ترجمات عبرية

نظرة عليا – مقال – 15/10/2012 بين العربية السعودية وايران: الاحتجاج العربي المنسي

بقلم: يوئيل جوجنسكي

في نظر الاسرة المالكة السعودية لا يوجد تضارب بين قمع الاحتجاج الشيعي في داخلها وتشجيع الاحتجاج ضد النظام السوري القامع، طالما ان كلاهما يصبان في التصدي للنفوذ الايراني.

          الاقليم الشرقي في العربية السعودية الذي تتجمع فيه الاقلية الشيعية في المملكة، شهدت مؤخرا، مرة اخرى احداثا عنيفة. فقد أدت محاولة اعتقال “مطلوبين”، في نهاية ايلول، الى اشتباكات بالنار، قتلى وجرحى. موجة المظاهرات التي بدأت في العوامية، بلدة شيعية متطرفة، قبل بضعة اشهر وقعت على خلفية اعتقال واصابة رجل دين شيعي شعبي، نمر النمر. اعتقال النمر لم يأتِ في مفاجأة تامة، وذلك لانه أصبح شخصية مركزية في حركة الاحتجاج في الاقليم، وكان معروفا في تصريحاته الحادة ضد العائلة المالكة. النمر، الشعبي بشكل خاص في اوساط الشباب، دعا في الماضي الى اسقاط عائلة سعود، استقلال الاقليمي الشرقي واغلب الظن أمر مؤيديه بالاحتفال بعد موت ولي العهد، نايف، في حزيران 2012.

          وكانت العربية السعودية اتهمت غير مرة ايران بتأييد الاقلية الشيعية في نطاقها. بين 1979 – 1981 وقعت في هذه المنطقة، لاول مرة في تاريخ المملكة السعودية الحديث، اضطرابات في أوساط الاقلية الشيعية. حتى ذلك الحين، ولم يتلقَ احساس الظلم لدى الشيعة، الذين رأوا في أنفسهم مواطنون من الدرجة الثانية، تعبيرا عمليا. فالثورة الاسلامية في ايران بدت كبديل للقمع الذي شعرت به الشيعة من جانب المؤسسة الوهابية. وقد ضعفت المواجهة مع وفاة الخميني، حين خفت حماسة الثورة في ايران. ناهيك عن أن الشيعة اعترفوا بقوة المؤسسة الوهابية وسعوا بالتدريج الى التسويات مع السلطة، لتحسين وضعهم. ويشكك التيار الوهابي في الاسلام بصلاحية اسلام الشيعة بل وباصولهم العربية، الامر الذي حمل العربية السعودية الى فرض قيود خطيرة على الشيعة في نطاقها انطلاقا من التطلع الى عزلهم ومنع اي تعبير سياسي لهم او حرية عبادة.

          في نظر السعوديين، فان التهديد الايراني خطير ليس فقط لاثاره على ميزان القوة في الخليج، بل وايضا بسبب الاثار الجوهرية التي له على استقرارها: اذا كانت يد ايران هي العليا، فمن شأن الشيعة ان يتحدوا شرعية الاسرة المالكة. وبقي الشيعة مشكلة امنية للعربية السعودية ليس فقط بسبب قربهم الجغرافي والفكري من ايران، بل وايضا، وربما اساسا، في ضوء وجودهم بجوار مخزونات النفط الكبرى في العالم. وحين كان وليا للعهد، اتخذ الملك عبدالله سلسلة خطوات لتخفيف حدة التوترات مع الاقلية الشيعية، بما في ذلك الاعلان عن “حوار وطني” بل وسمح بدخول عدد من الشيعة الى مجلس الشورى، الهيئة الاعتبارية ولكن عديمة الصلاحيات الحقيقية.

          ولكن أسرة سعود لم تمضي بعيدا حتى الاعتراف بالشيعة كتيار مركزي في الاسلام وامتنعت عن منح الشيعة مكانة مواطنين متساوي الحقوق. وبقي الظلم الاساس للسكان الشيعة في المملكة على حاله وبين الحين والاخر كان يطفو على السطح. وقد عارضت شخصيات مركزية في الاسرة المالكة، وعلى رأسهم ولي العهد ووزير الداخلية السابق نايف، عارضوا بشدة النهج “المصالح” في نظرهم للملك عبدالله. فهم يرون في الشيعة منفذي أوامر ايران ويؤيدوا سياسة “صفر تسامح” تجاههم. بل ان نايف أغلب الظن، دفع باتجاه دخول القوات السعودية الى البحرين أيضا، “لمعالجة” الاحتجاج الشيعي. وكان تخوف فوري وملموس من ان ينتقل الاحتجاج الى الاحساء والطائف.

          منحت أحداث “الربيع العربي” ريح اسناد للشيعة وبالفعل نجد أن الاقليم الشرقي يعج بالحركة في السنة والنصف الاخيرتين. وذلك رغم محاولات المملكة، من خلال استخدام القوة، ولكن ايضا من خلال اغراءات اقتصادية، تهدئة الوضع. وقد بدأ الهياج في شباط 2011 في أعقاب حادث عنف في المدينة بين حجاج شيعة والشرطة الدينية السعودية وتفاقم مع دخول القوات السعودية الى البحرين بعد شهر من ذلك. حركة الاحتجاج، التي تتشكل في معظمها إن لم يكن كلها من الشباب قامت بمظاهرات جماهيرية قتل في اثنائها حتى الان 15 شخصا، واعتقل وحبس الكثيرون، معظمهم دون محاكمة. وتحولت جنازات القتلى الى مظاهرات عنيفة لم يشهد لها مثيل في الاقليم منذ الثورة الاسلامية. وفضلا عن ذلك، بدأ الشيعة، حسب وزارة الداخلية السعودية، بالاستخدام المتزايد للسلاح الناري ضد قوات الامن.

          يمكن ايجاد تفسيرات داخلية لموجة الاعتقالات، منها تسلم وزير الداخلية الجديد مهام منصبه، احمد، ومحاولته تثبيت مكانته الداخلية وبث خط متشدد تجاه كل تهديد على استقرار المملكة. ولكن يحتمل أن يكون توقيت الاعتقالات مرتبط بمحاولة الاسرة المالكة السعودية اتخاذ خطوات مسبقة قبل كل مواجهة محتملة مع ايران. ويتعاظم التوتر على جانبي الخليج وكانت تقارير عن حالات تأهب بل وتعزيز للقوات في أوساط قوات الامن السعودية. وكل مواجهة مع ايران من شأنها أن تشعل النار في الاقليم الشرقي، وبالتالي لماذا يتم الابقاء على عود الثقاب في شكل محرض ديني كاريزماتي ومتطرف مثل نمر؟ وادعى الناطق بلسان الداخلية السعودية بان قوات الامن لن تحتمل المحرضين “ممن يستخدون كأدوات في أيدي اعداء الامة”، وهي رسالة واضحة الى ايران.

          الشيعة في العربية السعودية، الذين يبلغ عددهم نحو 2 مليون نسمة (10 في المائة من السكان في السعودية) لم يكونوا أبدا قريبين من التهديد لاستقرار المملكة. فمعظمهم بعيدون فكريا عن المؤسسة الدينية الايرانية. ولكن استمرار الهياج قد يؤدي الى نمط عمل فاعل وأكثر عنفا من جانب الاحتجاج، على الاقل في اوساط قسم من الجيل الشاب الشيعي الذي بدا أنه ملّ قيادته التقليدية، التي تدعو من جانبها كل الوقت الى الهدوء. اضافة الى ذلك، فان تعاظم العنف سيوفر فرصة لايران لاستغلال الاضطرابات لصالحها.

          الاحتجاج الشيعي الذي تلقى ريح اسناد من احداث الربيع العربي يرتبط من زاوية نظر الرياض بالنشاط الايراني لاثارة الشيعة، الاقلية الكافرة وغير المرغوب فيها في نظرها، إثارة ترمي الى الاشارة الى الثمن الذي يدفع لقاء المس بالمصالح الايرانية في الخليج، او بعيدا من هناك – في سوريا. اذا ما احتدمت الاحداث بحيث تتفاقم المعضلة في العربية السعودية: فكيف يمكن تبرير التضامن مع الجماهير السورية التي خرجت الى الشوارع استمرارا على القمع المتواصل، ولكن الحفاظ على النظام السياسي القامع في الداخل. في نظر الاسرة المالكة الشائحة لا تضارب طالما كان هذا في صالح صد ايران.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى