ترجمات أجنبية

نيويوركر: مقتل الظواهري وعلاقة مشوبة بالحذر بين طالبان والقاعدة

نيويوركر 3-8-2022م، بقلم ستيف كول

ظل الظواهري وطوال مسيرته في الحركة الجهادية كمفكر جدلي وإستراتيجي يسخر من الولايات المتحدة، وظل يعود إلى الفكرة المعروفة، وهي أن الولايات المتحدة هي دولة كافرة في حرب مع الإسلام. كما وصفها بأنها قوة انتهت. ففي تسجيل فيديو بُث في الربيع، قال إن “ضعف الولايات المتحدة الأمريكية” كان مسؤولا عن الحرب التي أشعلتها روسيا في أوكرانيا، وسخر من موقف البلد بعد “الهزيمة في العراق وأفغانستان، وبعد الكوارث الاقتصادية التي تسببت بها غزوات 9/11 ووباء فيروس كورونا، وبعد تركها أوكرانيا فريسة للروس”. وكان مقتله يوم السبت في غارة بطائرة مسيرة وسط كابول عن عمر 71 عاما بمثابة علامة ترقيم إضافية في البحث الطويل عن العدالة لضحايا 9/11 والهجمات التي صادق الظواهري عليها مباشرة، مثل تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كل من كينيا وتنزانيا.

وقال الرئيس جو بايدن، إنه يأمل بأن يمنح موت الظواهري “قدرا من السلام لعائلات 9/11 ولكل شخص عانى على يد القاعدة”. وخلف الطبيب المصري المولد والذي انتمى لتيار العنف الإسلامي في شبابه، زعيم القاعدة أسامة بن لادن، بعد مقتل الأخير في عملية للقوات الأمريكية الخاصة في باكستان عام 2011، لم تكن لديه الجاذبية وكان شخصية متقلبة يحب توجيه أصابع الاتهام، وشهد الظواهري خفوت شعلة الراديكالية الإسلامية خلال العقد الماضي.

وبحسب الأبحاث الأخيرة التي قامت على أوراق من مخبأ بن لادن، فقد دمرت حملة الطائرات المسيرة التي شنتها “سي آي إيه” في الفترة ما بين 2008 – 2013 عصب التنظيم في أفغانستان وباكستان. وفي الفترة الأخيرة، تفوق تنظيم الدولة على القاعدة في الشرق الأوسط وحتى في أفغانستان. ورغم العدالة التي تحققت بمقتل الظواهري، إلا أن مكان قتله هو مثار أسئلة، ليس بعيدا عن السفارة الأمريكية في منطقة شيربور بوسط العاصمة الأفغانية كابول.

وبحسب زعيم طالباني لم يكشف عن اسمه لوكالة أنباء “رويترز” فقد انتقل الظواهري إلى أفغانستان بعد عدة أشهر من سيطرة طالبان على السلطة. وقال مسؤول بارز في إدارة بايدن، إن عددا من قادة طالبان خاصة فصيل حقاني، كانوا على علم بوجود الظواهري. وبعد مقتله، قامت طالبان بإزالة كل الأدلة عن وجوده في المكان الآمن. ووجد نقاد بايدن فرصة لانتقاد قراره الانسحاب من أفغانستان، والذي برره بأنه من أجل مكافحة الإرهاب. لكن الرئيس بايدن، قال إن مقتل زعيم القاعدة هو دليل على إمكانية إجراء مكافحة الإرهاب بدون وجود قوات أمريكية على الأرض. إلا أن وجود الظواهري في كابول ولقاءه مع قادة طالبان، يشير للمخاطر التي كان يمثلها انتقاله إلى هناك في ضيافة عدد من قادة الحركة.

وفي تقرير للأمم المتحدة نشرته وحدة مكافحة الإرهاب في الربيع، توصل إلى أن القاعدة باتت تمتع بحرية الحركة في أفغانستان.

ولا نعرف كيف علمت الولايات المتحدة عن وجود الظواهري، فمكانه لا يمكن تحديده بسهولة. ونعرف أن الكثيرين في كابول ممن هم غير راضين عن طالبان، وربما تعاونوا مع “سي آي إيه” وسربوا المعلومات إليها. ومن غير المرحج أن تكون طالبان هي التي أفشت سر الظواهري لكي تحصل على تنازلات من واشنطن، أو أن الرافضين من داخل الحركة لوجوده هم من تعاونوا مع أمريكا للتخلص منه. وبالتأكيد، لن يفاجأ الظواهري بهذه الخيانة، فهو وبن لادن وثقا بزعيم طالبان الملا محمد عمر، الذي أسسها ومات عام 2013، لكنهما اعتبرا قادة الحركة الآخرين “مصلحجية” انتهازيين وخطيرين، بحسب “أوراق بن لادن” وهو كتاب حلل الرسائل الداخلية المتبادلة بين زعيم القاعدة وقادته، ونشرته الباحثة الاجتماعية نيلي لحود.

وكتب الظواهري في 2010 إلى بن لادن، أنه يخشى من بيع طالبان القاعدة في المفاوضات مع الولايات المتحدة: “لو كنت ناصحا للأمريكيين، والحمد لله لا.. لاقترحت عليهم جعل القاعدة عاجزة، لأن معظم قادة طالبان الذي يقدمون أنفسهم كـ”معتدلين” “يوافقون على هذه الشروط”، وهم في الحقيقة خونة ومنافقون” بحسب وصفه.

وتحققت مخاوف الظواهري بعد عقد، عندما وقّعت طالبان اتفاقية الدوحة مع إدارة دونالد ترامب في أيار/ مايو 2021، مقابل وعد منها بمنع تحول أفغانستان إلى ملجأ للقاعدة والإرهاب الدولي. وأثناء المفاوضات، أخبر المفاوضون عن حركة طالبان نظراءهم الأمريكيين، وإن بصوت منخفض، أنه لو قصفت الولايات المتحدة تنظيم الدولة “فسنضع الورود حول أعناقكم” كما كتب كول مع زميله أدم إنتوس في العام الماضي. وعن قادة القاعدة، قالوا: “اقتلوا أكبر قدر منهم”. بالطبع فالحديث أثناء المفاوضات مختلف عن التفسير للاتفاقية التي وقّعت في الدوحة، وكانت خارج التوقعات التي عوّل عليها الأمريكيون.

فعلاقة حركة طالبان مع فرع تنظيم الدولة الإسلامية- ولاية خرسان، أكثر غموضا من علاقتها مع تنظيم القاعدة الذي تعاونت معه لعدة سنوات. فعلاقة عائلة حقاني مع القاعدة تعود إلى فترة الثمانينات من القرن الماضي، وهذه العائلة هي فرع من طالبان، وتولى سراج الدين حقاني، وزارة الداخلية بالوكالة في حكومة طالبان. وفي تلك الفترة من الجهاد ضد الاتحاد السوفييتي، قبلت العائلة تمويلا من “سي آي إيه”.

وفي الوقت الذي قاتلت حركة طالبان تنظيمَ الدولة للسيطرة على مناطق، إلا أنها حررت بعد انهيار الحكومة الأفغانية مئات من سجناء التنظيم. ومنحت إدارة بايدن في الفترة الأخيرة قدرا من الثناء لطالبان على دورها في قتال تنظيم الدولة. وفي تموز/ يوليو، انضم المسؤولون الأمريكيون إلى ممثلين عن طالبان في أوزبكستان وعدد من الدول. وبعد ذلك قال توم ويست، المبعوث الأمريكي لأفغانستان في تغريدة على تويتر، إن المشاركين اعترفوا “بالجهود النشطة التي تقوم بها طالبان” ضد التنظيم. لكنه أشار إلى قلق المشاركين من وجود حركات مثل القاعدة وغيرها في أفغانستان.

وكان رد الحركة على مقتل الظواهري خافتا، حيث شجب متحدث باسمها الهجوم، ووصفه بأنه خرق لاتفاق الدوحة وتكرار للتجارب الفاشلة خلال العشرين عاما الماضية وضد المصالح الأمريكية وأفغانستان والمنطقة. ولعل التحفظ نابع من الشعور بالإحراج الذي خلقه الهجوم لطالبان، في وقت تحاول فيه الحصول على الشرعية الدولية والمساعدات رغم سجلها الصارخ في حقوق الإنسان.

وستحاول القاعدة البحث عن زعيم ثالث يعمل على ضبط العلاقات مع طالبان، وهو ما حاول الظواهري أن يفعله في السنين الأخيرة من حياته، حيث أكد في الأشهر الأخيرة على عدم شرعية النظام الدولي الذي تحاول طالبان بناءه. وهاجم الظواهري حكومة طالبان، ودعوتها للحصول على مقعد لأفغانستان في الأمم المتحدة، وقال إن الأمم المتحدة “خطر” على الأمة الإسلامية، ولأن ميثاق المنظمة يتناقض مع القانون الإسلامي. وبناء على هذه الراديكالية، بررت القاعدة قتل آلاف الأبرياء من بينهم مسلمون.

ذهب الظواهري، ولكن طالما ظلت أفكاره حية، ووجدت فرقُ المتطوعين ملجأ في أفغانستان طالبان، فصدمات العنف الجماعي من الحين للآخر ستظل ستعرض الأفغان، المنطقة والعالم للخطر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى