نبيل فهمي يكتب - كفانا كلاما (2) - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

نبيل فهمي يكتب – كفانا كلاما (2)

0 83

نبيل فهمي *- 31/5/2021

بعد القدس وغزة مسارات متعددة

حظي مقالي الأخير بنفس العنوان الرئيس بصدى واسع ومتنوع، يحمل في طياته دلالات سياسية مهمة. أصاب الكل في أن المقال عكس غضبة وامتعاضة من جانبي، وذهب البعض أن اقتراحاتي لم تكن بالقوة المطلوبة، داعين إلى مقاطعة إسرائيل وحلفائها على المستوى الدولي، بل وتجميد مشاركتنا كعرب في المؤسسات والساحات الدولية التي لا تتخذ مواقف واضحة ومحددة لوقف الجرم الإسرائيلي ومحاسبته، ولهم عذرهم، وأحترم منطقهم؛ لأن الجرم كان قاسياً في القدس، ومن بعد ذلك في غزة، علماً بأنني بادرت بالذكر أن المطروح مجرد خطوة أولى على طريق محاسبة المعتدي، بعد تكرار التجاوزات والسياسات الإسرائيلية الممنهجة  لتهويد القدس والتهجير القسري للفلسطينيين… ممارسات عرضت جذورها وتواصلها صحيفة “نيويورك تايمز”، وكذلك المجموعة الدولية للأزمات، وهي مؤسسات بعيدة كل البعد عن النفوذ العربي.

في حين رأى آخرون، وهم المحبطون وفاقدو الأمل في تحريك الموقف، أن اقتراحاتي ومطالباتي من العرب والمجتمع الدولي، وعلى رأسها الدول العظمى والولايات المتحدة، غير واقعية ومستحيلة المنال؛ لأنها ليست على استعداد، أو غير قادرة على اتخاذ مواقف مؤثرة في إطار المنظومة الدولية الحالية ومواءماتها والوضعية الخاصة لإسرائيل عالمياً ودولياً.

وفي الحقيقة، لم أفاجأ بتلك التعليقات، أو أستغرب تباين المواقف بينها، بل أشاركها بالفعل الشعور بالغضب والإحباط، وهو غضب ازداد مع فشلمجلس الأمن مرات في وقف إطلاق النار، وإنما أختلف مع من يرى أن الطلبات غير واقعية أو مبالغ فيها، لأنها تقع في إطار القانون الدولي والمواقف التقليدية للدول منذ زمن طويل، حتى في الولايات المتحدة ما قبل الرئيس دونالد ترمب، ومستمرة في الدول الغربية التي لا تزال تعتبر أن القدس أراضٍ محتلة، وأن الاعتداء على المدنيين محرم، واحترام الشعائر الدينية للآخرين واجب، وترفض الإفراط في استخدام القوة وتعرض المؤسسات المدنية والمستشفيات من جرائم الحرب. وأتمسك شخصياً بأن القانون هو السبيل الوحيد للدول المتوسطة للحفاظ على حقوقها، وأحذر أنه من بالغ الخطورة لنا وللنظام الدولي بأكمله التعايش مع مخالفات القانون الدولي والإنساني. كما أتمسك، بل أُلحّ في المطالبة باتخاذ قرارات محددة ومؤثرة لوقف الممارسات الإسرائيلية على حساب الفلسطينيين، وأرفض أن يعجزنا الإحباط عن التحرك، أو يدفعنا للسكوت عن الجرم المبرح ضد شعب تحت الاحتلال.

وبعد دمار واسع وقتل للمدنيين تجاوز المئتين في غزة، بينهم ستون طفلاً وأكثر من ثلاثين امرأة، وتدمير 13 مستشفى ومصحة، تم التوصل إلى وقف إطلاق النار المهم والضروري عبر حدود غزة، بناءً على جهد متوازٍ من مصر والولايات المتحدة، وهي خطوة أولى حميدة، وإنما ‏وقف إطلاق النار مع أهميته لن يظل مستقراً ومؤثراً في المدى الطويل إذا استمر الظلم قائماً والمعاناة منتشرة، ومخالفات القانون الدولي قائمة، والتجاوزات الإنسانية مستمرة، دون محاسبة الظالم ورفع المعاناة عن المظلوم، وهناك مؤشرات واضحة على أن إسرائيل تتوسع الآن في اعتقالاتها بالضفة الغربية لردع أهلها ومحاسباتهم على مواقفهم في المسجد الأقصى، ولتحذيرهم بأن أي حشد أو تظاهرات ستواجه بحسم وقوة.

