نظرة عليا* – مقال – 22/3/2012 الجولة الاخيرة في غزة - والتالية لها - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

نظرة عليا* – مقال – 22/3/2012 الجولة الاخيرة في غزة – والتالية لها

0 243

بقلم: مارل هيلر

معدل نجاح 80 في المائة لا يكفي لاقناع مطلقي الصواريخ من قطاع غزة بانه لا معنى لمواصلة هذه الاعمال (أو تجربة ذلك مرة اخرى في مناسبة اخرى). مثلما لا تلغي قبة حديدية الحاجة الى الدفاع السلبي، فانها ايضا لا توفر ردعا وقائيا.

جولة القتال الاخيرة دون حسم على طول الحدود بين غزة واسرائيل تطرح بضعة انطباعات بالنسبة للنتيجة وبالنسبة للاثار المحتملة في المستقبل.

قبة حديدية

          منظومة قبة حديدية لاعتراض الصواريخ من انتاج اسرائيل اجتازت المرحلة التنفيذية الاولى لها وقطفت عدة نجاحات مثيرة للانطباع. فقد نجحت المنظومة في ان تميز بين الصواريخ المتوقع سقوطها في المناطق المفتوحة وبين الصواريخ الموجهة للمناطق المأهولة، والامتناع عن اضاعة المقدرات على اعتراض صواريخ من النوع الاول، في ظل اعتراض نحو ثمانين في المائة من الصواريخ من النوع الثاني. وكنتيجة لذلك، منع بلا ريب وقوع قتلى وجرحى اسرائيليين كثيرين كما منع ضرر كبير بالاملاك. هذه النتيجة تعطي مفعولا للمنطق الاقتصادي الذي يقف خلف المشروع، رغم الفارق الكبير بين الكلفة المتدنية للصواريخ والمقذوفات الصاروخية التي تطلق من قطاع غزة وبين كلفة الصواريخ التي تعترضها من اسرائيل لابادتها.

          ولكن رغم هذه النجاحات فان قبة حديدية “لا تغير قواعد اللعب” وذلك لان معدل الاخفاق في الاعتراض بقي قرابة 20 في المائة، والاخطارات باطلاق الصواريخ التي وجهت نحو اسرائيل بعثت مع ذلك بالسكان المدنيين الى الملاجيء، وألزمت السلطات بالغاء الاحتفالات العامة واغلاق المدارس وكذا شل الاهالي القلقين في بيوتهم. اذا لم يكن الدفاع الفاعل ناجعا بمائة في المائة، فانه لن يلغي الحاجة الى الدفاع السلبي، ولن يمنع التشويش الكبير في نمط الحياة في المناطق التي تقع في مدى الصواريخ. كما أنه لن يعفي الحكومة من الحاجة الى اتخاذ قرارات استراتيجية بالغة الوزن كانت تفضل الامتناع عنها. لقد كانت هذه هي النتيجة هذه المرة، ليس لان قبة حديدة دمرت 80 في المائة من الصواريخ التي اطلقت نحو دولة اسرائيل، بل بسبب حقيقة ان 20 في المائة من الصواريخ المطلقة التي نجحت في التسلل لم تسقط في مناطق مأهولة. بتعبير آخر، الحظ وحده وقف بين عدم استعداد الحكومة للشروع في تصعيد بحجم واسع وبين الضغط الداخلي الذي لا يمكن الصمود أمامه لعمل ذلك.

          معدل نجاح 80 في المائة لا يكفي لاقناع مطلقي الصواريخ من قطاع غزة بانه لا معنى لمواصلة هذه الاعمال (أو تجربة ذلك مرة اخرى في مناسبة اخرى). مثلما لا تلغي قبة حديدية الحاجة الى الدفاع السلبي، فانها ايضا لا توفر ردعا وقائيا. الهجمات الصاروخية الفلسطينية توقفت هذه المرة (وربما تمنع في المرة التالية) فقط من خلال نشاط هجومي يقتل – أو يهدد بالقتل – المشاركين مباشرة في تنفيذ اطلاق الصواريخ هذه، التي تهدد بمس، لا يمكن التسليم به، بحياة جمهور الناخبين ذي الصلة – الجمهور الفلسطيني. بتعبير آخر، فان الفرض/الردع من خلال العقاب يبقى الدافع السائد في هذا الخطاب. في الجولة الاخيرة، ابقت اسرائيل على تهديد مصداق بالتصعيد، كونه لم يلحق ضرر كثيف أو مس بحياة الانسان في أوساط السكان المدنيين الفلسطينيين، ولان الانتباه الدولي كان موجها للساحة السورية والساحة الايرانية. هذه الملابسات من شأنها أن تتغير في الجولة القادمة.

