أقلام وأراء

نهاد أبو غوش – العائلي يتقدّم على الوطني في انتخابات فلسطينية

نهاد أبو غوش ٤-٤-٢٠٢٢م

سارعت حركة فتح، كبرى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، إلى إعلان فوزها “الكاسح” في الجولة الثانية من انتخابات الهيئات المحلية في الضفة الغربية، والتي شملت 50 هيئة بلدية وقروية، من بينها المدن الرئيسية ومراكز المحافظات. وقالت الحركة، في بيان أصدرته بعد ظهور النتائج، إن هذا الفوز الكاسح “دليل قاطع على أن الشعب الفلسطيني قد جدد ثقته بالحركة ورئيسها ومشروعها الوطني”! واشتمل البيان، كما هو متوقع، على اتهام حادّ لحركة حماس، القطب الثاني في المشهد السياسي الفلسطيني، بأنها “تصرّفت بأنانية وانتهازية وحرمت المواطنين في غزة من إجراء الانتخابات، بينما شاركت هذه الحركة بكثافة في انتخابات الضفة”. ولم تقتصر مظاهر الاحتفال على البيان الرسمي واحتفالات التهاني، بل شملت مظاهر صاخبة، مثل إطلاق الرصاص بكثافة ابتهاجا بالفوز كما جرى في نابلس وطولكرم ورام الله التي كانت مسرحا لواقعة نافرة وموثقة، إطلاق أحد المسلحين الملثمين صليات كثيفة من الرصاص على لوحة إعلانية، تحمل صور قائمة يسارية منافسة!

أما الحقيقة التي أعلنها رئيس لجنة الانتخابات المركزية، حنّا ناصر، وتظهرها البيانات الرسمية المنشورة على الصفحة الرسمية للجنة، فتُبيّن أن لا حركة فتح ولا غيرها حقق أي نصر كاسح، بل حصلت القوائم المستقلة على نحو ثلثي مقاعد الهيئات المحلية بما يعادل 64.4%، مقابل حصول القوائم الحزبية المنفردة والائتلافية على 36.6% فقط، وسط فتورٍ في المشاركة الشعبية، ونسبة تصويت منخفضة بشكل عام، بلغت 53% من إجمالي أصحاب حق التصويت. وتتدنّى النسبة بشكل حاد في المدن الرئيسية، حيث تراوحت بين 30% في البيرة (حيث مقر الرئاسة ومنزل الرئيس أبو مازن) إلى ما دون 40% في رام الله ونابلس وجنين، وارتفعت النسبة قليلا في القرى والبلدات الريفية، أو حيثما احتدم التنافس العائلي، كمدينة بيت لحم التي شاركت فيها 11 قائمة، ومع ذلك لم تزد نسبة الاقتراع عن 50%.

لا معنى إذن للحديث عن أي فوز كاسح، إلا إذا أريد تحميل هذه الانتخابات دلالاتٍ سياسيةً عن شعبية القوى المشاركة فيها ونفوذ هذه القوى، وهو أمر صعب ومفتعل، في ضوء إلغاء الانتخابات الحقيقية التي يمكن أن تحمل مؤشراتٍ سياسية، أي انتخابات الرئاسة والمجلسين التشريعي والوطني، بل إن أي تدقيقٍ في تفاصيل النتائج يظهر أنها كانت أبعد ما تكون عن اكتساح هذا الفريق أو ذاك. وقد فازت حركة فتح فعلا في انتخابات بلدية نابلس، بحصولها على ثمانية مقاعد مقابل سبعة للقائمة المستقلة المنافسة، وفي رام الله حصلت قائمة حركة فتح على تسعة مقاعد مقابل أربعة لقوى اليسار ومقعدين لكتلة ثالثة مقرّبة من “فتح”، كما فازت قوائم متعدّدة محسوبة على “فتح” أو مقرّبة منها في كل من جنين وبيت لحم، بينما مُنيت الحركة بهزيمة ثقيلة في مدن الخليل والبيرة وطولكرم وقلقيلية.

ولعل في اتهام حركة فتح خصمها “حماس” بعض الوجاهة في أنها منعت الانتخابات في قطاع غزة، وشاركت بها في الضفة الغربية، لكن الحقيقة أنها لم تشارك بكثافة كما قال بيان “فتح”، بل شاركت بشكل انتقائي وفق الظروف الاجتماعية والعائلية الخاصة بكل هيئة على حدة، وكانت أبرز مواقع هذه المشاركة في الخليل، حيث تجنّد أنصارها لدعم قائمة “الوفاء” التي ترأسها رئيس بلدية الخليل السابق الفتحاوي تيسير أبو سنينة في مواجهة قائمة “فتح” الرسمية، وكذلك في مدينة البيرة، حيث فازت قائمة يرأسها المرشح الشاب إسلام الطويل الذي اعتقلته سلطات الاحتلال قبل أسبوع من موعد الانتخابات.

ومن مظاهر لافتةٍ في هذه الجولة من الانتخابات المحلية تعدّد القوائم المحسوبة رسميا على حركة فتح، ففي بلدة العيزرية مثلا، وهي بلدة كبيرة على بوابة القدس الشرقية، شاركت أربع قوائم فتحاوية: الشهيد ياسر عرفات، والشهيد خليل الوزير (أبو جهاد)، والشهيد فيصل الحسيني، والأسير مروان البرغوثي! وتكرر الأمر في بلدات ومدن رئيسية، منها البيرة وبيت لحم وبيت ساحور وطوباس. ولا يحتاج الأمر إلى كبير جهد، ليتبين أن قيادة الحركة لم تتدخل في تشكيل القوائم على نحو ملزم، وتركت الأمور للكوادر والقيادات المحلية التي كيّفت نفسها، فانسجمت مع النزعات العائلية في كل بلدة، وكأن لسان حال قيادة “فتح” في هذه العملية يقول: ليفز من يفوز، فَهُم، في نهاية المطاف، فتحاويون، ويبدو أن قانون الانتخابات المعتمد على مبدأ التمثيل النسبي، وخشية الحركة من هروب أصوات بعض أنصارها إلى قوائم منافسة هو ما دفع إلى التغاضي عن تعدّد القوائم الفتحاوية وتنافسها، لكن النتيجة المحتّمة التي لا يمكن إغفالها تتمثل في غلبة النزعات الشخصية والحمائلية على التنافس البرنامجي والسياسي.

من المظاهر والنتائج اللافتة في الانتخابات استمرار حالة التشظّي والتفتت لقوى اليسار الفلسطيني الذي مُني بهزيمة مُدويّة في هذه الانتخابات، حيث لم تسجل هذه القوى أية نتيجة لافتة إلا في مدينة رام الله، حيث خاضت الانتخابات بقائمة موحدة، فحصلت على أربعة مقاعد من أصل 15 مقعدا، كما حصلت كل من الجبهة الشعبية وحزب الشعب وجبهة النضال الشعبي على بضعة مقاعد في مدن وبلدات متفرّقة، واكتفت الجبهة الديمقراطية بمقعد وحيد في بلدة العيزرية، لكن هذه القوى تمثلت بشكل رمزي في قوائم ائتلافية موحدة مع حركة فتح.

هذه الحالة التي أفرزتها الانتخابات، وتحديدا تنامي النزعات العشائرية على حساب الهوية الوطنية، تثير قلق محللين ومراقبين عديدين ومخاوفهم، ويتأكّد هذا الخوف مع استمرار ضعف السلطة الفلسطينية وتآكل شرعيتها وعجزها عن ضبط الصراعات والنزاعات العائلية المسلحة، كالتي تعاني منها مدينة الخليل منذ سنوات. ويربط محللون بين هذه الظاهرة ومساعي دولة الاحتلال لتوسيع صلاحيات الإدارة المدنية، وانفتاح هذه الإدارة على الهيئات المحلية وتعاملها المباشر معها في قضايا وملفات حيوية، منها منح تصاريح الدخول للعمال، وتنفيذ مشاريع متصلة بمياه الشرب والكهرباء والصرف الصحّي والخدمات الأساسية، خصوصا مع قرار الولايات المتحدة تقديم مساعدات بمقدار 300 مليون دولار، شريطة أن تكون لمشاريع مشتركة مع الإسرائيليين، وذلك كله يفتح الباب واسعا أمام تمكين إسرائيل من إيجاد خياراتٍ بديلةٍ للسلطة الفلسطينية في حال انهيارها، أو حتى مجرّد تلويحها بوقف التنسيق الأمني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى