نواف الزرو يكتب - الحرب في فلسطين على الارض والرواية والذاكرة والوعي الجمعي؟! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

نواف الزرو يكتب – الحرب في فلسطين على الارض والرواية والذاكرة والوعي الجمعي؟!

0 61

نواف الزرو *- 19/11/2020

ربما تكون المرحلة التي تمر فيها القضية الفلسطينية حاليا، هي الاخطر منذ ايام النكبة والتهجير واغتصاب الوطن، فربما لم تشهد القضية والنكبة والذكرى والذاكرة والحقوق العربية الفلسطينية المشروعة في فلسطين، هجوماً وسطوا صهيونياً بلدوزرياً تجريفياً شاملاً وبدعم وغطاء الاعراب بهدف الاجهاز عليها، كما تشهده في هذه الايام التي تنتقل فيها الصهيونية الى شن ما يمكن ان نسميه حروب الوجود .

فالجغرافيا الفلسطينية باتت بكاملها تقريبا تحت انياب الاستيطان والتهويد، والهجوم الصهيوني اصبح الى حد كبيرعلى كامل ارض فلسطين وكذلك الرواية والذكرى والوعي الجمعي،  بل تشن تلك الدولة  مدججة بكل اسلحتها ومنها الادارة الامريكية هجوما استراتيجيا على الذاكرة بهدف تفكيك القضية ومصادرة احلام العودة والاستقلال والتخلص من الاحتلال…!

تحتاج فلسطين في هذه المرحلة الحرجة الى لملمة الاوراق وإعادة ترتيبها بما يتفق مع نهج التصدي والتحرير…فلا خيار ولا سبيل آخر….!

كان الدكتور وليد سيف قد كتب في هذا المضمون:”إن الطرف الأقوى يفرض تعريفاته وتأويلاته على عقول الآخرين، فلا يكتفي الإسرائيلي بتحريف الرواية التاريخية عن سلب الوطن الفلسطيني بل يوغل أكثر ليحاول مصادرة أحلام التحرير والعودة وإعادة تعريفها لتعني الأوهام غير القابلة للتحقق/ الجزيرة-2/18/2009، ويؤكد:”أنه ليس أفظع من اغتصاب الأرض إلا محاولات اغتصاب التاريخ والرواية، ولا أشد من التهجير القسري من الوطن، إلا محاولات تهجير الوطن من الذاكرة.. وليس أخطر من الصراع على الأرض إلا الصراع على المعاني”.

ويقول أورن يفتاحئيل (أستاذ الجغرافيا السياسية في جامعة بن غوريون) “أن مشاهد القتل والدمار في غزة فظيعة” وأن “هذه الحرب-الاخيرة- استمرار للمشروع والسلوك الإقليمي الإسرائيلي الذي تبنى هدفاً متشدداً ووحشياً يتمثل في إسكات الزمن الفلسطيني، أي محو التاريخ الكامل لهذه البلاد.. إسكات التاريخ يشكل أيضاً محواً للمكان الفلسطيني ومعه الحقوق السياسية الكاملة..القائمة بمشروعيتها وليس بمنة من إسرائيل.. ان الغزو الإسرائيلي لغزة استمرار لإستراتيجية مديدة السنوات من إنكار ومحو وشطب أي ذكر لتاريخ هذا المكان في العصور الأخيرة، ومشروع المحو هذا ينخرط فيه الجميع تقريباً: السياسيون والفنانون ووسائل الإعلام والباحثون في الجامعات والمثقفون الإسرائيليون/ المشهد الإسرائيلي 18/1/2009/”.

واستنادا الى قول عجوز السياسة الإسرائيلية شمعون بيريز أحد رواد الاستيطان والبرنامج النووي الإسرائيلي، الذي كرر مقولة غولدا مائير بأنه” لم يكن هناك شعب فلسطيني في ال 67، فان المؤسسة الاسرائيلية بكاملها تعمل  لتكريس ذلك عبر اسكات التاريخ الفلسطيني.

ما تؤكده دراسة إسرائيلية حينما  تستخلص”أن إسرائيل تمعن في إقصاء تاريخ النكبة”، وتوضح الدكتورة نوغة كدمان في دراستها المعنونة بـ”على جنبات الطريق وهوامش الوعي: إقصاء القرى الفلسطينية المهجرة من التخاطب والحوار في إسرائيل”، “أن السلطات الإسرائيلية تواصل بشكل منهجي طمس المعالم العربية الإسلامية للبلاد من التاريخ والذاكرة الجماعية بعد محوها من الجغرافيا”، وتؤكد”المنهجية الإسرائيلية المعتمدة منذ النكبة في محو تسميات الأمكنة الفلسطينية أو عبرنتها، وإزالتها من الخرائط الرسمية وتجاهل تاريخها”.

وفي هذا السياق حصرا ..سياق بلدوزر التجريف للذكرى والذاكرة الوطنية الجمعية الفلسطينية /العربية، يقولون هم  ويراهنون على “ان الكبار يموتون والصغار ينسون”، وكان موشيه ديان قد كثف هذا المضمون مبكرا في مقابلة اجرتها معه مجلة “دير شبيغل” الالمانية قائلا:”في تشرين الثاني عام 1947 رفض العرب قرار التقسيم (الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة) وفي عام 1949 (بعد التوقيع على اتفاقيات الهدنة) عادوا الى المطالبة بتنفيذه”.

“وفي عام 1955 – والكلام لديان نقلاً عن دراسة للدكتور عبدالقادر ياسين – كانت جميع الدول العربية المعنية ترفض اتفاقيات الهدنة، وبعد حرب حزيران 1967 عادوا الى المطالبة بانسحاب اسرائيل الى حددو الرابع من حزيران”.

“ولن افاجأ – يؤكد ديان – بعد حرب اخرى تسيطر فيها اسرائيل على مناطق عربية جديدة في الاردن او سوريا اذا ما طالبوا بالعودة الى الحدود الحالية..”.

اذن- في الصميم والجوهر انما يتحدث ديان عن حالة التفكك والعجز والاستخذاء العربي اولاً، ثم يتحدث عن ضعف الذاكرة العربية وحالة عدم الاكتراث واللامبالاة من جهة ثانية، بينما يمكننا ان نستشف من اقواله من جهة ثالثة ان الصراع الحقيقي ليس فقط على الارض المحتلة وانما على الرواية والاحلام والذكرى والذاكرة.

في هذه الايام.. ايام ما يسمى زورا وكذبا وتضليلا”خيار السلام والتطبيع والتعايش” و”رياح التغيير الايجابي-كما يقول بيريز” وايام “نوافد الفرص التاريخية للآخر ” تمتد وتتسع مساحة عمل البلدوزر بصورة مريحة لتصل الى ذكرى النكبة.. وذاكرتها.. والى الوعي الجمعي القومي العربي.

ولكن”السياسة تستطيع أن تغتصب التاريخ، أما أن تلغيه فلا كما يوثق الكاتب الفلسطيني على جرادات”مضيفا:” وتستطيع أن تسطو على الجغرافية، أما أن تشطبها فذاك المستحيل بعينه، وتستطيع أن تعبث بالديموغرافيا، أما أن تدثرها فذاك نادرا ما حصل”.

ما ينطق به لسان حال كل عربي فلسطيني على امتداد مساحة الوطن والشتات وكأنه يقول:

“سأبقى دائما احفر

جميع فصول مأساتي

وكل مراحل النكبة

..من الحبة ..الى القبة على زيتونة في ساحة الدار ..”.

وذلك حتى تحين اللحظة التي قال فيها شاعر فلسطين محمود درويش:

“أيها المارون بين الكلمات العابرة

آن لكم أن تنصرفوا

وتقيموا أينما شئتم ولكن لا تقيموا بيننا

…فاخرجوا من أرضنا

من برنا …من بحرنا

من قمحنا …من ملحنا…من جرحنا

من كل شيء ،واخرجوا

من ذكريات الذاكرة “.

*كاتب فلسطيني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.