نزار السهلي يكتب - رهان إسرائيل للإفلات من الجنائية الدولية - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

نزار السهلي يكتب – رهان إسرائيل للإفلات من الجنائية الدولية

0 84

نزار السهلي – 23/3/2021

قرار المحكمة الجنائية الدولية قبول ولايتها القضائية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن ثم المباشرة بفتح تحقيق عن الجرائم المرتكبة من قبل قادة الاحتلال الإسرائيلي على المستوى الأمني والسياسي، هو مبدأ أساسي من مبادئ الإجراءات الجنائية «التي من دونها لا يمكن للمرء أن يتحدث عن العدالة» وتجعل إمكانية التمييز بين العدالة والظلم، في وضع فلسطين بالنسبة للمحكمة الجنائية غير محصور «بالقرار القضائي الاستثنائي» بل واجب المحكمة بالوفاء لنظامها الأساسي، وولايتها بإقامة العدل على مبادئ العدالة الدولية واختبار مباشر لمصداقيتها في حماية الضحايا.

رؤية مشوهة للقانون الدولي

ويتضح من الهجمة الإسرائيلية الأمريكية الشرسة على المحكمة وقرارها، الفاعلية المهمة لدورها على الأقل بتوجيه أصابع الاتهام لقادة وضباط وجنود إسرائيليين بمسؤوليتهم عن جرائم الحرب والابادة في فلسطين.

الرؤية الإسرائيلية لانضمام السلطة الفلسطينية للمحكمة الجنائية الدولية والتوقيع على معاهدة روما، وفق الأكاديمية الإسرائيلية «يائيل غفيرسمان» المتخصصة في القانون الدولي في جامعة تل أبيب، هي «عقوبة وثمن لمسار سياسي إسرائيلي» طويل نجم عنه جرائم كثيرة، ولا تقوم الخطوة الفلسطينية في اتجاه المحكمة من وجهة نظر إسرائيلية على مسألة قانونية مستمدة من مفاهيم السلام والأمن و»العدالة» بالمعنى الواسع، يُنظر إليها محكمة مشبوهة ومسيسة، إذا تعلق الأمر القضائي بالبحث عن جرائم إسرائيل، وهي «عظيمة» اذا أقرت بعيداً عن جرائم الاحتلال ونصت على البحث «عن محرقة الشعب اليهودي». إن السؤال القانوني للمحكمة هو سياسي، وغير بعيد عن التطلعات الوطنية للشعب الفلسطيني.

تعتبر إسرائيل المحكمة الجنائية الدولية، منذ تأسيسها «انحرافا» عن مسار يعتبر الضحية الإسرائيلي أو اليهودي المضطهد بالنازية هو «الضحية الأولى» الواجب التركيز عليه دون غيره، نظرة استعلائية وعنصرية قائمة على الإفلات من العقاب إلى ما لا نهاية، وخروج عن القواعد الأساسية للقانون الدولي الذي تنتهكه كل لحظة ضد الشعب الفلسطيني، وإذا ما قيست الجرائم الإسرائيلية مع ما تعتبره المحكمة الجنائية «لجرائم» فلسطينية كانت تدفع لصد جرائم الاحتلال، فإنها لا تذكر بضخامة مأساة الفلسطينيين وإغراقهم بجرائم لا حصر لها، من مصادرة الأراضي، وزرع الاستيطان، وهدم البيوت، وابتلاع الأرض بجدار الفصل العنصري، إلى قوانين الاعتقال الإداري، والإعدام الميداني، والقصف العشوائي للمدن والقرى الفلسطينية، والاقتحامات والحصار، وتقطيع أوصال المدن والبلدات بحواجز عسكرية، فضلاَ عن التحكم في المياه والاقتصاد والكهرباء والغذاء والدواء، فإننا أمام دولة عنصرية وفاشية يقودها مجرمو حرب بامتياز حسب التعريف القانوني لهذه الأفعال، وما الارتعاد والخوف من المحكمة والهجوم العنيف عليها، إلا تأكيد على قناعة إسرائيلية للتسلح بالهجوم على كل القرارات الدولية التي تدين ممارسات دولة الفصل العنصري.

موقف فلسطيني فعال

الترحيب الفلسطيني بوصاية المحكمة على الأراضي المحتلة، والبدء بالتحقيق بجرائم الحرب، لا تكفي لإقرار العدالة لضحايا الاحتلال الإسرائيلي.

القائمة الطويلة للتجربة المريرة مع القوانين والقرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، تتطلب ما هو أكثر من الترحيب من خلال العمل الفاعل، خصوصا بغياب الجهد العربي المنقسم بعضه بمعاداة المحكمة والاصطفاف في خندق الاحتلال، وجزء آخر يمارس جرائم غير بعيدة عن التي أصابت الفلسطينيين من أنظمة عربية تحارب شعوبها والعدالة الدولية للنجاة من العقاب، وهذا يدفع للتساؤل مع اجتماع الوزراء العرب الأخير في مقر الجامعة العربية عن إشارة الترحيب بقرار المحكمة الجنائية مع استعادة شكلية لديباجة أولوية القضية الفلسطينية الذي اعتبره أمين عام الجامعة أحمد ابو الغيط «انجازا مميزا في عهده» برضا الطرف الفلسطيني.

خطوات عربية

دون خطوات عربية على الأرض، تجسد أولوية الوقوف جانب الضحايا، وتسمح بإشاعة أجواء مريحة للتعبير عن الألم وتخفيف الحصار والمعاناة، ودون تجهيز ملفات عربية تساهم بإدانة الاحتلال أمام الجنائية الدولية، سيكون الإجماع العربي على أولوية القضية، عودة فعلية لسياسات الطعن المستمر بظهر الفلسطينيين، كما ظهر في الأعوام الماضية.

الإجابة تبقى لدى الطرف الفلسطيني في بيته وخيمته، وقراره في حماية مشروعه الوطني, على الأقل هذا ما يأمله الشارع الفلسطيني المنتظر عدالة دولية تنصفه، بحضور أولوية عربية تتآمر عليه وعلى أشقائه، وهو ما تراهن عليه إسرائيل للإفلات من العقاب بمساندة أمريكية وعربية تُبقي طريق العدالة وعرا لا يَبلغ الضحية نهايته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.