نبيل عمرو يكتب - حذاري... من الجبهة الثالثة - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

نبيل عمرو يكتب – حذاري… من الجبهة الثالثة

0 92

بقلم  نبيل عمرو *- 16/12/2020

في تجارب الحروب متكافئة القوى والقدرات او من فيها خلل ظاهر في الميزان لمصلحة طرف ضد آخر، تكرس مصطلح بليغ وواقعي وعميق الدلالة.. “القلاع تسقط من داخلها”، اما بتسلل الخصم الى داخلها واما ببث اليأس في نفوس ساكنيها والمدافعين عنها فتصبح الاسوار المنيعة عديمة الجدوى وبدل ان تصد العدوان ترفع على اسوارها رايات بيضاء.

وفلسطين جبهة بلا اسوار حجرية ولا بوابات فولاذية، ومنذ ابتلائها بالاحتلال واسوارها لحم أهلها الحي وبواباتها الأقوى من الفولاذ عناد شعبها فيما يراه حقا ولو لم يكن الامر كذلك لأنهت عسكرية الخصم الأقوى واقتصاده الامتن وتحالفاته الأعظم حقيقة اسمها الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية.

قدر الفلسطينيين ان يواجهو ثلاث جبهات في وقت واحد وكل منها اقوى فعلا وتأثيرا في الواقع…

الجبهة الأولى هي الاحتلال وكل ما يتصل به، والجبهة الثانية الخذلان اما بالتواطؤ او العجز، والثالثة ما بداخل القلعة من تفكك وخمول عنوانه الأكثر تداولا في بلادنا هو الانقسام ومضمونه الأكثر تأثيرا سلبيا هو ما يفرزه هذا الفايروس البغيض من امتدادات وتأثيرات تصيب الحياة الوطنية من كل جوانبها السياسية والاقتصادية والنفسية والمعنوية.

الجبهة الثالثة المفتوحة في جسدنا وداخل بيتنا تغلغلت في نسيجنا الاجتماعي وها نحن نرى كيف تفتك بجسدنا الذي لم يعد فيه الا لحمه الحي، وهذه الجبهة هي الأخطر والافعل فلا تخيفنا الـ F35 قدر ما يخيفنا اشتباك ولو بالأيدي بين شقيقين احدهما يرتدي بزة قوات الامن والأخر يراه كمحتل او كدخيل على المكان.

ويخيفنا اكثر ان نرى بندقية يلوح بها مواطن حتى دون ان ينطلق منها رصاص لأن اشتعال السهل يبدأ دائما بشرارة.

الجبهة الثالثة التي تطل علينا تارة من مدينة وأخرى من قرية او مخيم فقد ثبت انها عصية على الحلول الموضعية او تعظيم حضور قوات الامن او التوسل من زعماء العشائر للتدخل، فذلك مثلما هو موضعي في المعالجة يظل موضوعيا في النتائج ومثلما هدأت الأمور في وقت ما وفي مكان ما فلا ضمانة من ان لا تنفجر في وقت آخر وفي مكان مختلف .

لقد اكتسب الفلسطينيون خبرة يعتد بها في مواجهة الجبهة الأولى وتحمل ثقلها ومنعها من تحقيق أهدافها مع انها أطول وأشرس جبهة واجهها الفلسطينيون وما يزالون “ولمن يرغب فليعد السنوات”.

كما اكتسب الفلسطينيون خبرة ربما تكون ابلغ وانضج مع الجبهة الثانية أي الخذلان الذي واجهوه ممن اقنعوهم بأن قضيتهم هي المركزية والاولوية وحتى المصيرية، غير ان الخذلان لم يكن مجرد عجز عن تنفيذ الالتزامات والوعود بقدر ما هو انتقال من موقع كان لنا الى موقع صار علينا فندفع ثمنه من رصيدنا المتبقي.

لقد استوعب الفلسطيني هاتين الجبهتين ودفع ثمنهما دما غزيرا وجهدا وعرقا ووجع قلب لا يهدأ الا انه تعايش مع ما دفع حتى صارت الجبهتان جزء من حياته ولم يصلا به حد رفع راية بيضاء.

غير ان الجبهة الثالثة التي يتنقل اذاها كانتقال كرة نار من مكان الى آخر ومن خلفية الى أخرى تظل هي الأخطر والأكثر تأثيرا في المصائر…

انها مصدر قلق يصيب كل مواطن وكل اسرة وكل شريحة اجتماعية، وبوسع أي شعب ان يواصل صموده مهما نزف من دم وعرق الا ان الشعب القلق على حاضره ومستقبله ينزف إرادة ولا يليق بمن يسعى لنيل حريته واستقلاله ان ينزف من ارادته فالقلق الجمعي هو افتك مرض يصيب شعبا ومجتمعا .

الخلاصة.. حتى الان نحن ما نزال في دائرة الحلول الموضعية ذات النتائج الموضعية ، قوات الامن وكان الله في عونها فليس بيدها الحل الناجع، ومناشدات زعماء العشائر واستفزاز خوفهم من تدمير السلم الأهلي لا يوفر حلا، وخمول الطبقة السياسية التي هي أصلا منقسمة على نفسها لن يؤدي الا الى استفحال التردي ومضاعفة النيران النائمة تحت الرماد، اذا لابد مما ليس منه بد ، أي ان بلدا يعد بالملايين وتنهش جسده عدوانات من كل نوع بما في ذلك الصحي، لابد وان يدار من خلال مؤسسات حديثة ومنتخبة وهذا ليس اختراعا او وصفة مستحيلة بل هو المصل الذي ما يزال معتمدا على مستوى البشرية كلها، ومن لديه حل آخر فليزودنا به مع الاخذ بالاعتبار ان ما نحن فيه واعني جولة ما بعد الانقسام تدخل العام الخامس عشر من التدهور والتردي دون حل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.