نبيل عمرو يكتب - حدث في الخليل - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

نبيل عمرو يكتب – حدث في الخليل

0 92

نبيل عمرو  15/12/2020

في آخر إغلاق قررته الحكومة الفلسطينية، ظهرت في الخليل حركة احتجاج واسعة تصدرها التجار وأرباب العمل، ودخل على فعالياتها عناصر وقوى سياسية وتخللتها مظاهر عنف، حيث جرى تبادل لإطلاق النار بين بعض المسلحين ورجال الأمن، ما حدا بالحكومة الفلسطينية إلى إرسال تعزيزات إضافية لاحتواء الموقف وإنجاح الإغلاق.

مدينة الخليل هي أكبر مدينة في الضفة وعاصمة أكبر المحافظات التي يوشك عدد سكانها بلوغ المليون نسمة. والخليل مدينة اقتصادية تجارية وصناعية، ولها إسهام رئيسي في حركة الاقتصاد الوطني بإجماله، كما أنها مختلفة عن سائر مدن الضفة بكونها مقسمة وفق الاتفاقات المبرمة مع إسرائيل إلى منطقتين اصطلح على تسمية الأولى H1 التي تضم معظم أحياء المدينة، وH2 التي تقع في محيط الحرم الإبراهيمي الشريف، ويتصرف الإسرائيليون بها كما لو أنها امتداد لمستوطنة كريات أربع المقامة على أراضي المدينة منذ احتلال عام 1967. ويعتبر الفلسطينيون المنطقة المسماة H2 بمثابة مسمار جحا، فهي قليلة العدد على صعيد المستوطنين وغزيرة الكثافة على الصعيد العسكري والأمني. وH2 هي الجزء التاريخي الأهم من المدينة القديمة، وهذه الخصائص التي تميز الخليل تجعلها بمثابة المدينة الثانية بعد القدس في أولويات السياسة الإسرائيلية، ولا تخفي الحكومات المتعاقبة سعيها لجعل منطقة H2 بمثابة حي يهودي يستثنى من أي انسحابات في أي حلول محتملة مع الفلسطينيين.

كذلك فإن المحافظة الأكبر من حيث المساحة وعدد السكان محاصرة من حولها ومن داخلها ببؤر استيطانية تبدو كبنية تحتية دائمة لوجود عسكري وأمني ما يجعل المحافظة المترامية الأطراف تحت سيطرة محكمة يشعر بها الفلسطينيون، كما لو أن تجمعاتها في القرى والخرب مجرد معتقلات جماعية محاصرة بأطواق من كل الاتجاهات.

من جهة أخرى، فإن مدينة الخليل خضعت كسائر المدن الفلسطينية إلى فرز سياسي وعقائدي فرض نفسه على جميع مكونات المجتمع، ففيها نفوذ واضح لـ«حماس» يوازيه نفوذ مؤثر لحزب التحرير الإسلامي، ولهذين الفصيلين الدينيين أتباع كُثر، وفي مقابل ذلك تقف «حركة فتح» صاحبة النفوذ الأوسع على مستوى القوى الوطنية إلا أنها في آخر انتخابات تشريعية تعادلت مع «حماس» في التصويت المزدوج على مستوى القائمة وخسرت كل المقاعد على مستوى الدائرة، ما أثبت أن الحركة الإسلامية تتفوق على «فتح» بدقة التنظيم والانضباط ما يؤهلها لكسب الانتخابات اعتماداً على الفراغات التي تنتجها غالباً صراعات «فتح» وقلة انضباطها.

الظاهرة الأكثر لفتاً للنظر هي أن الفرز السياسي والعقائدي تغلغل في النسق العشائري الذي تميزت الخليل بقوة حضوره وتأثيره في الحياة العامة، فانقسمت العشيرة وحتى على مستوى الأسر الصغيرة إلى ولاءات متعددة وحتى متصارعة، وفقد الانضباط العشائري التقليدي سطوته على الأبناء الذين يعمل كل موالٍ لتنظيم سياسي أو عقائدي على جر قدر ما يستطيع من عشيرته لموالاة تنظيمه إما كأعضاء ملتزمين أو كمصوتين في أي انتخابات تتم على أي مستوى، وما يحدث في الخليل يحدث مثله ولكن بظهور أقل نسبياً في باقي المدن والمحافظات والمخيمات.

واقع كهذا لا مناص من أن يسحب تأثيره على الحكومة التي تصر «فتح» على اعتبارها احتكاراً باسمها. ولقد أثبتت الوقائع أن قرار «فتح» بهذا الاتجاه لم يحمل أي قدر من المزايا، بل جاء مليئاً بالثغرات والإشكالات، إذ لا ترى قطاعات من المواطنين أن الحكومة حكومتهم، ولأن قوى سياسية نافذة لا تزال خارج الحكومة فبوسعنا توقع أن هذه القوى لن تتوانى عن التشكيك في قراراتها وغالباً التحريض عليها. فماذا ينتج هذا الواقع؟

ما نراه منذ شكلت «فتح» آخر حكومة باسمها وبرئاسة عضو لجنتها المركزية الدكتور محمد أشتية، أن الوضع الداخلي الفلسطيني بإجماله تدهور بصورة ملحوظة، بل إنه عانى ولا يزال من سلسلة أزمات تخبو تارة وتنفجر تارة أخرى، أزمات لكل واحدة منها عنوان مختلف إلا أنها جميعاً نتاج احتقانات في مجالات شتى.

إن تصارع الأجندات السياسية والعقائدية في مجال ضيق واستمرار استقطابات الانقسام وبفعل الحضور القوي للاحتلال في الحياة الفلسطينية، فإن معاناة الفلسطينيين لا بد أن تتضاعف ليس من عصف السياسة التقليدية التي تسير في غير صالحهم على الصعيدين الإقليمي والدولي، وإنما أيضاً بفعل الوضع الداخلي المتأزم الذي لا يزال بلا معالجة.

إن ما حدث في الخليل مجرد إشارة إنذار تدعو وبإلحاح إلى تدارك ما يخبئه هذا الوضع الصعب من احتمالات خطرة على الوضع الفلسطيني من كل جوانبه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.