ترجمات عبرية

نظرة عليا – مقال – 7/11/2012 الامبراطورية تضرب من جديد؟

بقلم: تسفي مغين

مساعي روسيا لاستعادة نفوذها في منطقة الشرق الاوسط تتخذ صورة الهجوم الدبلوماسي المضاد.

       خلقت آثار ثورات الربيع العربي وضعا مفعما بالتحديات بالنسبة لروسيا، التي وجدت نفسها مبعدة عن الشرق الاوسط من التحالف السني، الذي يعمل، حسب فهم روسيا، بالتعاون مع الغرب.

          من ناحية روسيا، اصبح الشرق الاوسط الان ميدان معركة بين القوى المختلفة، الاقليمية والعالمية، في صراعها على تصميم النظام المستقبلي. وقد احتدمت هذه المواجهة على نحو خاص على خلفية الحرب الاهلية في سوريا، بين المنظومة السنية – الغربية، وتلك الشيعية، المسنودة من روسيا والصين. وعمليا، في هذه المنافسة المتجددة بين القوى العظمى العالمية، تحولت روسيا  من لاعب ثانوي، تعاونت مع الغرب في أثناء الثورات في شمالي افريقيا، الى لاعب سائد. وقد وجد الامر تعبيره في الحالة السورية، التي تدير فيها روسيا صراعا عنيدا لحماية مكانتها الاقليمية.

          في المواجهة في سوريا، سجلت روسيا انجازات، بفضل تكتيكها الذي ينطوي على مساعدة سوريا من خلال “عزل ميدان المعركة” (استخدام واسع للفيتو في اطار الامم المتحدة وتفعيل منظومة ضغوط لعرقلة نوايا التدخل بالقوة في سوريا) ومساعدة عسكرية واقتصادية للنظام السوري، الذي ينجح بفضل ذلك في الحفاظ على تفوقه النسبي على الارض.

          ومؤخرا تتسع المواجهة، مع تعاظم دور تركيا في الازمة، سواء حيال سوريا أم في استفزازها المباشر لروسيا. والتوتر بين الدولتين، القائم ايضا خارج الشرق الاوسط – في القوقاز، مثلا – من شأنه أن يصبح مواجهة مباشرة. ويتضمن الاحتكاك بينهما الان منافسة على النفوذ في اوساط الاكراد في كل المنطقة.

          وتجدر الاشارة الى أن التوتر بين روسيا والغرب ليس محدودا بالشرق الاوسط وحده. فروسيا تشعر أنها تتعرض لضغوط من جانب الغرب في المناطق الحيوية لها على طول حدودها، في دول الاتحاد السوفييتي السابق. وتساهم تركيا بدورها في توسيع نفوذ الناتو ودحر روسيا من منطقة القوقاز، الحقيقة التي تضيف الى تفاقم التوتر بين روسيا والغرب. يبدو ان من بين دوافع روسيا لموقفها العنيد الى جانب سوريا، توجد أيضا رغبتها في ابعاد الامريكيين عن مناطق الاهتمام الروسية في حدودها واشغالهم في الشرق الاوسط.

          ومع أن روسيا تمكنت حتى الان من أن تلعب بنجاح في الفصل السوري، فانها تعمل بالتوازي، لضمان مكانتها المستقبلية في سوريا، سواء من خلال محاولات الحوار مع المعارضة السورية ام من خلال الاستعداد لتفكك سوريا. في هذا السياق يجس الروس طريقهم امام الفصائل والعناصر العرقية، الدينية وغيرها في هذه الدولة وخارجها.

          ولكن في اثناء الفترة الاخيرة، تلوح تغييرات في سلوك روسيا في الشرق الاوسط. فهذا يصبح أكثر تأكيدا ويخرج عن اطار المنافسة على مواقعها في سوريا وفي المحور الراديكالي وينتشر الى مناطق اخرى. وتقود الى هذا الاستنتاج الصورة الجزئية التي ترتسم مؤخرا امام ناظرينا، كما نفصل هنا.

          ايران – الى جانب ما يجري في المنطقة السورية، يتواصل التعاون الروسي – الايراني، التي يترافق مؤخرا والاعراب عن التأييد الروسي المتجدد لايران، على خلفية المواجهة حول برنامجها النووي.

          العراق – بعد الجهود التي وظفتها روسيا، لتعظيم دورها في هذه الدولة، جرت مؤخرا زيارة لرئيس الوزراء العراقي المالكي الى روسيا. وهناك وقعت اتفاقات للتعاون، على رأسها صفقة سلاح بقيمة 4.2 مليار دولار وكذا عقود في مجالات انتاج النفط. العراق، الذي يوجد في توتر مع جيرانه في الخليج الفارسي من جهة ومع تركيا من جهة اخرى يموضع نفسه من جديد في اللعبة الاقليمية، بشكل مستفز جدا للولايات المتحدة.

          مصر – هي الهدف السياسي الروسي التالي. فروسيا لا تألو مؤخرا اي جهد لاثارة اهتمام الحكم المصري لاعادة التعاون، الذي تضرر في أثناء الربيع العربي الى سابق عهده. وقريبا سيزور وزير الخارجية الروسي لافروف القاهرة ومن المعقول الافتراض بانه ستكون استجابة مصرية لمغازلات روسيا.

