ترجمات أجنبية

نيويورك تايمز: من الداخل الإيراني والجاسوس البريطاني: كيف انتهت حياة مزدوجة على المشنقة

نيويورك تايمز 1-5-2023، فرناز فصيحي ورونين بيرغمان: من الداخل الإيراني والجاسوس البريطاني: كيف انتهت حياة مزدوجة على المشنقة

علي رضا أكبري عمل على مدى عقد مع المخابرات البريطانية، ففي نيسان/أبريل 2008 سافر مسؤول استخبارات بريطاني إلى تل أبيب لتفجير قنبلة من المعلومات لنظرائه الإسرائيليين. وهي أن بريطانيا استطاعت زرع عميل في أعلى  مستويات المؤسسة النووية والأسرار الدفاعية الإيرانية.

وقدم العميل معلومات لا تقدر بثمن، ولديه استعداد، ولسنين قادمة، تقديم معلومات استخباراتية، وستكون مهمة في تبديد الشكوك بالعواصم الغربية أن إيران تبحث عن طرق للحصول على القنبلة النووية وإقناعها لفرض عقوبات ضدها، حسب المسؤولين الأمنيين.

وظلت هوية العميل هذا سراً، إلا أن إعدام نائب وزير الدفاع السابق، علي رضا أكبري في 11 كانون الثاني/يناير بتهمة التجسس أضاءت شيئاً على 15 عاماً من التجسس، وأنه كان عميلاً بريطانياً.

وعاش أكبري طوال حياته حياةً مزدوجة، ففي نظر الرأي العام كان متديناً متحمساً ومتشدداً “صقراً” في السياسة، ومسؤولاً بارزاً في الحرس الثوري ونائب وزير الدفاع، انتقل لاحقاً إلى لندن، وانتقل للقطاع الخاص، ولم يقطع صلاته مع القادة الإيرانيين الذين ظلوا يثقون به.

 وفي 2004، وحسب مسؤولين، بدأ يقدم معلومات للمخابرات البريطانية. ويبدو أنه نجح في مواصلة حياته المزدوجة دونما إثارة شبهة حتى عام 2019، عندما اكتشفت إيران، بالتعاون مع مسؤولين أمنيين روس، أنه هو الشخص الذي سرب تفاصيل المشروع النووي الإيراني السري والمخفي في جبال إيران، حسب مصدرين  إيرانيين على علاقة مع الحرس الثوري الإيراني. إلى جانب اتهام أكبري بالكشف عن الأسرار العسكرية والنووية، فإنه قام بالكشف عن هوية 100 مسؤول، وأهمهم محسن فخري زادة، المسؤول النووي الكبير الذي اغتالته إسرائيل في 2020. ولم تكشف بريطانيا علناً عن علاقتها مع  أكبري الذي حصل على الجنسية البريطانية عام 2012. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية أن السياسة المعمول بها عدم التعليق على “موضوعات لها علاقة بالاستخبارات”. إلا أن صحيفة “نيويورك تايمز” كشفت في أيلول/سبتمبر 2019 عن أن مصدر المعلومات حول البرامج النووية والدفاعية الإيرانية جاءت من جاسوس بريطاني. وكانت المعلومات حول مفاعل فوردو التي قدمها أكبري جزءاً من الكشوف التي قدمها للمخابرات البريطانية، والتي مررتها بدورها للمخابرات الإسرائيلية ووكالات استخبارات صديقة في 2008، حسب مسؤولين استخباراتيين غربيين. وقال مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية الأمريكية إنهما لا تستطيعان التعليق.

وتم تشكيل صورة عن نشاطات أكبري من خلال مقابلات مع مسؤولين استخباراتيين وأمن قومي ودبلوماسيين، بريطانيين وأمريكيين وإسرائيليين وألمان وإيرانيين، طلب بعضهم عدم الكشف عن هويته.

كان عمر أكبري 62 عندما أعدم، ولكنه لم يكن كأي جاسوس، فقد تمسك بالمثل المتشددة للثورة الإسلامية والدعم الذي لا يتزعزع  لقادتها، حسب شقيقه مهدي أكبري والأشخاص الذين عرفوه. وما يميزه تلك الندبة التي تكونت بسبب سجوده على “مهر” الحجر الطيني الذي يستخدمه المؤمنون الشيعة في الصلاة اليومية. وآمن بأفكار متشددة وعبّر عنها من خلال كتابات نارية وخطابات ومقالات، حسب دبلوماسي إيراني بارز ومستشار للحكومة، وناقش في لقاءات الحكومة ضرورة حصول إيران على السلاح النووي. وقال مهدي أكبري: “كانت والدتي متدينة جداً وأكثر من أي شخص في العائلة”.

 ولد علي رضا أكبري في عائلة محافظة من الطبقة المتوسطة بمدينة شيراز، وكان مراهقاً حدثاً عندما انتصرت الثورة عام 1979. ونظراً للحماس الذي حملته الثورة فقد قرر هو وشقيقه الانضمام إلى الجيش، وفي الوقت الذي غادر فيه جبهات القتال، بعد ستة أعوام، كان قائداً يحمل أوسمة في الحرس الثوري. وبعد عودته للحياة المدنية صعد أكبري في سلم القيادة حيث أصبح نائباً لوزير الدفاع، وتولى مناصب استشارية في المجلس الأعلى للأمن القومي ومؤسسات حكومية أخرى. وأقام علاقات قوية مع رجلين مهمين، وهما فخري زادة، الباحث النووي، وعلي شمخاني، رئيس المجلس الذي عمل معه كنائب له وكمستشار. وقال فؤاد إزادي، المحلل السياسي والمقرب من الحكومة والحرس الثوري: “كان طموحاً بدرجة كبيرة ومحللاً جيداً بمواهب كتابية وخطابية عالية، ووثق به الناس”.

 وفي عام 2004، ووسط شكوك الغرب وإسرائيل بمحاولات إيران الحصول على الأسلحة النووية، قام أكبري بإقناع المسؤولين الغربيين بالعكس، حيث التقى بشكل منتظم مع سفراء بريطانيا والصين وفرنسا وألمانيا وروسيا.

كشفت إيران بعد إعدامه عن كيفية تجنيد البريطانيين له، ففي أربعة أشرطة فيديو ظهر فيها أكبري جالساً مرتدياً بدلات وحليق الذقن ويتحدث من مكتب، فصل فيها كيف جنده البريطانيون في أثناء حفلة جرت بالسفارة البريطانية بطهران. ولكن شريطاً مسجلاً حصلت عليه “بي بي سي” الفارسية من شقيقه، قال فيه إن أكبري أجبر على الاعتراف. ولا يعرف السبب الذي دفع أكبري إلى الجاسوسية.

وقال في فيديو إنه اندفع بسبب حرصه “على السلطة وجشعه”، مع أنه نفى الحاجة المالية. لكن إيران اتهمته بالخيانة وأنه قايض أسرارها مقابل المال. وتنفي عائلته أنه كان جاسوساً، وأن ما ورد في أشرطة الفيديو زيفته الحكومة الإيرانية، ولكنهم يقولون إن الكثير من التواريخ والأحداث فيها صحيح. ففي واحد من أشرطة الفيديو، قال أكبري إنه جند في 2004، وأخبر عائلته أنه حصل على تأشيرة سفر لبريطانيا. وفي العام التالي، سافر إلى بريطانيا والتقى مع مسؤوله في الاستخبارات البريطانية (أم أي 6)، وعلى مدى السنوات التالية، قال إنه أنشأ سلسلة من الواجهات التجارية في النمسا وإسبانيا وبريطانيا، لكي تقدم غطاء له كي يلتقي مع المسؤولين عنه. وقالت إيران إن بريطانيا دفعت له حوالي مليوني جنيه استرليني، أي 2.4 مليون بأسعار اليوم. والتقى أكبري مع السفير البريطاني بطهران من خلال عمله الرسمي، وسافر إلى أوروبا في رحلات عمل، كما يقول شقيقه مهدي. وأضاف أن شقيقه بدأ مثل بقية المسؤولين الدخول في عدد من الأعمال، وهو يعمل مع الحكومة، وأنه كان في وضع مالي آمن. ووصف مهدي مشهداً في مساء صيفي من عام 2006، حيث تحدثا عن العمل. وعندما اقترح عليه بدء شركة استشارات للنفط والغاز، أخرج شقيقه بطاقة عمل مكتوب عليها أنه عضو في مجلس إدارة للطاقة في النمسا، وأنه مقيد بالمغامرة الجديدة. واستقال أكبري من عمله الرسمي عام 2008، ولكنه واصل العمل بصفة استشارية مع شمخاني وغيره من المسؤولين البارزين. وفي العام الماضي، اعتقل أكبري واحتجز مدة أربعة أشهر واتهم بالتجسس لصالح بريطانيا، حسب شقيقه وصديقين للعائلة. ولم تثمر التحقيقات معه، حيث دافع عنه أصدقاؤه الأقوياء وأفرج عنه بكفالة وأغلقت الحالة وسمح له بالسفر كما يريد. في نيسان/أبريل 2008 حصلت بريطانيا على معلومات شاركت فيها إسرائيل ووكالات استخباراتية غربية حول مفاعل فوردو، وهو منشأة لتخصيب اليورانيوم، بني تحت الأرض  وكان جزءاً من محاولات إيران الحصول على القنبلة النووية. وغيرت المعلومات فهم العالم حول  البرنامج النووي الإيراني وإعادة رسم الخطط السايبرية والعسكرية الغربية لمواجهته. وفي مقابلة مع يوني كورين، الذي عمل مديراً لطاقم وزير الدفاع الإسرائيلي “صدمتنا المعلومات حول فوردو”، مضيفاً: “كانت مساهمة بريطانيا العظيمة لجهود الغرب جمع بيانات من داخل المشروع النووي الإيراني، كانت استخبارات بشرية”، و”كان لديهم موطئ قدم في أماكن لم يكن فيها لنا ولا للأمريكيين حضور”.

