مَن ضيّع ليبيا ؟على الولايات المتحدة أن تقلق اليوم بشأن سورية - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

مَن ضيّع ليبيا ؟على الولايات المتحدة أن تقلق اليوم بشأن سورية

0 116


كتب
: Alan Philps – The National

قسم الترجمة *  الجريدة *  17/9/2012

 لم تحظَ السياسة الخارجية باهتمام كبير خلال الحملة الانتخابية الأميركية حتى اليوم، فعندما أدلى منافس أوباما الجمهوري، ميت رومني، بخطاب قبوله ترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة الأميركية الشهر الماضي، لم يكد يأتي على ذكر السياسة الخارجية.

مَن ضيّع الربيع العربي؟ عقب مقتل السفير الأميركي كريستوفر ريفز والدبلوماسيين الأميركيين الثلاثة في ليبيا، سيتحوّل أداء الرئيس باراك أوباما خلال الانتفاضات في العالم العربي إلى مسألة سياسية شائكة لا محالة.

لم تحظَ السياسة الخارجية باهتمام كبير خلال الحملة الانتخابية الأميركية حتى اليوم، فعندما أدلى منافس أوباما الجمهوري، ميت رومني، بخطاب قبوله ترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة الأميركية الشهر الماضي، لم يكد يأتي على ذكر السياسة الخارجية. فقد بدا رومني كما لو أنه سلّم جدلاً بأن الرئيس الحالي يقدّم أداء ممتازاً في مجالات يحقق فيها الجمهوريون عادة إنجازات تنال رضا الناخبين.

لكن رومني سارع إلى الهجوم ما إن اجتاحت الجماهير، التي تتظاهر ضد شريط فيديو مناهض للإسلام أُنتج في كاليفورنيا، مجمّع السفارة الأميركية في القاهرة، وتابع هجومه هذا بعد أن وصلت أخبار عن مقتل عدد من العاملين في القنصلية الأميركية في مدينة بنغازي شرق ليبيا، حيث كان يقيم السفير الأميركي، فاتهم رومني أوباما “بالاعتذار نيابة عن الولايات المتحدة”. ولم يتردد مساعدوه في لوم الرئيس على “ضعفه”.

سارع الليبراليون الأميركيون إلى تصوير رومني على أنه سياسي غير مؤهل للاضطلاع بمهام الرئيس، قائلين إنه أساء معالجة هذا الوضع لأنه بدّى المصالح الحزبية على المصلحة الوطنية، حتى إن بول راين، الذي يترشح إلى جانب رومني، رفض أن يحذو حذوه.

لكن الأوان قد فات اليوم، وتحوّلت الثورات العربية إلى مسألة تعني الحزبين المتنافسين في الولايات المتحدة، ولا شك أن وضع أوباما سيزداد سوءاً مع تراكم الأدلة على أن الهجوم على القنصلية في بنغازي ليس تظاهرة خرجت عن السيطرة، بل عملية خططت لها مجموعات جهادية واستخدمت خلالها قاذفات صواريخ وبنادق رشاشة.

لا عجب في انهيار التعاون بين الحزبين في الولايات المتحدة، ففي السياسة الأميركية، ما من عصفور صغير يسقط من السماء في مكان ما حول العالم من دون أن يتحمل أحد المسؤولية في واشنطن. وبما أن في الولايات المتحدة مَن يتحمل اللوم، إذن ما من تطور خارجي يستحق الانتباه.

بان هذا الوضع جلياً حين سقطت الصين في قبضة الشيوعيين عام 1949 بعد سنوات من الحرب الأهلية؛ لذلك تحوّل السؤال “مَن ضيّع الصين؟” إلى قضية سياسية ملحة خلال خمسينيات القرن الماضي وما بعدها. أُلقي جزء من اللوم على الرئيس هاري ترومان، إلا أن الجزء الأكبر وقع على كاهل الجنرال جورج مارشال، أحد مهندسي انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية الذي أصبح لاحقاً وزير خارجية وأطلق خطة مارشال للنهوض بأوروبا، خطة نال عنها جائزة نوبل للسلام.

لم يأبه أحد لواقع أن ماو تسي تونغ كان أكثر قسوةً وتنظيماً من الوطنيين غير المنظمين، الذين دعمتهم الولايات المتحدة. كان من الضروري أن يتحمل أحد اللوم في الولايات المتحدة على ما اعتُبر آنذاك الإخفاق الدبلوماسي الأميركي الأعظم في القرن العشرين.

لكن التُّهم الموجهة إلى الرئيس الحالي اليوم واهية، فخلال حديث مع موقع Foreign Policy الإلكتروني، اتّهم ريتش وليامسون، مستشارة بارز لرومني، الرئيس بأنه لم يقدّم قيادة فاعلة للعالم العربي. وذكر: “نشهد اليوم نمطاً يقلل من نفوذ الولايات المتحدة واحترامها وقدرتها على الترويج لمصالحها”.

يرتكز اتهام الرئيس بالضعف على وهم أن ما وضعه جورج بوش الابن وعُرف بـ”أجندة الحرية” كان سيؤدي إلى تغييرات سلمية، لا ثورات، لكن بوش، الذي راح يتخبط في العراق وأفغانستان، تخلى فعلياً عن فكرة إحداث تغيير ديمقراطي في مصر وتمسك بنظام مبارك، غير أن البعض قد يحاجّون، قائلين إن تدريب مجموعات المعارضة الشعبية المصرية، الذي مولته الولايات المتحدة خلال عهد بوش، لعب على الأرجح دوراً صغيراً في تحفيز تلك الثورات التي يندد بها رومني اليوم.

لكن التفاصيل غير مهمة على الأرجح، فلن يعلق في ذهن الناخبين إلا أن ستيفنز أول سفير أميركي قُتل منذ عهد جيمي كارتر، الذي هوجم وأُذل بسبب الثورة الإيرانية، أما الرسالة التي تتناقلها محطات التلفزة راهناً، فهي أن ذلك الربيع الذي انتمى خلاله العرب إلى جيل فيسبوك قد انتهى. فقد عادوا اليوم إلى تلك الأحكام المسبقة بحق هذا الشعب الذي صوّروه خلال سبعينيات القرن الماضي كعصابات تطلق النار عشوائياً من بنادق كلاشنكوف، ولا شك أن هذا لا يشكّل أمراً إيجابياً بالنسبة إلى الولايات المتحدة في أذهان العامة.

لا نحاول تبرئة أوباما من أي لوم، فكانت خطوة متهورة بالتأكيد ترك القنصلية في بنغازي تحت حماية ستة حراس ليبيين من السهل التشكيك في ولائهم، ففي الشهر الماضي، حضّت وزارة الخارجية الأميركية مواطنيها على تفادي السفر إلى ليبيا ما لم يكن ذلك ضرورياً، واصفةً هذا البلد كمكان يسوده العنف السياسي والمعارك بين الميليشيات، ولكن يبدو أن وزارة الخارجية أخفقت في العمل بنصيحتها الخاصة.

وما يزيد الطين بلة أن الولايات المتحدة شاركت فرنسا وبريطانيا في التخطيط لتغيير النظام في ليبيا من دون التفكير في المستقبل. فقد قدّمت ليبيا الكثير من المجاهدين للحرب في أفغانستان، منهم الرجل الثاني في تنظيم القاعدة بعد موت أسامة بن لادن، أبو يحيى الليبي، الذي قتلته طائرة أميركية بدون طيار في شهر يونيو.

تأكد موت أبو يحيى الليبي في شريط فيديو لتنظيم القاعدة نُشر في الذكرى الحادية عشرة لاعتداءات الحادي عشر من سبتمبر. وربما شكّل هذا الفيديو إشارة إلى رفاق السلاح القدماء من المجاهدين لمهاجمة القنصلية، إذ يكنّ الأعضاء السابقون لجماعة القتال الإسلامية الليبية الكثير من الحقد للولايات المتحدة وبريطانيا، اللتين تآمرتا لتسليم مشتبه فيهم ألقي القبض عليهم إلى سجون القذافي، حيث تعرضوا للتعذيب قبل الانتفاضة.

يشكّل المجاهدون أقلية في ليبيا، ففي انتخابات شهر يوليو، حققت الأحزاب العلمانية الانتصار بفارق بسيط، ومهما افتعل المجاهدون المشاكل، فلن يستلموا الحكم، مع أن الحكومة، التي تعاني الفوضى اليوم، ستحتاج إلى سنوات، كما يتضح، لتفرض مشيئتها عليهم.

سيُضطر أوباما إلى الإجابة عن أسئلة كثيرة بشأن سماحه باقتحام القنصلية، ولكن إن اتُّهم بأنه سارع إلى تغيير النظام في ليبيا من دون معرفة ما سيحل محله في المستقبل، يجب ألا يكون الوحيد الملوم، فقد اقترف بوش الخطأ ذاته في العراق، علماً أن هذه كانت حرباً اختيارية خُطط لها طويلاً.

ستتمكن ليبيا من ترتيب شؤونها بمرور الوقت، لكن المسألة الأهم تبقى: ماذا لو نجحت العناصر الجهادية في المعارضة خلال الحرب الأهلية الطويلة في سورية في البروز والاستيلاء على الحكم في دمشق؟ مَن سيكون قد ضيّع سورية في هذه الحالة؟ سيكون هذا عندئذٍ السؤال الأهم، وسيرغب كل العالم في معرفة الجواب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.