          السعودية ودول الخليج – هذه الدول بالذات، التي تقود منذ الربيع العربي صراعا ضد المحور الشيعي، وتدحر روسيا من المنطقة، وجدت نفسها تتعرض لمغازلة روسيا، فيما تجتهد الاخيرة لاثارة اهتمامها بالتعاون وتطرح اقتراحات مغرية جدا لعرض بضاعتها العسكرية. وسيزور وزير الخارجية لافروف السعودية أيضا وغيرها من الدول في طريقه من مصر. وهناك من يعتقد ان في جعبته اقتراحات لحماية “خليجية” من تهديدات من جانب جهات راديكالية.

          الاردن – مع أنه يوجد في نطاق الاهتمام الروسي، سواء في السياقات المختلفة التي ذكرت اعلاه أم كهدف لحث النفوذ الروسي في شؤونه الداخلية. ولا تزال تنقص الصورة الواضحة، ولكن يمكن أن نشخص ميولا روسية في هذه الدولة أيضا.

          الفلسطينيون – فضلا عن محاولات روسيا جس النبض في الاردن وفي اسرائيل حول الموضوع الفلسطيني، كان ولا يزال لها اهتمام واضح، يطرح الان ايضا، في احياء المسيرة السياسية في القناة الاسرائيلية – الفلسطينية. وهذه خشبة قفز مريحة لعودتها الى الانشغالات الدولية في المنطقة ونقل الانتباه من بؤر توتر اخرى، تشارك فيها. في هذا السياق، لم يتوقف ابدا دعمها لحماس، بالتوازي مع الحوار المستمر مع السلطة، على أمل استغلال ذلك كفرصة لتكون الموفقة بينهما.

          اسرائيل – في علاقات الدولتين لاح مؤخرا اختراق هام في تقدم التعاون ذي الاهمية الاستراتيجية لروسيا. ومظاهر هذا التعاون تساهم بدورها الايجابي في مساعي روسيا الخروج من عزلتها في المنطقة ومن الاثار السلبية لازمات الربيع العربي.

          افريقيا – مكان افريقيا لا يغيب عن خارطة الاهتمام الروسي المتجدد. مؤخرا وصل مبعوث الرئيس الروسي الى هذه المنطقة، مرغلوف، للقيام بجولة زيارات في عدة دول في شرق ووسط القارة في مسعى لان يحث هناك ايضا افكار التعاون السياسي والاقتصادي.

النظر الى جملة النشاطات الروسية في منطقة الشرق الاوسط، آنفة الذكر، يطرح تساؤلا حول جوهر القاسم المشترك بينها. معقول ان يكون هذا النشاط جزءً من خطة واضحة ومؤكدة، سطحيا تبدو كنوع من “الهجوم الدبلوماسي المضاد”. وهذا يمكن أن يكون موجها لتحقيق خروج روسيا من العزلة في الشرق الاوسط واستعادة مكانتها السابقة، بعد أن وجدت نفسها، منذ بداية الربيع العربي في تراجع عن انجازاتها وفقدانٍ لذخائرها السابقة في المنطقة، تحت الضغط المتداخل للمنظومة السُنية – الغربية. في مثل هذه الحالة، فان الحديث يدور عن صيغة روسية لتحطيم “الحصار” بطريقة حث الترتيبات المباشرة مع دول المنطقة، في ظل العثور على مسارات للوصول الى قلبها من خلال جملة عروض مشوقة، على أمل النجاح الجزئي على الاقل. وربما، اذا ما لعب حظها، ان تقيم كتلة (محور) من الدول المؤيدة من جديد. ولكن لا ينبغي أن نستبعد أن يكون الحديث يدور عن خطة أكثر تعقيدا وجسارة مما قيل اعلاه، تضع لنفسها هدفا هو تحريك مسيرة اكثر أثرا من مجرد تحطيم الحصار واستعادة المجد. يحتمل أن يكون الحديث يدور عن تحريك خطة روسية يقصد بها محاولة المبادرة الى اقامة نظام اقليمي جديد. في مثل هذه الحالة، ينطوي المسار الروسي على خطوات اقليمية شمولية، تستهدف تغيير الواقع الجغرافي – السياسي الحالي في دول مثل سوريا، العراق وما شابه وكذا في مناطق مثل كردستان بل واكثر من ذلك. هناك تراكم لمؤشرات تدل على وجود مثل هذه الامكانية.

وكالمعتاد في مثل هذه الاوضاع، لا يزال من السابق لاوانه ان نقدر بكاملها الاثار المحتملة التي يمكن ان تنشأ عن هذا النشاط الروسي. على اي حال، واضح للعيان خروج روسيا في “هجوم مضاد” شامل، يجري، باحتمالية عالية، وفق صيغة محددة، يحتمل أن يكون بوسعها أن تؤثر على التصميم المستقبلي للمنطقة. الايام ستنبؤنا. واذا كان ثمة ما هو حقيقي – وان كان جزئيا – في الصورة المعروضة هنا، فثمة في ذلك ما يكفي من المادة للتفكير بالنسبة لاسرائيل، بشأن الاثار على الواقع الدولي في حدودها، بما في ذلك غير قليل من المواضيع للاستيضاح مع روسيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى