أقلام وأراء

نهاد أبو غوش يكتب – هبّة النقب

بقلم نهاد أبو غوش – 16/1/2022

أعادت المواجهات الأخيرة التي وقعت الأسبوع الماضي في منطقة النقب داخل عام 1948، إبراز جملة من الحقائق التي كان بعضها مُغيّبا أو خافيا على كثير من المتابعين والمهتمين حتى في أوساط شعبنا الفلسطيني وقواه السياسية، وبشكل أوسع على متابعي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من الخارج بما في ذلك وسائل الإعلام العربية ومنظمات حقوق الإنسان والجهات الدولية المحايدة.

فالمواجهات التي تركزت في قرية سعوة الأطرش يمكن تلخيصها بجملة واحدة مفادها “استمرار مخطط التطهير العرقي”، وهو المخطط عينه الذي يواجهه الفلسطينيون في القدس كما في مسافر يطا والتواني جنوب الخليل أو في الأغوار وسائر الأراضي المحتلة في الضفة والمناطق المحتلة عام 1948. قد تختلف التفاصيل بين موقع وآخر، لكن الجوهر واحد حيث تواجه إسرائيل بكل أدواتها العسكرية والأمنية والقمعية، ومعززة بقوانينها العنصرية، جماهير فلسطينية عزلاء تواجه هذه المخططات بأيديها وصدورها وإيمانها المطلق بحقها في البقاء على أرضها.

لم تكن أحداث قرية الأطرش هي الأولى في مسلسل صراع البقاء للفلسطينيين البدو في النقب، فقد سبقها هدم قرية العراقيب (وهي ليست أكثر من بيوت مؤقتة بسيطة من الخشب والصفيح والبلاستيك ) لنحو مئتي مرة منذ العام 2010 وحتى الآن. واستشهاد المعلم يعقوب أبو القيعان في قرية ام الحيران قبل أربع سنوات، والذي لجأت أجهزة الأمن والقضاء الإسرائيلي للفلفة قضيته وإخفاء الأدلة حول ظروف استشهاده. والأخطر من كل ذلك هو مخطط “برافر” العنصري الذي تبنته الحكومة الإسرائيلية قبل نحو أحد عشر عاما، ثم تراجعت عنه ظاهريا بعد المقاومة الباسلة التي أبداها فلسطينيو الداخل في كل أماكن تواجدهم، إلا أن السلطات الإسرائيلية واصلت تنفيذ المخطط من الناحية العملية على الرغم من تراجعها الرسمي، وهذا هو شأن إسرائيل في العديد من المخططات والمشاريع الإشكالية: تتراجع عنها ظاهريا وتنفذها بشكل عملي كما يحصل الآن مع مخطط ضم المناطق المصنفة (ج) في الضفة، أو مخطط القدس الكبرى بضم منطقة E1 لمنطقة نفوذ بلدية القدس الكبرى.

وإذا كان جميع أبناء وبنات الشعب الفلسطيني يكتوون بشكل يومي من آثار سياسة الاحتلال سواء من خلال عمليات التهجير والاقتلاع التي تعرض لها آباؤهم وأجدادهم فحرمتهم من أبسط حقوق الإنسان الطبيعية وهي الانتماء ل”وطن” ما على وجه هذه الأرض الفسيحة، أو من خلال سياسات الاحتلال والبطش والتمييز العنصري، إلا أن الأحداث الأخيرة في النقب كشفت عن أن فلسطينيي النقب هم أشد فئات الشعب الفلسطيني معاناة من سياسات الاحتلال وممارساته وجرائمه، وأكثرها تعرضا لمخططات التطهير العرقي على الرغم من امتلاكهم للجنسية الإسرائيلية وحق الانتخاب للبرلمان الإسرائيلي (الكنيست) ، واضطرار بعض شبابهم للعمل في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي وأجهزته الأمنية، وهذا موضوع شائك ومتشعب كما هو موضوع الخدمة الإجبارية التي فرضت على أبناء شعبنا من طائفة الموحدين الدروز، لكن الثابت أن الجنود البدو يخدمون في المراتب الدنيا ضمن الوحدات التي يكون أفرادها هم الأكثر عرضة للخطر، أو التي يأنف اليهود العاديون من العمل فيها. رغم كل ما سبق فإن أكثر من اربعين قرية بدوية في النقب غير معترف بها، ويحرم أهلها من جميع الخدمات الأساسية مثل المياه الصالحة للشرب، والكهرباء والطرق والمدارس والعيادات، ما يضطر أطفالها للسير عدة كيلومترات يوميا في أقسى الظروف من أجل الوصول إلى أقرب مدرسة، وهي الحالة التي يواجهها المرضى والمسنّون وعموم المواطنين.

تدّعي دولة إسرائيل بأنها تريد توطين البدو وتمدينهم بنقلهم إلى قرى وبلدات مدنية حديثة تتوفر فيها الخدمات الأساسية، ويسمّون هذه الاماكن المقترحة ب” بلدات التركيز” ، لكن هذه الخطة لم تنطل على الفلسطينيين البدو لأن ثمنها هو التنازل عن ثمانمائة ألف دونم من ارض آبائهم وأجدادهم، كما أن هذا الشكل من التجميع والتركيز في أحياء مزدحمة ومكعبات اسمنتية لا ينسجم بتاتا مع نمط الحياة الذي اعتاد عليه البدو عبر تاريخهم ولا مع تقاليدهم وظروف معيشتهم الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما باتوا يعرفونه حق المعرفة من خلال النماذج البلدية التي أقاموها لتوطين البدو مثل مدينتي راهط وتل السبع، فمع تدهور مؤسسات التعليم وانعدام الخدمات، يُراد لفلسطينيي النقب أن يهجروا أراضيهم ونمط حياتهم الذي نشأوا عليه ليتحولوا إلى عمالة رخيصة في المزارع والمنشآت التي أقامتها إسرائيل على أرضهم، وحيث يجري تخصيص مساحات واسعة جدا من هذه الأراضي للمستوطنات والمزارع الإسرائيلية الحديثة التي تسحب إليها مياه نهر الأردن.

يواجه أهلنا في النقب هذه المخططات العنصرية بكل بسالة وشجاعة، وأظهرت الأحداث الأخيرة ( إلى جانب ما كشفته عن قسوة المحتلين) تطورات مهمة في أشكال المجابهة ابرزها مشاركة مزيد من الفتيات والنساء والفئات الواعية المتعلمة في المواجهات، وتطور أشكال التنظيم الذاتي، وقدرة المحتجين على إيضال رسالتهم إلى كل انحاء العالم من خلال وسائل الاتصالات والتواصل الحديثة. اما ابرز ما كشفته هذه المواجهات أو الهبة الأخيرة، فهو عقم مراهنة بعض القوى السياسية في الداخل على إمكانية الاندماج في المشروع الإسرائيلي الصهيوني من خلال مقايضة الحقوق الوطنية والتخلي عن الانتماء للشعب الفلسطيني وقضيته ببعض المكاسب والتنفيعات، كما فعلت القائمة العربية الموحدة التي انضمت لحكومة بينيت- لابيد، لأن جميع العرب والفلسطينيين هم عرب وفلسطينيون وفق المنطق العنصري، فالعربي الجيد هو العربي الميت كما قال آباء الحركة الصهيونية، وترجمة ذلك في هذه المرحلة أن العربي الجيد هو من يتخلى عن أرضه وجميع حقوقه والأفضل أن يتركها نهائيا.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى