أقلام وأراء

ناجي صادق شراب – متى وكيف تنتهي الحرب؟

د. ناجي صادق شراب ٨-٤-٢٠٢٢م

مع قرار الحرب يبدأ قرار متى تنتهى؟ فلا توجد حربٌ دائمة، فتكلفة الحروب تفوق قدرات الدول حتى لو كانت عظمى، عكس خيار السلام الدائم، فالحرب تعني الدمار والقتل والفناء وهدر الأموال على عكس السلام. ورغم أن الحرب خيارٌ مدان وفاشل تلجأ إليه الدول لتحقيق أهدافها ومصالحها، فإن أهداف الحرب ودوافعها تتفاوت من حالة لأخرى، فقد يكون الدافع شخصياً يرتبط بالمكونات الشخصية السيكولوجية للحاكم نفسه أو بالسلوك السياسي القومى للدولة. ووقف الحرب مرتبط بتحقيق أهدافها السياسية أو الاقتراب منها.

ولذا يقال إن الحرب امتداد للسياسة أي بقدرتها على تحقيق الأهداف السياسية التي فشلت في تحقيقها بالمفاوضات والحوار. والحرب القادرة على تحقيق الأهداف السياسية تعني الاستسلام الكامل لأحد طرفيها، كما في نموذجي الحربين الكونيتين الأولى والثانية. وقد تكون الحرب الثانية أكثر وضوحاً من الأولى برمزها لما عرف بمحاكم نورمبيرج ومحاكمة قادة الحرب على عكس الحرب الأولى التي لم تكن واضحة في نتائجها ولم تسقط فيها برلين. فالحكومة التي تسببت في الحرب تم حلها وتم نفي القيصر ويلهلم. وكانت نتيجة الحرب وشروطها القاسية سبباً في ظهور هتلر وسبباً في اندلاع الحرب الثانية.

وتبقى مقولة شيشرون رجل القانون اليوناني تصلح في كل حالات الحرب:«إن السلام غير العادل أفضل من الحرب العادلة». هذه المقولة تضع الحرب في أوكرانيا على المحك، فمهما تكن مبررات الحرب يبقَ وقفها هو الغاية والهدف النهائي أياً كانت نتيجة السلام. فالدمار الذي جلبته الحرب حتى الآن والذي يقترب من التريليون دولار، وقتلى تزداد أعدادهم كل ساعة مع ملايين اللاجئين يفرض البحث عن السيناريو الذي يمكن أن يوقف هذه الحرب. وقرار الحرب قد يكون بيد الرئيس بوتين المدفوع باستعادة دور روسيا كقوة عظمى، ورفض النظام الدولي الأحادي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والعمل من أجل نظام دولي متعدد القطبية.

هذه هي الأهداف السياسية البعيدة المدى للحرب والتي تفوق الأهداف المعلنة في حياد أوكرانيا ونزع سلاحها. فأهداف الحرب السياسية البعيدة لا تبدو في الأفق أو في متناول اليد، فليس سهلاً أن تعلن الولايات المتحدة قبولها بهذه التعددية وإن اعترفت بأن هناك تغيرات في بنية القوة الدولية. فما زال فارق النفقات العسكرية كبيراً بين الولايات المتحدة وروسيا في إنفاقهما العسكري، بل إن هذه الحرب قد تدفع بالولايات المتحدة أن تزيد من نفقاتها العسكرية حفاظاً على هيمنتها على قمة النظام الدولي.

ومن ناحية أخرى، فإن هذه الحرب قد وحدت بين ضفتي الأطلسي دفاعاً عن القيم الغربية. وزيارة الرئيس الأمريكي بايدن الأخيرة إلى أوروبا ولقائه مع قادتها هي تأكيد على التوحد. ومن ناحية ثالثة ليس في صالح روسيا أن تتحول هذه الحرب لاستنزاف مواردها الاقتصادية، فلا يمكن التقليل من نتائج وتداعيات العقوبات الاقتصادية عليها، فخيارها العسكري مكلف ومع العقوبات ستزيد تكلفتها. وفي الوقت ذاته لا تستطيع أوكرانيا وقف الحرب بمفردها ووقف التقدم الروسي، لأن هذا القرار ليس بيدها وحدها في ضوء مشاركة الولايات المتحدة وأوروبا في الحرب بتقديم كافة المساعدات العسكرية لها وتحريضها على المضي في المقاومة، ما يعنى إطالة أمد الحرب ورفع تكلفتها على روسيا. وهناك استبعاد لاستسلام أوكرانيا وتغيير نظام الحكم فيها، وأيضاً استبعاد نموذج أفغانستان باستمرار الحرب وتحويلها إلى مستنقع للقوات الروسية، فمن شأن هذا السيناريو أن يضعف مبررات الحرب ويسقطها وقد تكون له نتائج عكسية على مستقبل حكم بوتين وقد يخلق معارضة داخلية، وهو ما تسعى إليه الولايات المتحدة لأن روسيا تدرك هذا الهدف، وكذلك استبعاد سيناريو مشاركة الولايات المتحدة ودول حلف الناتو مباشرة في الحرب مباشرة في الحرب لأن ذلك قد يقرب الجميع من الحرب الكونية الثالثة النووية والتي لا بقاء فيها لأحد.

ويبقى أخيراً السيناريو الأكثر واقعية وقبولاً وهو سيناريو وقف الحرب بالتفاوض وبتحقيق بعض الأهداف السياسية لكل طرف، وخصوصاً روسيا الطرف الذي بدأ الحرب بأهداف معروفة ومعلنة، ونجاح هذا السيناريو يتوقف على مدى الاستعداد في تقديم التنازلات. وفي النهاية فإن المفاوضات تفرض نتيجتها وقائع الحرب القائمة التي حتى الآن لا منتصر فيها ولا مهزوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى