ترجمات أجنبية

ميدل إيست آي: هكذا تُحصّن إسرائيل نفسها من المحاسبة الدولية

ميدل إيست آي 2022-06-27، بقلم: جدعون ليفي

من حاييم هيرتسوغ في العام 1975 إلى جلعاد إردان في العام الماضي لم يدخر المسؤولون الإسرائيليون جهداً في اتخاذ ما يتسنى لهم من خطوات دراماتيكية لتجنب المحاسبة على ما ترتكبه الدولة من جرائم.

في العاشر من تشرين الثاني من العام 1975، وقف الراحل حاييم هيرتسوغ، الذي كان حينها سفيراً لإسرائيل في الأمم المتحدة، وهو والد الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هيرتسوغ، على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة ومزق بشكل دراماتيكي نص القرار 3379 الذي كانت الجمعية قد تبنته لتوها في ذلك اليوم. وأعلن قرار 3379 أن “الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري”، الأمر الذي أصاب إسرائيل بالصدمة، فما كان من مجلس مدينة حيفا مباشرة إلا أن غير اسم أحد الشوارع في حيفا، وكان قد أطلق عليه اسم شارع الأمم المتحدة تكريماً للمنظمة الدولية، ليصبح اسمه “شارع الصهيونية”.

وأي سخرية من سخريات القدر تلك أن يكون الشارع الذي أطلق عليه من قبل اسم الأمم المتحدة امتناناً لها على إعلان تأييدها في العام 1947 لإقامة إسرائيل كدولة قد أعيدت تسميته بعد ثلاثة عقود بسبب قرار مختلف اتخذته نفس المنظمة. حينذاك تحول حاييم هيرتسوغ بين عشية وضحاها إلى بطل عظيم في إسرائيل، وكانت تلك ذروة ما وصل إليه في حياته المهنية.

لقد رأت إسرائيل في حركته الاستعراضية رداً مناسباً على ما اعتبره البلد إجراءً عالمياً مناهضاً للسامية. وحينذاك لم يبق إسرائيلي، بما في ذلك أنا في صغري، إلا واعتنق ذلك الرأي، مقارنة الصهيونية بالعنصرية. لا يمكن إلا أن يكون ذلك من باب المعاداة للسامية.

ومرت السنون، وتراجعت الأمم المتحدة عن قرارها في كانون الأول من العام 1991، ولكن بعد مرور بضعة عقود أخرى على ذلك بدا كل شيء مختلفاً تارة أخرى، حيث لم تعد الصهيونية، والتي تتعلق، اليوم، بشكل أساسي بالحفاظ على التفوق العرقي اليهودي في بلد يعيش فيه شعبان اثنان، تبدو بعيدة جداً عما ورد من توصيف لها في قرار الأمم المتحدة الأصلي.

وعلى المنوال ذاته، تبدو الحركة التي صدرت عن هيرتسوغ الأب من على منصة الأمم المتحدة حينذاك، أي تمزيق صفحات القرار الصادر عن المنظمة الدولية والذي قبلت به أغلبية بلدان العالم واعتبرته مشروعاً، أبعد ما تكون عن اللياقة، اليوم، تماماً كما كان عليه الحال في ذلك الوقت.

انتهاكات حقوق الإنسان
إن الذي لم يتغير منذ تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة للقرار 3379 في العام 1975 هو سلوك إسرائيل تجاه المنظمة الدولية وتجاه القانون الدولي، فبعد ما يقرب من مرور نصف قرن على تلك الحادثة نجد السفير الإسرائيلي الحالي لدى الأمم المتحدة، جلعاد إردان، يقوم بعمل مشابه.

وفي التاسع والعشرين من تشرين الأول من العام 2021 وقف على المنصة ذاتها ليمزق آخر تقرير سنوي صادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

هذه المرة، ساد الانطباع بأن ما بدر منه كان شنيعاً ومزعجاً، ليحظى فعله بقدر أقل بكثير من الاحترام، إلا أن إردان أيضاً اقترح أن المكان الذي يستحقه التقرير عن جدارة هو “سلة مهملات معاداة السامية”. وكون إسرائيل ليست وحيدة في انتهاكاتها لحقوق الإنسان، على غرار بلدان أخرى تتصرف مثلها دون أن ينالها إلا نزر يسير من التنديد الدولي، فقد اعتبر الأمر كافياً لتبرير رفض إسرائيل التام الرد على التهم التي وجهت إليها.