وكان لافتاً للنظر رفض قطاع واسع من الرأي العام الدولي للممارسات الإسرائيلية غير الإنسانية، خاصة بين الشباب في الدول الغربية؛ فبينهم من يتعامل مع الواقع والحاضر، وله حس إنساني متنامٍ، وغير مقتنع بالدعوات الإسرائيلية بأنها دولة ضعيفة ومهددة من جيرانها.

لذا أقترح أن تتحرك السلطة الفلسطينية والدول العربية على مسارات متعددة بالتوازي، أحدها إنساني بالتعاون مع المجتمع المدني عربياً وفلسطيناً وإسرائيلياً ودولياً، لتأكيد رفض التجاوزات الإنسانية من جانب، ولمحاسبة المخالفين للقواعد الدولية لحقوق المواطن حتى تحت وطأة الاحتلال في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، على أن يكون هذا من خلال التالي:

1 – التحرك في مؤسسات الأمم المتحدة ومجالس حقوق الإنسان والمحاكم الدولية لضمان التزام إسرائيل بمسؤوليتها كدولة احتلال وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة ولوقف الممارسات غير الإنسانية مثل تهجير المواطنين وهدم منازلهم كما شاهدنا في القدس، واستهداف مناطق سكنية ومرافق الخدمة العامة المدنية في غزة، وتشكيل لجنة أو لجان دولية عالية المستوى لمتابعة تلك المخالفات.

2 – السعي في المحافل القانونية والإنسانية لمحاسبة إسرائيل على تجاوزاتها غير الإنسانية.

3 – إبراز ازدواجية المعايير والتمييز ضد مواطني إسرائيل من أصل عربي، الذي وصل إلى درجة جعلت مركز “كارنيغي” الأميركي يصفها بأنها ممارسات عنصرية توازي “الأبرتايد” في جنوب أفريقيا سابقاً.

4 – حشد الدعم المالي لرفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني في المخيمات أو نتيجة لهدم منازلهم قصداً في الضفة، وكذلك الدمار الذي شهده قطع غزة على أثر العمليات العسكرية الإسرائيلية الإجرامية الأخيرة، وهنا أود الترحيب بما أعلنته مصر من دعم على الرغم من كل ما تواجهه من ضغوط لإعادة البناء والتنمية المستدامة وطنياً.

وعلينا أيضاً تنشيط المسار السياسي والقانوني للقضية الفلسطينية لتحصين حقوق هذا الشعب البطل وقواعد وأسس حل النزاع، وأستخدم كلمة “تحصين” عن قصد، لأن تنامي التيار اليميني الإسرائيلي يجعل من احتمالات حل الدولتين في المستقبل المنظور شبه معدومة، بل وترجح احتمالات فرض واقع الدولة الواحدة واستمرار النزاع حول الحقوق والهوية، مما يفرض علينا تحصين الأسس والحقوق لظروف مستقبلية أفضل مع تغير التركيبة السياسية الإسرائيلية أو تزايد الضغوط الدولية التي تجعل إسرائيل تتبنى مواقف تسمح بحل الدولتين.

وأقترح التحرك في عدة اتجاهات محددة ودقيقة تتمثل في:

1- إصدار قرارات من مجلس الأمن والجمعية العامة للتأكيد أن الأراضي المحتلة في 5 يونيو (حزيران) 1967 بما في ذلك القدس الشرقية هي أرض محتلة.

2- تأكيداً للحق الفلسطيني أرى السعي لإصدار إعلانات من أكبر عدد من الدول بالاعتراف بحق الشعب في إقامة دولة سيادية ومتصلة وعاصمتها القدس الشرقية على أساس الأراضي التي احتلت في يونيو 1967.

3- تتقدم السلطة الفلسطينية بعد ذلك بطلبات للانضمام للمنظمات الدولية باعتبار فلسطين دولة تحت الاحتلال… ومرة أخرى كفانا كلاماً.

*وزير الخارجية المصري السابق .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.