وتم نقل المعلومات الاستخباراتية، التي اشتركت فيها إسرائيل عام 2008، للأجهزة الاستخباراتية الغربية، وذلك حسب شخص تولى منصباً بارزاً في ألمانيا في ذلك الوقت. وكشف الرئيس باراك أوباما في قمة الدول السبع التي عقدت في أيلول/سبتمبر 2009، مع فرنسا وبريطانيا أن فوردو هو محطة لتخصيب اليورانيوم. وكانت المخابرات الغربية قد اكتشفت من خلال الصور التي التقطتها الأقمار الاصطناعية أن إيران بنت منشأة في قلب جبل فوردو، لكنها اعتقدت أنها منشأة للتخزين، ولم تكن واعية لتحويلها إلى موقع لتخصيب اليورانيوم. وقال نورمان رول، المدير السابق لمكتب إيران في “سي آي إيه” إن “اكتشاف فوردو غيّر، وبشكل راديكالي، الموقف الدولي من إيران”.

وحتى بعد اعتقاله القصير وتقاعده من وظائفه الرسمية ظل المسؤولون في الخارجية يطلبون نصيحته ويعلمونه بما يدور خلف الأبواب من نقاشات حول المفاوضات النووية، حسب دبلوماسي إيراني بارز. وظل يسافر وبشكل منتظم إلى بريطانيا، وفي 2010 أصيب بنوبة قلبية وبقي في لندن، حيث انضمت إليه لاحقاً زوجته وابنتاه، وحصل في النهاية على المواطنة في بريطانيا وعاش على استثماراته، لكن لم ينقطع عن زيارة إيران لمقابلة المسؤولين البارزين. وفي فيديو يقول إنه زيف مرض القلب لكي يبقى في بريطانيا. لكنه سافر من لندن إلى طهران على الأقل ثلاث مرات، وفي الفترة ما بين 2010-2019. وكانت رحلته الأخيرة في 2019، حيث طلب منه شمخاني الحضور لأن هناك حاجة لاستشارته في قضية نووية ودفاعية عاجلة، كما قال شقيقه. وبعد أيام استدعته وزارة المخابرات، حيث شعر بالقلق واتصل مع شمخاني الذي أخبره أن السلطات سمعت أنه أقام صلات مع “أم أي6” وحثه على التعاون وإثبات براءته، حسبما قال شقيقه. وبعد عدة جلسات تحقيق اعتقل. وفي مرحلة ما اكتشفت إيران أن أكبر كان مصدر التسريب بشأن ملف فوردو، حسب شخصين على علاقة مع “الحرس الثوري”، وهي معلومات أكدتها المخابرات الروسية. ولا يعرف كيف حصلت روسيا على المعلومات. وفي عام 2020، وبعد اعتقال أكبري، اغتالت إسرائيل فخري زادة الذي كان يسوق سيارته، في نهاية الأسبوع، إلى قرية جبلية قرب طهران. واعتقل أكبري في وزارة الاستخبارات وسجن في زنزانة انفرادية تحت الأرض بسجن إيفين سيء السمعة. وطلب من العائلة التكتم على اعتقاله. وقال المسؤولون الإيرانيون بعد اعتقاله إنهم وفروا له جهاز كمبيوتر كي يتواصل مع الجواسيس البريطانيين لتضليلهم.

وبعد ثلاثة أعوام على اعتقاله، وفي وقت كانت تعيش فيه إيران حالة من الاضطرابات، أعلنت السلطات عن اعتقاله. ويظل إعدام مسؤول بارز في إيران نادراً، وآخر مرة أعدم فيها مسؤول بارز كانت في 1982. وبعد أيام من الإعلان عن اعتقاله اقتاد حرس السجن أكبري لمساحة مفتوحة في السجن حيث ربط حبل حول رقبته، وبعد دقائق كان جسده الميت يتدلى من المشنقة. ودفن في مقبرة كبيرة خارج طهران من دون معرفة أو حضور عائلته. وتقول عائلته إن السلطات قدمت لها شريط فيديو أثناء تغسيله وتحضيره للدفن حسب التعاليم الإسلامية. وقالت زوجته مريم أكبري: “لم نتخيل هذا ولا أفهم السياسة وراء هذا”. وشجبت بريطانيا إعدام أكبري واستدعت سفيرها لمدة قصيرة وفرضت عقوبات على طهران. وسمح لعائلته بعد 40 يوماً عقد عزاء وقدموا الحلوى التي توزع عادة في الجنازات، ووضعوا الورود والكراسي التي صفت في قاعة مسجد استأجرته العائلة، واستعدت لحضور أصدقائه وزملائه في وظائفه التي عمل فيها خلال 40 عاماً، لكن لا أحد جاء، فقط عائلته.

 

https://www.nytimes.com/2023/05/01/world/middleeast/british-spy-execution-iran.html

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى