ترجمات أجنبية

نهاية سلام دام 40 عاماً بين إسرائيل والدول العربية


كان “الشرق الأوسط القديم” منطقة سلام وتجارة وتعاون إقليمي وكان بعض المسؤولين، مثل بيريز، يشيد بذلك الوضع. شهد ذلك الشرق الأوسط أفضل أيامه في منتصف التسعينيات، حين حصل الإسرائيليون على الترحيب في كل مكان بدءاً من الرباط وصولاً إلى مسقط
.

 كتب الخبر Robert Satloff

قسم الترجمة – الجريدة – 8/12/2012

حتى قبل عودة الهدوء إلى غزة في الأسبوع الماضي، فاض عالم المدونات بلوائح عن “الرابحين والخاسرين” في الحرب المصغرة التي توقفت قبل أن تُفسد موسم عيد الشكر. وفق المقالات المتلاحقة، تبين أن الرئيس المصري محمد مرسي كان الفائز الأكبر، يليه قادة “حماس” وربما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. أما الخاسر الأكبر، فكان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يليه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وربما نتنياهو أيضاً.

 لكن يبدو أن هذا التركيز على السياسات الشخصية أغفل المعنى الأساسي لصراع غزة باعتباره بداية حقبة جديدة في الشرق الأوسط؛ تعكس هذه الحقبة نهاية السلام الذي دام 40 عاماً في المنطقة.

 لا يمكن لوم أحد إذا لم يدرك أن الشرق الأوسط تنعّم بالسلام طوال أربعة عقود. لكن هذا ما حصل فعلاً بين إسرائيل والدول العربية منذ حرب “يوم كيبور” عام 1973. كانت إسرائيل خلال أول 25 سنة من استقلالها معروفة بحربها ضد دول متعددة فضلاً عن خوضها جولات متقطعة من الدبلوماسية الفاشلة. غزت ستة جيوش عربية إسرائيل في عام 1948. ثم حاربت إسرائيل أربعة جيوش عربية في يونيو 1967، وشارك 12 جيشاً عربياً في حرب عام 1973. ثم خلال الأربعين سنة اللاحقة، لم تقاتل إسرائيل في أي حروب ضد دول عربية وقد اتسم تاريخها بالمساعي الدبلوماسية الناجحة إلى جانب جولة متقطعة من الأعمال الإرهابية والحروب الجانبية ضد جهات غير رسمية.

 قد لا يكون الفارق بين هذين الواقعين كبيراً بالنسبة إلى الأمهات المفجوعات أو الزوجات الأرامل أو الأطفال الأيتام، ولكن الفارق عميق من الناحية الاستراتيجية. خلال الأربعين سنة الماضية، لم تشهد إسرائيل أي اعتداء فعلي بين دولة وأخرى على أي حدود من حدودها. تنبثق أبرز التهديدات التي تواجهها إسرائيل من “حزب الله” وحركات التمرد والإرهاب الداخلية وما يُسمّى الانتفاضة، الأولى والثانية.

 كانت إسرائيل طبعاً هدفاً لصواريخ صدام حسين الطويلة المدى وضحية جانبين من تهديدات إيران: الإرهاب والطموحات النووية. لكنّ ثمة فارقاً شاسعاً بين حالات الحرب الإقليمية الطارئة والتحديات التي واجهتها إسرائيل خلال الأربعين سنة الماضية. بل إن هذا الفارق هو الذي منح إسرائيل حرية التطور من نظام اقتصادي شبه مفلس ورجعي إلى اقتصاد من الدرجة الأولى وقوة تكنولوجية بارزة، فضلاً عن تحوّلها إلى مكسب استراتيجي مهم بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

 نظراً إلى الدعم السياسي القوي الذي تحظى به “حماس” من الدول الإقليمية، قد يعتبر المؤرخون المستقبليون أن صراع غزة كان أول فصل من الحقبة الجديدة التي ستشهد منافسة بين الدول وصراعات داخل الدول ضمن ساحة الصراع العربي الإسرائيلي. لا يعني ذلك أن حرباً عربية إسرائيلية شاملة أصبحت وشيكة. قد ينشغل خصوم إسرائيل المحتملون (مثل مصر بقيادة الإسلاميين وسورية بقيادة الإسلاميين بعد عهد الأسد) بأولويات أخرى مثل حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الداخلية أو معالجة الخلافات الإثنية المحلية خلال السنوات أو حتى العقود المقبلة. قد يخفي هذا التركيز على المشاكل المحلية التحول الاستراتيجي الحاصل راهناً (وفق هذا التحول، قد تجد الدول التي كانت تتشارك مصالح استراتيجية لمنع اندلاع صراع مباشر بين الدول وسائل تكتيكية لتأجيل الصراع إلى يوم آخر). لكن ذلك لا يعني أن التحول لن يبقى قائماً أو خطيراً بالنسبة إلى المصالح الإسرائيلية والأميركية في آن.

 ما يجعل هذا التطور مقلقاً بالنسبة إلى أصدقاء إسرائيل هو أنه يجعل الدولة اليهودية في وجه نزعتين بارزتين تحددان معالم منطقة يمكن تسميتها “الشرق الأوسط الجديد”. كان “الشرق الأوسط القديم” منطقة سلام وتجارة وتعاون إقليمي، وكان بعض المسؤولين، من أمثال شيمون بيريز، يشيد بذلك الوضع. شهد ذلك الشرق الأوسط أفضل أيامه في منتصف التسعينيات، حين حصل الإسرائيليون على الترحيب في كل مكان بدءاً من الرباط وصولاً إلى مسقط. أما “الشرق الأوسط الجديد”، فهو منطقة تواجه تهديدين متلازمين بسبب طموحات إيران إلى الهيمنة على المنطقة وانتشار التطرف السني الراديكالي. هذه المنطقة الشاسعة لا ترحب بالإسرائيليين بل تبني سياجاً حول حدودها للابتعاد عن القتال من حولها.

 في بعض أجزاء المنطقة، مثل سورية والبحرين، تتنافس هاتان النزعتان بشكل مباشر أو عبر العملاء. لكن على الساحة العربية الإسرائيلية، وجدت النزعتان طريقة للمشاركة في الصراع، وقد اتضح ذلك من خلال إقدام إيران على توفير الصواريخ والأسلحة لـ”حماس” وتنامي الدعم السنّي السياسي (من مصر وقطر وتونس وتركيا) لـ”حماس”. إذا وجدت هاتان النزعتان المتخاصمتان في أماكن أخرى من الشرق الأوسط نقطة مشتركة في معركتهما ضد إسرائيل، فلن ينعكس الأمر إيجاباً على وضع إسرائيل الاستراتيجي مستقبلاً.

 لكن لم نخسر كل شيء بعد، فرغم هذا التحول الاستراتيجي، يمكن أن تقوم الولايات المتحدة بالكثير بعد، بشكل فردي أو مع الشركاء، وذلك لتأجيل العودة إلى الصراع العربي الإسرائيلي بين الدول. تبدأ هذه الاستراتيجية بتقوية التعاون الأميركي الإسرائيلي وتشمل مبادرات مثل منع “حماس” من تحقيق انتصار سياسي على السلطة الفلسطينية المتخبطة، ما يؤدي إلى حث القادة الإسلاميين في مصر على اتباع سلوك معتدل، وتسريع انهيار نظام بشار الأسد في سورية، ومنع انهيار مملكة الأردن الهاشمية المضطربة. إنها الأولويات الخمس العاجلة على الساحة العربية الإسرائيلية. هي لا تعالج التحديات الكبرى المتعلقة بطموحات إيران وانتشار التطرف السني، ولكنها قد تتجنب على الأقل الانجرار إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط.

 لا شك أن هذه الأجندة ليست سعيدة، فهي لا تشمل مؤتمرات سلام كثيرة أو احتفالات في البيت الأبيض. لقد مرت تلك الحقبة وانتهت وكانت إيجابية في وقتها. لكن انتهاء تلك الحقبة لا يقلل من أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى المصالح الاستراتيجية الأميركية. رغم الحديث عن تعدد الانقسامات، وتخفيض الاتكال على الطاقة، وتراجع النفوذ الأميركي، وأهمية التوجه نحو آسيا، ثمة واقعان لا يختلف عليهما أحد: لا يزال الشرق الأوسط منطقة بالغة الأهمية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وما من قوة خارجية يمكن أن توازي قدرة الولايات المتحدة على فرض نفوذها في المنطقة. لا شك أن الولايات المتحدة هي التي ستتولى مهمة منع اندلاع حرب إقليمية شاملة… مجدداً!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى