هآرتس: أزمة ايران تصبح صراع قوة بين إسرائيل ودول المنطقة
هآرتس 10/2/2026، تسفي برئيل: أزمة ايران تصبح صراع قوة بين إسرائيل ودول المنطقة
تعتبر المنطقة الحدودية بين ايران وتركيا من اكثر المناطق الحدودية خضوعا للتدقيق في العالم. في الايام العادة تعبرها دوريات عسكرية تركيا، وتراقب مسيرات تركية تحركات الزوار والتجار على جانبي الحدود. ايضا تم نصب اسوار من الاسلاك الشائكة ونقاط تفتيش في اجزاء منها، وتنتشر مواقع عسكرية تركية على طولها. بعد اندلاع الاحتجاجات في ايران في كانون الاول الماضي، لا سيما بعد أن وعد الرئيس الامريكي دونالد ترامب بمساعدة المتظاهرين، وسعت تركيا بشكل كبير دورياتها على الحدود وعززت منظومة دفاعها واعلنت بانها ستنشيء منطقة منزوعة السلاح في الاراضي الايرانية في حالة اسقاط النظام.
ما يشغل تركيا الان هو موجة هجرة جماعية كبيرة من ايران الى تركيا، وهو الامر الذي حدث اثناء الحرب الاهلية في سوريا، حيث لجأ اكثر من 4 ملايين لاجيء الى تركيا، وما زال معظمهم هناك رغم الاستقرار النسبي لنظام الشرع. اضافة الى ذلك تعتبر ايران مورد رئيسي للغاز بالنسبة لتركيا. وحسب الاتفاقية الموقعة بين الدولتين في 2001 (التي من المقرر تجديدها في تموز القادم)، فانه يمكن لتركيا شراء 9.6 مليار متر مكعب من الغاز في السنة. ايضا يصل النفط الايراني الى تركيا، ورغم العقوبات الامريكية التي تطبقها تركيا بالكامل، فقد باعت ايران لتركيا سلع بمبلغ 5 مليارات دولار في السنة الماضية. ان اندلاع حرب في ايران يمكن ان يعرقل مرور الغاز والنفط والسلع الاخرى الامر الذي قد يؤدي الى تدفق اللاجئين الى تركيا وفتح جبهة تركية – كردية جديدة على الحدود مع ايران، هو آخر شيء يريده اردوغان، وهو لن يلتزم الصمت.
ايران في الواقع فضلت انه في مسقط عاصمة عمان وليس في اسطنبول ستجري محادثاتها مع الولايات المتحدة. اردوغان وكل زعماء المنطقة لا يعرفون ماذا سيكون قرار ترامب. ولكن الان، اكثر من أي زعيم آخر، فان الرئيس التركي يبدو كمن يقف على راس جهود التنسيق الاقليمي من اجل وقف الحرب. في يوم الثلاثاء الماضي التقى في السعودية مع ولي العهد محمد بن سلمان، وفي اليوم التالي هبط في القاهرة، وفي يوم السبت استضاف في اسطنبول ملك الاردن، الملك عبد الله.
كما يبدو هذه كانت هذه لقاءات عمل وقع فيها اردوغان على اتفاقات تجارية واستثمارية واسعة النطاق. ففي السعودية تفاوض على بيع 100 – 200 طائرة شبح تركية من نوع “كآن” الموجودة قيد التطوير، بما في ذلك امكانية الانتاج المشترك. والتعاون التكنولوجي العسكري، لا سيما كيفية تعامل الدولتين مع خطر نشوب حرب في ايران. وفي مصر، التي اصبحت خلال سنتين اكبر شريكة تجارية لتركيا في افريقيا، يتوقع ان تستثمر انقرة 15 مليار دولار، واقامة مصانع توفر فرص عمل لعشرات الاف المصريين، وتطوير تعاون استراتيجي وسياسي، وربما عسكري بعد ذلك. وليس بالصدفة ان وزراء الدفاع والخارجية والاقتصاد في تركيا شاركوا في الزيارة على راس وفد ضم اكثر من 200 رجل اعمال تركي.
وفي حين تحاول اسرائيل بجهد منع القوات التركية من دخول قطاع غزة، فان تركيا حاضرة بقوة في معظم ارجاء الشرق الاوسط. ولا يخفى على احد انه قبل ثلاث سنوات فقط كانت تركيا تعتبر خصمة لمعظم دول المنطقة. فقد هددت بقطع علاقاتها مع دولة الامارات بسبب التوقيع على اتفاقات ابراهيم، وتوترت العلاقات بينها وبين مصر منذ العام 2013 عند عزل الرئيس السابق محمد مرسي الذي ينتمي لحركة الاخوان المسلمين، في حين كانت السعودية مستاءة جدا من تركيا بسبب مساعدتها الكبيرة لقطر في الاعوام 2012 – 2017، حيث كانت قطر تخضع لحصار اقتصادي فرضته السعودية.
المحور التركي – العربي لا يعتبر تحالف استراتيجي شامل مثل حلف شمال الاطلسي أو الاتحاد الاوروبي. فكل دولة من الدول الاعضاء فيه لها مصالحها الخاصة، وهي لا تنضم لكتلة متماسكة قادرة على صياغة سياسة واستراتيجية مشتركة في كل المجالات. ولكن جميعها يوجد لها الان مصلحة ملحة وهي وقف الحرب في ايران من خلال “كتلة نفوذ مانعة” ضد ما تعتبره نفوذ اسرائيلي خطير عليها وعلى كل المنطقة، في حين تشجع اسرائيل الحرب ضد ايران من خلال علاقتها الوثيقة مع ترامب.
ويتمثل الجهد الرئيسي لهذه الدول في عرض مجموعة واسعة من التهديدات على الرئيس ترامب، حيث يجب الموازنة بين القدرات الصاروخية والنووية الايرانية وبين العواقب الاقليمية والعالمية المتوقعة بسبب الحرب. ومن وجهة نظرها فان هذه العواقب تغيب عن الصورة التي تقدمها لاسرائيل للوضع، وهكذا فانها تجعل الرئيس الامريكي يركز على التهديد الايراني لاسرائيل وتطمس الاخطار التي قد تضر بمصالح الولايات المتحدة.
دول هذه الكتلة تتمتع بحالة استثنائية ظهرت في السنوات الاخيرة، لانه تربطها كلها علاقات سياسية مع ايران. وتقيم الرياض وابو ظبي والدوحة وانقرة علاقات دبلوماسية كاملة مع طهران. لقد اصبحت القاهرة عنوان هام للتقرب من ايران في السنة الماضية، وعلى النقيض من التجاهل الذي اظهرته مصر تجاهها في السابق، تحولت مبادرات ايران للتقرب منها الان الى علاقة غير رسمية اعطت فيها ايران للقاهرة شرف استضافة توقيع الاتفاق بين ايران وبين الوكالة الدولية للطاقة النووية (الذي لم يتم تنفيذه حتى الآن).
في نفس الوقت تتراوح علاقات هذه الدول مع ترامب بين الود والتوتر. ولا يخفى على ايران الاهمية الاستراتيجية لهذا التوازن في القوة. ففي اجتماع المجلس الاستراتيجي الاعلى للعلاقات الخارجية، الذي عقد في يوم الاحد الماضي، صرح رئيس المجلس كمال خرازي، وزير الخارجية السابق واحد كبار مستشاري خامنئي الآن، وقال: “يجب ان تكون دول المنطقة على رأس اولويات ايران. وهذه الاولوية تطبق الآن، لكن لم يكن الامر هكذا في السابق. يجب علينا الاعتراف باننا ارتكبنا اخطاء كبيرة في علاقاتنا مع الجيران”. واشار خرازي الى الطريقة التي سعت فيها ايران الى تصدير الثورة الاسلامية، الامر الذي “اثار تخوف بعض الدول الجارة”. ومن اقواله يمكن فهم ان ايران ينبغي لها ان تنظر الى هذه الدول كجزء من غلاف الدفاع عنها، وان تبدد مخاوف هذه الدول بشان سلوكها في المنطقة.
ما زال مشكوك فيه ان تقنع اقوال خرازي زعماء دول الخليج وتركيا ومصر بالنظر الى ايران كدولة صديقة ومحبة للسلام. ويتجلى هذا الامر بشكل خاص في ضوء تهديدها بالحاق الضرر بممرات الملاحة في الخليج الفارسي، ومهاجمة القواعد الامريكية التي يوجد بعضها في هذه الدول، بل وحتى الاضرار بها. من جهة اخرى، تعرف ايران ان اعتمادها على قوى عظمى مثل الصين وروسيا لا يضمن امنها. واذا كان هناك أي أمل في ازالة خطر الحرب عنها فهو يكمن بالتحديد لدى جيرانها، وبنفس الادوات المتاحة لدول المنطقة التي تقلق من تجدد الحرب. المشكلة تكمن في توازن النفوذ المتبادل لم يثمر حتى الان أي نتائج ملموسة. فقد فشلت دول الخليج وتركيا في منع الحرب في شهر حزيران الماضي، ولم تتمكن من وقف استعراض القوة الكبير الذي يستخدمه ترامب امام ايران. ويبدو حتى الان أنها لم تقنع ايران بتقديم تنازلات يمكن ان تحيد خطر الحرب.



