحجارة أو الطوب. آخرون يعيشون في خيام كبيرة جوانبها من البلاستيك، ومن بينهم من لا يزالون يعيشون في المغر.

في السنوات الأخيرة، تم تركيب ألواح شمسية في هذه القرى توفر لهم الكهرباء. أما المياه فهم يحضرونها من الآبار أو في صهاريج المياه. ووجهت تجارب الماضي لهذه القرى لنقل المياه عبر الأنابيب بمعارضة السلطات الإسرائيلية التي أوقفتها. جميع المباني والبنى التحتية في هذه القرى غير قانونية، ويوجد ضدها جميعاً أوامر هدم، وسكانها يعانون من الهدم المتكرر. خلال العشرين سنة الأخيرة، كان السكان يعيشون على زمن مستعار. بعد الإخلاء في 1999 سمح للسكان بالعودة إليها فقط بأمر محكمة قرر بأنهم يمكنهم البقاء إلى حين البت في الاستئناف. ومنذ ذلك الحين، مرت سنوات كثيرة وولدت في القرى أجيال جديدة. إلى أن تم ترجيح الكفة في هذا الأسبوع.

بعد يوم على سماع سكان قرية بحيت (وهي قرية صغيرة من بين القرى الثماني) بسماح المحكمة العليا بطردهم من بيوتهم، بدأوا يستعدون لما سيأتي. “لقد قررنا التبكير بعشرة أيام وإعداد الأغنام لجز الصوف، حتى إذا جاءوا لطردنا سيكون لنا وقت لفعل ذلك مسبقاً على الأقل”، قال محمد أبو صبحة (45 سنة). لذلك، انشغل الرجال في ذاك الصباح بغسل الأغنام وإعدادها. ولد أبو صبحة في بحيت، وهو يقول إن جده وجدته ولدا أيضاً هنا. كشف له قرار المحكمة صباح الخميس. “طوال ذاك اليوم حاولنا التفكير فيما سنفعله إذا طردونا. لا خطة أو أي مكان نذهب إليه”.

سديل وفاطمة، بنات أبو صبحة، ولدتا بعد طرد 1999، وهما اليوم بعمر 14 و15 سنة. وقد شهدتا بأنه قبل القرار لم تفكرا بأن هناك احتمالية لحدوث شيء كهذا. “عندما سمعت عن الأمر، أول شيء فكرت فيه هو أن هذا سيؤثر على دراستي”، قالت سديل. توفر في القرية الصغيرة في العقد الأخير مدرسة يتعلم فيها طلاب من الصف الأول حتى الـ 12. وقال سكان القرية بأن هذا هو التغيير الأهم في حياة القرية. في حين أن جيل آباء سديل وفاطمة كان يذهب للتعلم في يطا، وفعلوا ذلك سيراً على الأقدام أو على الحمار، فإن الفتيات الآن يتعلمن في مدرسة قريبة من بيوتهن.

سكان القرية يرتزقون من بيع الحليب ولحوم الأغنام، لذلك، يزرعون القمح والشعر. بعض الرجال يعملون في إسرائيل في البناء. يوم فاطمة يبدأ وينتهي بحلب الأغنام، بينهما تكون في المدرسة. لا يذهبن إلى المدينة الكبيرة يطا إلا للتسوق أو العلاج، قالت سديل وفاطمة. إيمان (36 سنة) قالت بأنها مندهشة من عدم فهم الناس لمستقبل هذا التجمع إذا تم ترحيله. “معظم الناس هنا لا يملكون أراضي أو بيوتاً في يطا. وليس لديهم المال لشرائها”، وأضافت: “مصدر رزقنا الأغنام، وهي تحتاج إلى فضاء، ولا يمكن الانتقال مع الأغنام إلى المدينة”. “لا نعرف وجهة نذهب إليها، وماذا سنفعل بأولادنا وإلى أين سنأخذ عائلاتنا؟”، قالت تسنيم (25 سنة). “قرار المحكمة فاجأنا جميعنا. الناس سيبقون هنا حتى اللحظة الأخيرة”.

في الطريق التي تؤدي إلى قرية جنبا، وضع الجنود مؤخراً حاجزاً من الحجارة، وهدفه –حسب الجنود- منع التهريب. وحسب قول السكان، هذا الحاجز عامل آخر يصعب على حياتهم. الطريق التي تؤدي إلى جنبا تخترق الخط الأخضر بحيث إنه مؤخرا، في أعقاب انتقاد الثغرات في الجدار، بدأ الجيش بحفر قناة هناك لزيادة صعوبة العبور. تجثم فوق قرية جنبا، بؤرة استيطانية “مزرعة تاليا”، تليها البؤرة الاستيطانية “متسبيه يئير”.

وقد مثل سكان القرى في الالتماس المحامي شلومو ليكر، والمحامي روني بيلي، والمحامي دان يكير. قال المحامي ليكر إن القاضي دافيد مينتس رفض ادعاء أن إخلاء السكان سيعتبر خرقاً لميثاق جنيف الرابع الذي يحظر النقل القسري للسكان الواقعين تحت الاحتلال. “ما هدف الإعلان عن عشرات آلاف الدونمات التي هي بملكية الملتمسين وفلسطينيين آخرين في معظمها، إذا لم يتم تحقيق هدف سياسي، وهو السيطرة على الأراضي ونقلها إلى أيدي اليهود”، قال للصحيفة.

ما الذي فكرت فيه عندما سمعت القرار؟ سأل ورد جعفر علي جبارين (25 سنة) وهو أب لأربعة أولاد. “ماذا كنت ستفكرين لو قالوا لك بأنهم سيطردونك من تل أبيب؟”. جعفر، الذي ولد وترعرع في قرية جنبا، يصف نمط الحياة القاسي في المنطقة: “أخاف من أن يتجول ابني هنا بسبب الجيش والمستوطنين. قبل بضع سنوات كان أخي ينام هنا في الخارج، وفجأة ألقى عليه جندي قنبلة صوت. قبل سنة دخلوا إلى هنا وقاموا بالتفتيش. وقبل ست سنوات، هدموا بيتنا فنمنا في الخارج، وأمس صادر الجيش سيارة عمي. وكان عليه أن يدفع خمسة آلاف شيكل للإفراج عن السيارة. علينا ضغط كبير، وازداد في السنوات الأخيرة”.

علي جبارين (60 سنة) يأمل بأن لا يسمح الرأي العام لإسرائيل بإخلائهم في هذه المرة. “في حينه، أخذوا كل شيء لنا، حتى القمح الذي زرعناه، دمروه. والآن يريدون فعل ذلك مرة أخرى، لكنهم لن يستطيعوا لأن العالم كله سيكون إلى جانبنا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى