نغمة تراجع النفوذ الأميركي… سراب وسط عالم في طور النمو - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

نغمة تراجع النفوذ الأميركي… سراب وسط عالم في طور النمو

0 126

Ezra Klein – Bloomberg

قسم الترجمة * 22/5/2012

يبدو أن بعض الأميركيين يفضلون أن يبقى بلدهم القوة العظمى الوحيدة ولو تحوّل العالم من حولهم إلى جحيم بدل أن يكون بلدهم قوة رائدة ضمن مجموعة من 20 بلداً في عالم مزدهر.

خلال خطاب “حالة الاتحاد” لعام 2012، قال الرئيس باراك أوباما: “كل من يقول إن النفوذ الأميركي بدأ يتراجع أو إن نفوذنا يتلاشى لا يعرف ما يقوله”.

قوبلت هذه العبارة بتصفيق حار من المستمعين، وكان الرئيس خلال تلك الأمسية يحتاج إلى تشتيت انتباه الجمهوريين المجتمعين هناك بضع مرات. لكن كانت كلماته تلك صحيحة حرفياً. في كل مرة يخبرني فيها أحد بأن النفوذ الأميركي بدأ يتراجع، لا أفهم ما يعنيه. حتى أنني مقتنع بأن من يدعي ذلك لا يفهم ما يقوله أصلاً.

إنه ادعاء مبهم ومزعج في آن. ما معنى تراجع النفوذ الأميركي؟ هل نتحدث عن نفوذنا الجيوسياسي مقارنةً بالقوى العالمية الأخرى؟ أم نعني مستوى المعيشة مقارنةً بدول أخرى؟ أم نتحدث عن مستوى المعيشة الراهن مقارنةً بفرضيات البعض عن معدلات التحسن والتطور في بلدانهم؟

لنطرح السؤال بطريقة معاكسة: ما معنى تنامي نفوذ الولايات المتحدة؟ إذا كانت الولايات المتحدة تسجل نمواً جيداً بنسبة 3.5 في المئة سنوياً بينما تشهد الصين نمواً بنسبة 8.5 في المئة سنوياً، ما سيمكّن الاقتصاد الصيني من تجاوز الاقتصاد الأميركي خلال عقد من الزمن تقريباً، فهل يعني ذلك أن النفوذ الأميركي بدأ ينهار فعلاً؟

أظن أن معظم الأميركيين يحددون معنى التراجع بهذه الطريقة. إنها مشكلة فعلية. لنفكر بسيناريو مختلف: لنفترض أن الولايات المتحدة تسجل نمواً سنوياً بنسبة 3 في المئة بينما يتباطأ معدل النمو الصيني ويقتصر على 4 في المئة. في هذه الحالة، لن تتفوق الصين على الولايات المتحدة طوال عقود عدة، ما يعني تأخير ظاهرة “تراجع النفوذ الأميركي”. ستكون هذه النتيجة أسوأ من غيرها بالنسبة إلى الجميع. يعني ذلك الوضع زيادة عدد الفقراء الصينيين والأميركيين الذين سيتنافسون مع أصحاب الأجور المتدنية في الصين، علماً أن هؤلاء يعجزون حتى الآن عن شراء السلع الأميركية الصنع أو الاستفادة من الخدمات الأميركية. يعني ذلك تراجع عدد الابتكارات التي تحسّن نوعية الحياة في البلدين. قد يعني ذلك أيضاً تراجع الاستقرار الجيوسياسي لأن الشعب الصيني قد يعبّر عن استيائه من نظامه السياسي أو قد يحاول النظام السياسي إلهاء الشعب من خلال توجيه غضبه ضد الدول المنافِسة.

إذا كان التفوق الأميركي يتوقف على استمرار مآسي البرازيل والصين والهند، فأنا لا أثق بأن ذلك التفوق يستحق العناء. لكن يبدو أن بعض الأميركيين يفضلون أن يبقى بلدهم القوة العظمى الوحيدة ولو تحوّل العالم من حولهم إلى جحيم بدل أن يكون بلدهم قوة رائدة ضمن مجموعة من 20 بلداً في عالم مزدهر.

لا شك أن العالم الذي يتباطأ فيه النمو العالمي لدرجة أن البلدان التي تضم عدداً سكانياً أكبر بثلاثة أو أربعة أضعاف لا يمكن أن تتفوق على إنتاج الاقتصاد الأميركي هو عالم ضبابي للغاية. حتى في الوقت الراهن، يظن عدد كبير من الصينيين أن تحقيق نمو سنوي بنسبة 8 في المئة هو أمر ضروري لضمان استقرار مجتمعهم. إذا تراجع النمو واقتصر على 4 في المئة، قد ينهار النظام الصيني وقد يترافق هذا الوضع مع عواقب جيوسياسية وإنسانية وخيمة. يمكن أن يؤدي ذلك إلى نشوء نظام تعددي وأكثر انفتاحاً على المستوى السياسي. لكني لن أراهن على حصول ذلك. قد يؤدي هذا الوضع على الأرجح إلى تعزيز النزعة القومية وانتشار ظاهرة كره الأجانب وترسيخ القمع الداخلي.

إذا قبع مئات ملايين الصينيين والهنود في مزارع غير منتجة أو في وظائف تفتقر إلى المهارات بدل الحصول على حرية تطوير رأسمالهم البشري، فلن تتمكن بقية دول العالم من الحصول على الابتكارات اللامتناهية التي يمكن تطويرها. بعبارة أخرى، ربما اندثرت الإمبراطورية البريطانية الآن، لكن يعيش المواطن البريطاني العادي في ظروف أفضل من غيره بفضل التكنولوجيا الطبية والمعلوماتية المتطورة في المستعمرات البريطانية السابقة. لو لم تصبح تلك المستعمرات غنية وقوية بما يكفي، كان وضع العالم ليتدهور بالنسبة إلى جميع الدول، منها بريطانيا.

صحيح أن الولايات المتحدة تواجه مشاكلها الخاصة، لكن ما كنتُ لأبادل مشاكلنا بمشاكل أي بلد آخر. تواجه أوروبا والصين واليابان تحديات ديموغرافية هائلة، إذ تعاني هذه الأطراف الثلاثة مشكلة “شيخوخة المجتمع” التي تتفاقم بوتيرة متسارعة لأسباب ثقافية وسياسية، ومن المستبعد أن يساهم توافد المهاجرين في رفع عدد القوى العاملة فيها. تُعتبر اليابان (يبلغ متوسط العمر فيها 44.6) أحد أقدم البلدان في العالم. في الصين، انهار معدل الولادات اليومي من 2.6 لكل امرأة قبل 30 عاماً إلى 1.56 حالة ولادة.

على صعيد آخر، ثمة تحديات سياسية تلوح في الأفق الآن. تبدو منطقة اليورو ضبابية على نحو خطير وربما يستحيل إنقاذها. كذلك، لم يتضح بعد كيف سيتطور النظام السياسي الصيني إذا أصبح البلد أغنى مما هو عليه، أو كيف سيصمد ذلك النظام إذا تباطأ النمو السريع الذي حققه خلال العقود الأخيرة. في ما يخص الهند، يبدو أن نظامها السياسي يجعل من منطقة اليورو نموذجاً للحكم السليم.

ثم تبرز التحديات الاقتصادية أيضاً. بدأت البرازيل والصين والهند تتحول إلى دول متوسطة الدخل. تاريخياً، كان هذا الأمر يُعتبر مؤشراً على تباطؤ النمو. يقول روشير شارما، رئيس قسم الأسواق الناشئة في بنك “مورغان ستانلي” ومؤلف كتاب “الأمم البارزة” (Breakout Nations)، إن “أفضل تجارب النمو تشهد مصيراً مماثلاً”. وأوضح قائلاً: “سبق وتباطأ نمو اليابان وكوريا وتايوان في مرحلة مماثلة للمرحلة التي تشهدها الصين اليوم. من الأسهل تحقيق النمو في بلد يشهد وضعاً متدهوراً. لكن حين يتحسن الوضع، يصعب تسجيل مستويات أعلى من النمو”.

إذا عادت أوروبا إلى مسارها السليم، وإذا نجحت البرازيل والصين والهند في الحفاظ على مستويات عالية من النمو، ستتنافس دول إضافية على النفوذ على الساحة العالمية. بالتالي، قد تتراجع هيمنة الولايات المتحدة على المستوى الجيوسياسي. في تلك المرحلة، سيصبح ضمان استمرار القيم التي نشرتها الولايات المتحدة بطريقة غير قويمة (الديمقراطية الليبرالية، حقوق الإنسان، الرأسمالية المنفتحة) متعلقاً بحجم الحنكة السياسية. في هذه الحالة، يجب أن تحقق الدبلوماسية ما كانت تضمنه القوة العظمى الوحيدة في العالم. إنها مهمة وزارة الخارجية الأميركية، ولا ننسى أن ميزانية الجيش الأميركي تبقى أعلى من ميزانيات أقرب 12 دولة مجتمعةً.

لا شك أن المشاكل المرتبطة بتوسع النمو الاقتصادي العالمي حقيقية، ولكنها تبقى مجرد مشاكل عابرة وسط عالم يشهد تحسناً على المستويات المختلفة. في المقابل، إذا لم تتمكن دول “البريك” BRIC (البرازيل وروسيا والهند والصين) من التخلص من الفقر وإذا عجزت أوروبا واليابان عن معالجة وضعهما الاقتصادي، فلا أحد سيرغب في عالمٍ مماثل تشوبه مشاكل قد لا نستطيع حلها. كل من يتوق إلى شكل من أشكال التفوق الأميركي الذي يصمد حصراً بفضل الجمود الاقتصادي في أماكن أخرى لا يعرف ما يتحدث عنه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.