          مصر في دور الوسيط

          حتى لو كانت نشاطات اسرائيل تدفع اولئك النشطاء في أوساط الفلسطينيين، المشاركين في اطلاق الصواريخ للوصول الى الاستنتاج بانه حان الوقت لوقف الاعمال العدائية، مطلوب نوع معين من الاتصال لتحقيق فهم بالنسبة لموعد وشروط وقف النار. في الجولة الاخيرة، مثلما في الماضي، الوسيط الوحيد الذي كان يمكن الاستعانة به في هذا الموضوع، كان المؤسسة الامنية المصرية. وقد عمل المصريون مثلما عملوا في ضوء الفهم بان استمرار القتال وتصعيده المحتمل لا يخدم مصالحهم. ومع ذلك، في ضوء عدم الاستقرار السياسي في مصر توجد امكانية الا تتمكن المؤسسة الامنية المصرية من مواصلة أداء هذا الدور في المستقبل، حتى لو لم تطرأ تغييرات على مفهومها الفكري.

          الانتخابات للرئاسة في مصر يزمع عقدها في شهر ايار 2012، مع جولة اخرى (وبقدر الحاجة) في الشهر التالي لذلك. خلافا للماضي، لن يكون ممكنا التنبؤ مسبقا ماذا ستكون نتائج هذه الانتخابات. والاهم من ذلك، فان دستورا مصريا جديدا لم يعد بعد، حجم صلاحيات الرئيس لا تزال غير واضحة، وبالتالي ليس واضحا ماذا سيكون عليه ميزان القوى بين الرئيس، البرلمان والقوات المسلحة. معظم المراقبين يتوقعون بان تحافظ المؤسسة الامنية على مكانتها المركزية في نطاق سياسة الخارجية والامن. كما من غير المتوقع التحييد السياسي السريع للقوات المسلحة مثلما حصل في تركيا في السنوات الاخيرة. اضافة الى ذلك توجد امكانية في أن رئيسا اسلاميا أو ناصريا/قوميا، الى جانب برلمان يسيطر عليه اسلاميون، سيعززان المفهوم الذي بموجبه الدور الصحيح لمصر في جولة نزاع مستقبلية، مصدره في غزة، لن يكون التشجيع على وقف النار، بل بالذات الدعم، عمليا، للمحافل الاسلامية في غزة.

          من يقرر جدول الاعمال؟

          رغم حقيقة ان حماس تسيطر عمليا على غزة منذ العام 2007، فليست حماس هي التي أملت الاحداث الاخيرة، بل بالذات الجهاد الاسلامي الفلسطيني ولجان المقاومة الشعبية، فحماس ليس فقط لا تبادر الى هجمات صاروخية بل وأيدت علنا العودة السريعة الى الهدوء. ولكن بينما لم يكن لحماس عذبات ضمير على قمع فتح بكل وسيلة ممكنة، لم تبدي استعدادا للتعاطي بذات الشكل مع الجهاد الاسلامي الفلسطيني او لجان المقاومة الشعبية، ولهذا ففي هذه الجولة نفذوا اختطافا لجدول الاعمال العام وفعلوا لحماس ما فعلته هي على مدى سنوات عديدة لفتح (وما فعله حزب الله للبنان في العام 2006).

          توجد دينامية سياسية واضحة في اوضاع النزاع غير القابل للحل، تمنح شرعية لخطاب وعمل يعظمان عنصر المواجهة. هذا الوضع يضع المتحملين لعبء الحكم في موقف غير مريح حتى متعذر في كل ما يتعلق باتخاذ وسائل حادة تجاه اولئك الاكثر حرية في العمل استنادا الى ميولهم الايديولوجية بالنسبة لاسرائيل ولا يكلفون نفسهم عناءا زائدا بالانشغال بالاثار الواسعة لموقفهم. حماس لم تساوم ابدا على مضمونها الايديولوجي المتطرف، ولكن الظروف التي تعمل فيها فرضت عليها احيانا اظهار قدر معين من البرغماتية في سلوكها (بسببها تلقت الانتقادات المهينة من جانب أيمن الظواهري، زعيم القاعدة). ولهذا فقد سقطت ضحية، وان كان حتى الان بقدر ضيق، لظاهرة معروفة عن المتطرفين الذين يؤدي لقائهم بالواقع الى تلطيف مواقفهم، ويمنحهم تفوقا على المتطرفين الاخرين من النوع الاكثر نقاءا. اذا ما وافقت الجهاد الاسلامي ولجان المقاومة الشعبية على وقف النار مع اسرائيل في أحيان قريبة أو على مدى زمني طويل، فبانتظارهم مصير مشابه.



* نشرة الكترونية تصدر عن معهد بحوث الامن القومي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.