ومثلها في ذلك مثل سائق يقبض عليه وهو يقود سيارته بتهور شديد وسرعة عالية، ثم يحاول الإفلات من العواقب القانونية لفعله بزعم أن كل السائقين الآخرين يقودون سياراتهم بنفس الأسلوب.

إنها ذريعة باطلة لا تجدي نفعاً حينما تستخدم في حالة المخالفات المرورية، وينبغي أن تكون كذلك بالضبط عندما تشهر في وجه مؤسسات المجتمع الدولي. وبناء على ذلك إليكم الحكاية باختصار شديد: لدينا بلد تأسس بفضل نفوذ الأمم المتحدة وبقرار من المجتمع الدولي ولكنه يتصرف بشكل يقوض نفس تلك الكيانات الدولية بمجرد أن يصدر عنها أدنى نقد لسلوكه.

ولكم أن تلاحظوا كيف تتحدث وسائل الإعلام الإسرائيلية الطيعة عن أعضاء الهيئات الدولية المختلفة التي تناط بها مهمة التحقيق في التصرفات الإسرائيلية. ولتأخذوا على سبيل المثال الأسلوب الذي صورت من خلاله شخصية نافي بيلاي، التي قضت ستة أعوام في منصب المفوض السامي الأممي لحقوق الإنسان وتترأس حالياً لجنة الأمم المتحدة المكلفة التحقيق في قصف إسرائيل للأبراج في غزة في أيار من العام 2021، حيث يرد في وصفها أنها “خاطئة” أو أنها “تكره إسرائيل” أو أنها “معادية للسامية”.

قتل الرسول
لم يتم الإعلان صراحة عن كل ما بذلته إسرائيل من جهود لتدمير سمعة ريتشارد غولدستون، الذي ترأس فريق الأمم المتحدة للتحقيق في حرب غزة في أواخر 2008 ومطلع 2009. ولا يعرف إلا القليل عن مساعيها لاستهداف فاتو بنسودة، المدعي العام السابق لدى المحكمة الجنائية الدولية، بعد أن استجمعت شجاعتها وحزمت أمرها على فتح تحقيق فيما تتهم بارتكابه إسرائيل من جرائم حرب. ويقال، إن إسرائيل تستخدم استراتيجية قديمة وفعالة، ألا وهي أنك إذا كنت لا تستطيع التعامل مع الرسالة فما عليك إلا أن تقتل الرسول.

وفعلاً، فإنه بعد القرار الذي اتخذ بفتح التحقيق، استقالت بنسودة ولم يتم فعل شيء منذ ذلك الوقت. وحظر على أعضاء لجنة الأمم المتحدة التي تحقق في الحرب الأخيرة على غزة دخول إسرائيل، بينما ترفض الحكومة التعاون معهم في التحقيق الذي كلفوا بإجرائه.

ويوجد لدى إسرائيل الكثير مما تخفيه أو تتستر عليه، لكن حتى مثل هذه الحقيقة لم توفر الحافز الكافي لتوسيع نطاق التحقيقات. وهذا يناسب إسرائيل تماماً، فهذا هو إردان قد انتخب، مؤخراً، نائباً لرئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتشهد التحقيقات في سلوك إسرائيل مماطلة وتأجيلاً مريباً، ناهيك عن أن نأتي على ذكر شيء يتعلق بالعقوبات الدولية.
وما كان مقبولاً فقط قبل أسابيع في التعامل مع روسيا بعد غزوها لأوكرانيا لم يكن يوماً وارداً في الرد على احتلال آخر يشبهه إلى حد التطابق، بما قامت به إسرائيل منذ ما يقرب من نصف قرن، ولم يزل قائماً حتى اليوم. والنتيجة: لا يوجد من توجه إليه أصابع الاتهام، لا توجد مساءلة ولا محاسبة، لا يدفع أحد الثمن، ولا تنفذ عقوبة.

