ترجمات أجنبية

الصين تسعى لتحقيق الفوز في المنافسة على بيانات وتكنولوجيا الشرق الأوسط

ناشونال إنتريست

ناشونال إنتريست ١٤-٤-٢٠٢٢م – بقلم محمد سليمان، 

في ظل التنافس القوي على الهيمنة والتواجد في مختلف المجالات بين الولايات المتحدة والصين في العديد من مناطق العالم، ومن بينها منطقة الشرق الأوسط، تحقق بكين تقدما كبيرا في سباق نقل البيانات والتكنولوجيا والفضاء الإلكتروني، الأمر الذي يتطلب من الولايات المتحدة نهجا مختلفا لكي تعود للمنافسة القوية وتحقيق الفوز في نهاية المطاف.

 يتعين على واشنطن أن تدمج البيانات والفضاء الإلكتروني والتكنولوجيا في قلب سياستها الخارجية في الشرق الأوسط، حيث لا تعطي الولايات المتحدة في الوقت الحالي الأولوية للشرق الأوسط ليكون المسرح الرئيسي للاهتمام وتعيد تركيز بصمتها الاستراتيجية على مستوى العالم على الصين، التي تعتبر المنافس الرئيسي الصاعد لها.

وتعد إحدى الأدوات الصينية للتأثير الجغرافي- الاستراتيجي استخدام بكين للتكنولوجيا وسياسة الابتكار، مثل أجهزة شركة هواوي وتعليم التكنولوجيا في الجامعات الصينية. ويعتبر تأثير التكنولوجيا الجغرافية الصينية غير مسبوق فعليا ويهدف إلى وضع الصين كلاعب مهم في الجغرافيا السياسية العالمية بدون استخدام التوسع العسكري التقليدي. وبدلا من ذلك، تبني بكين مكانة جغرافية تكنولوجية عبر دبلوماسية “5 جي” (الجيل الخامس) والبنية التحتية التكنولوجية والتعليم.

هذه هي القوة الدافعة لحملة واشنطن ضد شركتي “هواوي” و”زد تي اي” وتعطيل صناعة أشباه الموصلات الصينية. وفي الشرق الأوسط، يقوم شركاء الولايات المتحدة بتعزيز تعاونهم التكنولوجي مع الصين. وفي ظل هذه الظروف، لا يقعون بالضرورة في شرك بكين التكنولوجي والإلكتروني. ولكن هناك شكوكا متنامية في التكنولوجيا الأمريكية وعدم ثقة في واشنطن كضامن أمني يضغط على هذه الدول لانتهاج سياسات قائمة على السيادة الإلكترونية.

وتركز هذه السياسات الجديدة على بناء قدارتها الداخلية الإلكترونية والتكنولوجية بشكل مستقل عن واشنطن، وهو اتجاه يشكل تهديدات لمصالح الأمن القومي الأمريكية. وسيتم رسم خطوط جغرافية سياسية جديدة حول شبكات التكنولوجيا وتدفق المعلومات، في حين كان يتم رسمها بشكل جغرافي في الماضي. ونتيجة لذلك، ينبغي على واشنطن أن تطور عقيدة إلكترونية وتكنولوجية تقدم معلومات لشراكاتها وتحالفاتها الإقليمية، وتعيد وضع الولايات المتحدة لتولي القيادة الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

وعلى مدى الأعوام العشرين الماضية، تحولت هواوي من مورد للبيانات منخفضة التكلفة وتكنولوجيا الاتصالات إلى شريك تكنولوجي متكامل للعديد من حلفاء الولايات المتحدة مثل مصر والمغرب ودول الخليج العربية. وبينما لم يؤثر التعدي التكنولوجي والإلكتروني الصيني على العلاقات الثنائية مع تلك الدول الحليفة حتى الآن، يتعين أن يثير هذا الاتجاه اهتمام صانعي السياسة في واشنطن لأنه سيقوض في النهاية التحالفات التي تم تشكيلها وبناؤها على مدة الأعوام السبعين الماضية. لحسن الحظ، لدى الولايات المتحدة نقطة انطلاق لإثناء شركائها الإقليميين عن الاندماج بشكل متكامل مع شركات التكنولوجيا الصينية.

وفي أوروبا، اتبعت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب استراتيجية هجومية لإثناء حلفائها الغربيين عن السماح لهواوي ببناء شبكات الجيل الخامس في أوروبا. وفي عام 2020، أطلقت واشنطن مبادرة الشبكة النظيفة، حيث أكدت العديد من الدول الأوروبية التزامها بحظر هواوي.

وبالإضافة إلى ذلك، تمتلك واشنطن خيارات أخرى في السياسات لإثناء الحلفاء عن التكامل مع شبكات الجيل الخامس التي تبنيها الصين. ويتعين على الولايات المتحدة ربط دعمها العسكري ومشاركة المعلومات الاستخباراتية والمساعدات التنموية للدول الحليفة باستبعاد هواوي وغيرها من الشركات الصينية من بنيتها التحتية.

هناك اتجاها تم إغفاله في الشرق الأوسط وهو ظهور سيادة البيانات. وللاستعداد لمستقبل ما بعد النفط، تعمل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر -أكبر ثلاثة اقتصادات في العالم العربي- بشدة لتنفيذ تحولات رقمية واسعة النطاق. ومن خلال القيام بذلك، تقوم هذه الدول بشكل فعال بجذب شركات التكنولوجيا متعددة الجنسيات وتطوير مدن ذكية بتكنولوجيا متقدمة، والاستثمار في رأس المال البشري.

ومع ذلك، انضمت الحكومات الثلاث أيضا إلى اتجاه عالمي متزايد لإضفاء الطابع المحلي على البيانات الشخصية لمواطنيها. وبينما تطبق المنطقة تشريعا جديدا يتناول التعامل مع بيانات المستهلك، يبدو أن حكومات الشرق الأوسط تتجنب الأسلوب الأمريكي الخاص بخصوصية البيانات لصالح نموذج النظام الأوروبي العام لحماية البيانات.

وفي شباط/فبراير 2020، تبنت مصر قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 والذي يقيد نقل البيانات الشخصية إلى أشخاص خارج مصر إلا بموافقة مركز حماية البيانات المصري. ونفذت الإمارات أيضا قانون حماية البيانات الشخصية، وهو قانون بيانات وطني على غرار النظام الأوروبي العام لحماية البيانات. وبالمثل، بدأت السعودية في عام 2022 في تطبيق المبادئ الأساسية لقانونها الخاص بحماية البيانات الشخصية، الذي سيتم تنفيذه بشكل كامل في عام 2023.

صياغة أسلوب اتحادي واضح وسهل التنفيذ لنقل البيانات أمر مهم للغاية لانخراط واشنطن مع شركائها في المنطقة. إن هدف انخراط الحكومة الأمريكية هو تأسيس إطار متعدد الأطراف لنقل البيانات مع الشركاء والحلفاء في الشرق الأوسط. ويمكن أن يكون اتفاق نقل البيانات عبر المحيط الأطلسي الموقع أخيرا بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نموذجا للعلاقات الإلكترونية مع شركائها في الشرق الأوسط، خاصة الدول التي تبنت نموذج سيادة البيانات، مثل السعودية والإمارات ومصر.

ببساطة، لكي تتمكن واشنطن من مواجهة الهيمنة التكنولوجية الصينية، يتعين عليها إبقاء أكبر عدد من حلفائها خارج شبكات الصين التكنولوجية قدر الإمكان، إلى أن تتمكن الولايات المتحدة من تطوير الإطار اللازم والحوافز والتأثير والسلطة لتولي القيادة لتطوير شبكات الجيل السادس وثورة المعلومات المقبلة. كما تحتاج واشنطن إلى إعادة تقييم علاقاتها الثنائية مع حلفائها وشركائها في الشرق الأوسط للتركيز على عمليات نقل البيانات مثل اتفاق نقل البيانات الأمريكي-الأوروبي.

تركيز البيانات والتكنولوجيا في إطار العلاقات الأمريكية الثنائية في المنطقة سيلبي الاحتياجات الاستراتيجية الأمريكية على الرغم من العجز التكنولوجي في خدمتها الخارجية. ومع ذلك، يتعين على الخدمة الخارجية تطوير قدرات لفهم الخريطة العالمية للجغرافيا التكنولوجية، وفي نهاية الأمر، أولويات صانعي السياسات الإقليميين، خاصة في عصر التنافس بين الدول الكبرى على القوة.

* محمد سليمان، مستشار الاستراتيجية العالمية والباحث غير المقيم بمعهد الشرق الأوسط،

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى