نبيل فهمي يكتب - تعاون العالم العربي الجاد أفضل من التطابق غير الواقعي لمواقفه - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

نبيل فهمي يكتب – تعاون العالم العربي الجاد أفضل من التطابق غير الواقعي لمواقفه

0 62

نبيل فهمي * – 5/10/2020

بعدما أنشئت جامعة الدول العربية في النصف الأول من القرن الماضي، اتجه العالم العربي بمعدلات سريعة نحو الالتفاف حول مفهوم واحد جماعي للمصالح والمواقف العربية، وأفرط في استخدام تعبيرات مثل “تطابق المواقف” و”الإجماع  العربي”، وحتى في غياب ذلك، تعبيرات وتوجهات اصطدمت بحقيقة مختلفة، ألا وهي أنه مع توفر عناصر عدة توحّدنا تاريخياً وثقافياً، بل أيضاً سياسياً عندما يكون التهديد غير عربي، مثل تلك المتعلقة بحقوق العرب ضد المحتل الأجنبي، وبيّن أنه لم يكن هناك إجماع حقيقي ومستقر حول الكثير من القضايا والتفاصيل الأخرى، بخاصة في ما يتعلق بالمصالح أو الأولويات الوطنية، وظهر ذلك تارة بين الدول الملكية المحافظة والجمهوريات التقدمية، وتارة أخرى بين الجمهوريات والملكيات ذاتها.

وعلى الرغم من هذا الاختلاف الطبيعي، بالغنا في استخدام تعبيرات تعطي انطباعاً خاطئاً وغير منطقي بأن للعرب مواقف متطابقة على الدوام في كل شيء، حتى أفرغنا هذه التعبيرات من معناها في الساحة العربية، وفقدنا مع الزمن والتكرار المخل لوصف الحقيقة، الكثير من مصداقيتنا السياسية أمام شعوبنا، بعدما ارتفعت توقعاتهم بشكل غير واقعي.  ومن تداعيات هذه المبالغات أن عدداً من الدول الأجنبية بدأت تتريّث وتتلكأ في الدخول في علاقات استراتيجية مع الدول العربية أو الدفاع عن مواقفها، إلا إذا كانت هناك حاجة ملحّة ومباشرة تفرض عليها ذلك، مثل ضرورة الدعم العربي في التنافس الدولي بين التجمع الشرقي والغربي سابقاً، أو المتطلّبات المرتبطة بمصادر الطاقة أو التطلع إلى الأسواق والموارد العربية.

وليس إسرافاً القول إن تلك المبالغات كانت أخطاء جسيمة من عالمنا العربي أفقدتنا الكثير من المصداقية، دفعنا على إثرها ثمناً غالياً مع شعوبنا وأصدقائنا لاستيعاب التطلعات والإدارة الرشيدة للتوقعات، وثمناً باهظاً في كبح جماح أعدائنا والتطلعات غير المشروعة لدول الشرق أوسطية في الحقوق والمصالح العربية.

وفي الآونة الأخيرة، تنامت وتكررت الأسئلة التي تعكس القلق على الوضع العربي العام، بعضها في العلن، بدرجات متفاوتة من الصراحة، من ضمنها تصريح الزميل العزيز معالي صبري بو قادوم، وزير خارجية الجزائر، حينما تحدث عن “غياب النية والإرادة السياسية لإصلاح جامعة الدول العربية”. وهو تصريح صادم، على الرغم من أنه قد يكون صادقاً، علماً أنني واثق أنه إذا استرسل الوزير الجزائري كان سيطرح المزيد وسيتناول حالات عدة بشجن شديد عن الوضع العربي من زاوية مختلفة، كلها ترتبط بأن  “التطابق أو حتى التوافق” غائب في المواقف، بل يفتقر في الكثير من الأحيان حتى إلى التعاون العربي في عدد كبير من القضايا المهمة على الرغم من التحديات الجسيمة التي نتعرّض لها.

ولاعتبارات عدة، كانت ‏الريادة الفكرية العربية خلال القرن الماضي لدول الشمال العربي في شمال أفريقيا وفي شمال المشرق، وخرجت من ربوعها معظم التيارات السياسية والتوجهات الاجتماعية، وكان لدول الشمال مركز الريادة العربية، ودلالاته المختلفة، ومنها اختيار القاهرة مقراً لجامعة الدول العربية عندما أنشئت وكانت أول منظمة إقليمية ‏عام 1945، وكذلك أن الثقل الرئيس لرسالة القومية العربية ووحدة العالم العربي، صدرت أيضاً من شمال العالم العربي،

وإنما مع ايجابيات رسالة القومية العربية، فقدت الكثير من مصداقيتها لفرضها التوافق الكامل أو الصدام بين الدول العربية ذاتها وتركيزها على التصدي للأخطار الحقيقية والوهمية، بدلاً من العمل بالتوازي على التصدي والتطوير والتوافق الحقيقي عوضاً عن التوافق والتطابق الخيالي، وهي أفكار باتت تدريجاً تفقد رونقها وجاذبيتها، مع اختلاف وتنوع القضايا والأولويات بين منطقة وأخرى، وبين الدول العربية الأقدم والأخرى الأكثر حداثة بعد ‏استقلالها، ‏فضلاً عن تباين الأولويات داخل الدولة الواحدة بين الأجيال مع تنامي نسبة الشباب وتطلعهم نحو المستقبل.

ومع تنوع وتعدد تحديات القرن الماضي ووجود خلافات عربية في الماضي، سارعت بعض الدول العربية إلى تشكيل مجموعات ومؤسسات وطنية ‍ودون الإقليمية، وهو تطور ليس بالضرورة مضراً، لأن الغرض منه تفعيل التعاون ‏في ما بين دول متماثلة في الخصائص والأولويات. كما أنه أمر منطقي في ضوء عدم تطور المفهوم العربي وعدم فاعلية العمل المشترك في التعامل مع القضايا العاجلة. ومن تلك المؤسسات، مجلس التعاون الخليجي الذي تطور كثيراً قبل التعثر الأخير، وعلى مستويات أضعف، كان هناك مجلس التعاون العربي والاتحاد المغاربي.

ومع بدء عملية السلام العربية الإسرائيلية، بخاصة بعد مؤتمر مدريد للسلام في أوائل التسعينيات، شهدنا تنامياً في التيار الداعي إلى تحويل الحديث عن العالم العربي وآخرين إلى حديث عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التسمية التي استخدمت في توصيف الجهود المعنية بمساعي التنمية الاقتصادية المستقبلية ‏المترتبة على السلام العربي الإسرائيلي، بما يتماشى مع توجّه تل أبيب، وانسجاماً كذلك مع التوجهات الإيرانية، التي لم تكن جزءًا من عملية السلام، بل كانت معارضة لها.

وفي ذلك وجدنا تلامساً غير مقصود بين تفتيت عربي ‏ذاتي نتيجة للركود السياسي والفكري، نحن مسؤولون عنه في المقام الأول، ودعوات ومحاولات أطراف غير عربية في الشرق الأوسط وغيرها للحدّ من التوافق العربي، لأنه من الأسهل التعامل مع الدول العربية بشكل فردي ‏مقارنة بالتعامل معها كلياً كمجموعة سياسية.

ومع تنامي الفجوة بين الخطاب والواقع العربيين وتدني المصداقية العربية، ظهرت منذ القرن الماضي دعوات إلى الانعزالية العربية والتركيز على الأولويات الوطنية أو ‏شبه الإقليمية. وهو تيار بدأ علانية في شمال الوطن العربي قبل الانتقال إلى المغرب والخليج، ويتنامى الآن بشكل متزايد في كثير من الدول العربية، بعضه بإجراءات وتصريحات علنية، وفي البعض الآخر بالاكتفاء بتكرار المواقف التقليدية الثابتة من دون العمل أو الاجتهاد حقاً لتحقيقها، وهي توجهات سطحية لا أتفق معها، لأن الأولوية للمصالح الوطنية المباشرة دائماً وسيظل الأمر كذلك، إنما من مصلحة  الدول العربية كافة الحفاظ على الكيان السياسي العربي، مع تطوير وتقويم الخطاب العربي وسياستنا، بحيث تكون أكثر واقعية واستجابة لطموحات الشعوب، من دون أن نسلب حقوق الآخرين في عالمنا العربي، أو نحمّل الأجيال المقبلة أخطاء الماضي والمواءمات المعاصرة الضاغطة. وفي اعتقادي، فإن من أهم سبل تحقيق ذلك الحفاظ على الهوية العربية وما يتوفر من نقاط التقاء بيننا، وهي كثيرة، من خلال المزيد من التعاون العربي وتجنّب ادعاء الكمال والتطابق غير المتوفر في جميع المواقف العربية.

*وزير الخارجية المصري السابق .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.