وهذا التسلسل والتتابع بأسره يفضي إلى وضع يتعذر استيعابه، حيث يوجد لدينا قوة احتلال ما زال احتلالها يعتبر عملاً غير مشروع من قبل المجتمع الدولي، وغدا احتلالها المؤقت، منذ وقت طويل، احتلالاً دائماً، وترتكب قواتها الأمنية بشكل دوري جرائم حرب داخل الأراضي المحتلة، حيث إن تلك هي الوسيلة الوحيدة للتغلب على المقاومة المشروعة ضد الاحتلال، ثم لا يتم التحقيق مع أحد، ولا توجه تهم لأحد، ولا يحاكم أو يعاقب أحد، لا البلد نفسه ولا أي من مواطنيه الذين يقومون بهذه الأفعال.

حصانة تلقائية

ولما كان النظام القضائي في إسرائيل يعفي، وبشكل منتظم، من المسؤولية كل من يقومون بارتكاب مثل هذه الجرائم، فإننا ننتهي إلى وضع تصبح فيه إسرائيل، حكومة وجيشاً وغير ذلك من المؤسسات فيها، متسلحة بحصانة تلقائية، وهي حصانة عمياء ومستمرة وشاملة تقريباً.

ويعلم الجنود الذين يخدمون في المناطق المحتلة علم اليقين أن كل ما يفعلونه تقريباً يعاملون على أساس أنه شيء مباح، بما في ذلك: إطلاق النار، والقتل، وسوء المعاملة، والإذلال. إنهم يعلمون أنهم لن يعاقبوا بتاتاً، لا من قبل إسرائيل ولا من قبل أي جهة أخرى.

ولذلك، فإنه ما من يوم يأتي إلا وترتكب فيه المزيد من جرائم القتل، وتتم فيه عمليات الاعتقال المسيسة بلا محاكمة، وتمارس فيه العقوبات الجماعية، ويتم فيه هدم البيوت ومصادرة الأراضي وإذلال الناس وتوسيع المستوطنات ونهب الموارد الطبيعية. ولا توجه أصابع الاتهام لأحد ولا يُحمل أحد المسؤولية، فيما عدا من يحاولون جاهدين تغيير هذا الوضع المنحرف، فإذا ما تم تحرير تقرير فإن إسرائيل تتجاهله ولا تقبل حتى بالاطلاع عليه، بل يقوم سفيرها بتمزيقه من على منصة أعرق المؤسسات الدولية، وإذا ما تجرأ أحد على فتح تحقيق، فإن إسرائيل سرعان ما تعمل على إخفائه.

وقد يتبنى العالم موقفاً متشدداً ضد إسرائيل بالكلام فقط لا غير، ولكنه سرعان ما يهب للدفاع عنها في مواجهة أي إجراء قد يضر بها. لا يوجد بلد آخر في العالم يتمتع بمثل ما تتمتع به إسرائيل من حصانة ضد المساءلة والمحاسبة. ولا يوجد بلد واحد يعامل كما لو كان معصوماً عن ارتكاب أي خطأ، على الرغم من استمرار الاحتلال وعلى الرغم من أن ارتكاب كل أنواع الجرائم، سواء ما يمكن تفاديه أو لا يمكن تفاديه، غدا جزءاً لا يتجزأ من هذا الوضع غير المشروع.

وهل أقرت إسرائيل أمام المجتمع الدولي حتى بفعل واحد من أفعالها التي لا يمكن الدفاع عنها أو تبريرها؟ وهل تجرأ المجتمع الدولي يوماً على اتخاذ خطوة حقيقية تم من خلالها تقديم الجناة إلى العدالة؟

لا توجد أدنى محاسبة على قائمة طويلة من الجرائم التي ترتكب في “المناطق”، التي ترزح تحت نير الاحتلال الإسرائيلي، فقط اسألوا إردان كيف يتم لهم ذلك، وسيقول لكم، إن كل ما تحتاجه من أجل الحفاظ على هذا الوضع هو أن تقف أمام منصة أعرق المؤسسات الدولية في العالم وتمزق الدليل على ما ترتكبه من مظالم.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى