ترجمات أجنبية

ميدل إيست آي : كيف استهدف المحافظون الجدد في بريطانيا المسلمين وغيروا سياسات الحكومة تجاههم؟

ميدل إيست آي * ٩-٥-٢٠٢٢م

* مقتطفات من كتاب جديد للصحافي البريطاني بيتر أوبورن

يحمل الكتاب عنوان “مصير إبراهيم: كيف أخطأ الغرب مع الإسلام؟” وقال إنه  توقع بعد كارثة غزو العراق عام 2003 أن يتم نزع المصداقية عن الأيديولوجية التي قادت الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، إلا أن هذا لم يحدث، بل واستمر تيار المحافظين الجدد مؤثرا في السياسات ووضع المعايير واحتل رموزه أماكن مهمة في المؤسسة السياسية البريطانية والأمريكية. وهناك عدة أسباب وراء استمرار هذا التأثير، منها معهد التفكير “بوليسي إكستشانج” في لندن، الذي ظل رغم عدم معرفة الكثيرين به حاملا لشعلة المحافظين الجدد في بريطانيا وله تأثير في دوائر صناعة القرار السياسي.

وفي السياسة التقليدية فإن “بوليسي إكستشانج” ارتبط أولا بـ “تسويق” كلمة بشعة تصف مبادئ القطاع الخاص التي أدخلت للنظام التعليمي والخدمة المدنية، لكن الإنجاز الأهم للمركز هو إعادة تشكيل السياسة الحكومية تجاه المسلمين البريطانيين.

لوضع القصة في سياق أسهل، فقد تعاملت الحكومة البريطانية والمخابرات والشرطة مع عملها كمنفذين للقانون لا حراسة معتقدات شخصية أو أيديولوجية. ويقدم أبو حمزة المصري، رجل الدين، والذي لم يخف تعاطفه مع القاعدة مثالا مثيرا. فقد كان أبو حمزة في دعواته المتشددة التي نشرها من مسجد فينزبري ذكيا في جعل كل ما يقوله ضمن القانون، فلم يأت طرده من المسجد على يد الشرطة، ولكن المصلين الذين أغلقوا أبواب المسجد ومنعوه من دخوله. ومع ذلك فقد كانت شرطة لندن مشاركة في عملية إخراجه، حيث بنت علاقات مع المجتمع المحلي والمصلين غير الراضين عنه، وكانت تنتظر قريبا من المسجد للتدخل حالة تطور الوضع.

وكانت قصة إخراجه مثالا عن التعاون المجتمعي وتنفيذ الشرطة للقانون. ومع ذلك فإن المصلين في المسجد كانوا محافظين ولديهم مواقف من الشذوذ وبعضهم مؤيد لحركة حماس ومعارضين للاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وغزو أفغانستان، لكن الشرطة لم تجد حرجا من التعاون معهم للتخلص من أبو حمزة الذي نظرت إليه كشر وخطر. ويعلق أوبورن أن هذا النهج من “التعددية الثقافية” هو في قلب ما كانت عليه بريطانيا، فطالما احترم المهاجرون القانون، سمح لهم بجلب تقاليدهم وعاداتهم التي تركوها في البلدان التي خلفوها وراء ظهورهم.

وتناسب هذا النهج مع تاريخ بريطانيا في الترحيب بالمعارضين والمنفيين من الخارج، مثل البروتستانت الفرنسيين في القرن السابع عشر إلى اليهود الفارين من المذابح في روسيا وغيرهم.

وفي هذا السياق، قام معهد “بوليسي إكستشانج” بتفكيك تقاليد التسامح هذه، فقد وافق المحللون فيه على ضرورة مواجهة الشرطة للعنف، لكنهم اختلفوا فيما بينهم حول السماح بتسامح قد يكون بوابة للعنف. وكانت اتصالات المركز عالية المستوى، فقد أنشئ في 2002 في أعقاب هزيمة حزب المحافظين عام 1997 و2001 على يد مجموعة من المحافظين شعروا أن الحزب سيظل في المعارضة. وكان أعضاء الحزب الذين أطلقوا على أنفسهم بالحداثيين من المعجبين بزعيم العمال توني بلير والداعمين لغزو العراق. واعتقد هؤلاء الحداثيون أن مهمتهم تقليد تجربة بلير في جعل حزبه ناجحا. وكان مايكل غوف، المسؤول البارز في حكومة بوريس جونسون، مديرا للمركز.

وعندما قرر ديفيد كاميرون الترشح لزعامة المحافظين بعد هزيمة الحزب في انتخابات عام 2005 حاول البحث عن أفكار من المركز الذي شكلت صحيفة “إيفننغ ستاندرد” المركز الفكري له. وقدم  لكاميرون العديد من الأفكار التي غيرت تفكيره. وكان المركز جذابا في أفكاره لجناح توني بلير أو كير ستارمر في حزب العمال كما هو جذاب لكاميرون وجونسون في حزب المحافظين. واستطاع المركز أكثر من أي منظمة مشابهة تشكيل  فلسفة الحكم في بريطانيا بالقرن الحادي والعشرين. وعندما أنشئ  كان فيه وحدة سياسة خارجية وأمنية، ولم يهتم بالنظر لنشرياته بالتطرف المحلي. وتغير كل هذا بوصول دين غودسون، الذي عين عام 2005 مديرا لأبحاث الشؤون الدولية. ويبدو أن غودسون الذي عمل في كتابة افتتاحيات “ديلي تلغراف” فسر عمله الذي أوكل إليه في الشؤون الدولية كرخصة لاقتراح سياسة تتعلق بالمسلمين في بريطانيا. ولم يكن هذا غريبا لأن اليمين السياسي البريطاني كانت لديه عادة مناقشة موضوع المسلمين في بريطانيا باعتباره أمرا مرتبطا بالسياسة الخارجية.

وجاء غودسون من عائلة مهتمة بالاستخبارات أثناء الحرب الباردة والدعاية والعمليات السرية. وعمل والده جوزيف غودسون كملحق عمالي في سفارة الولايات المتحدة في لندن واستخدم تأثيره لدعم الجناح المؤيد للولايات المتحدة في حزب العمال.

ومنذ عام 2005 بدا غودسون وكأنه في مهمة لتمزيق الإستراتيجية التي تبنتها الحكومات البريطانية المتعاقبة من مكافحة الإرهاب وحاول الترويج لنهج عن المسلمين عبر التقارير والأوراق البحثية واستعراض العضلات الإعلامية. وبالتحديد، قال إن الوسائل التي استخدمتها الدولة البريطانية ضد الإرهاب، بما فيها ضد الجيش الأيرلندي الحر و”المشاكل” في أيرلندا، لم تعد صالحة. فقد كانت الحكومة مرتاحة للعمل مع المجتمعات الكاثوليكية ومواجهة المسلحين والدعوة للمصالحة.

 وبعد هجمات 9/11 كان الرد البريطاني الطبيعي هو تكرار التجربة الأيرلندية ودعوة قادة من المجتمع وعزل من ينظر إليهم كمتشددين والحصول على معلومات عنهم. لكن مركز “بوليسي إكستشانج” رأى أن السياسة غير صحيحة وأن الحكومة البريطانية لا تواجه المتطرفين. ويجب التركيز على أمر أكبر: مواجهة الأيديولوجية.

وبالنسبة للمركز، فبريطانيا هي جزء من فيلق الدول الحرة إلى جانب الولايات المتحدة التي تخوض حربا  أبدية ضد  مجموعة من القوى العازمة على مواجهة وتدمير الحضارة الغربية. ويعرف هؤلاء بالإسلاميين الذين يؤمنون بأيديولوجية “الإسلامية”. ورغم اعتراف المركز بوجود تباينات بين الإسلاميين، فليس كل واحد منهم يتبنى العنف، إلا أن هذا لم يكن مهما مع مرور الوقت، فيجب قتالهم وهزيمتهم جميعا.

ورأى مركز “بوليسي إكستشانج” أن الإسلاموية هي رؤية عامة تعلم أتباعها أن الإسلام هو أيديولوجية سياسية شاملة ويجب معاملتها بهذه الطريقة. وهي تقسم العالم إلى مسلمين والبقية. وضمن هذا المنظور، فلا محل للتفاوض، لأن الإسلاميين يرفضون الديمقراطية وحكم القانون والمؤسسات السياسية والدولة الوطنية. ومن هنا فمحاولات جلب المسلمين للعملية السياسية تظل عبثية إلا في حالة نبذهم الأيديولوجية هذه. وبالنسبة للمركز فلم تعد مهمة  مكافحة الإرهاب هي حماية المواطنين البريطانيين من العنف، بل والتأكيد على القيم الغربية ضد التطرف الإسلامي. كل هذا يعني ضرورة العودة إلى استراتيجية مكافحة التخريب التي استخدمت ضد الاتحاد السوفييتي أثناء الحرب الباردة.

ومن خلال قراءة الكاتب لنشريات المركز فقد ناقش غودسون أنه يجب عزل الإسلاميين في بريطانيا وليس الحوار معهم أو تبنيهم. وبمراجعة لما كتبه في “بوليسي إكستشانج” يجد الباحث أن غودسون حاول خدمة ثلاثة أهداف.

الأول إضعاف أو تدمير التحالف بين المسلمين البريطانيين ومنظماتهم، وعمل هذا من خلال تصويره الإسلاموية بالأيديولوجية الغريبة وتحمل ملامح الفاشية. أما الثاني، فحاول المركز تحدي فكرة التعددية الثقافية وكسياسة تتبعتها الحكومة. وفوق ذلك كان هدف غودسون ثالثا تدمير العلاقة بين الحركات الإسلامية والدولة البريطانية. ونجح غودسون في كل هذه الأهداف، وساعدته صلاته مع الحكومة والبرلمان على ما يبدو. واستمرت هذه العلاقات، فقد كان المركز قادرا على استضافة وزير او نشر مقال رأي أو الوصول إلى مقر الحكومة في داونينغ ستريت، فيما تم استضافة الباحثين فيه كخبراء عن الإسلام في الراديو والتلفاز. وقدمت تقارير المنظمة المعلومات التي رغب بسماعها قادة المحافظين. وهناك ستة مستشارين خاصين لجونسون عملوا في المركز.

 ويقول أوبورن إن أول دراسة نشرها المركز كانت حول تعاون الحكومة البريطانية مع ما أسماه “الإسلام الراديكالي” وأعدها مارتن برايت، الصحافي ذو الميول اليسارية وعمل في مجلة “نيوستيتمان”، ومما يعطي صورة أن المركز لم يكن يمانع  بالعمل مع أي طرف أو لون سياسي. وأقام برايت دراسته على معلومات مسربة من وزارة الخارجية عبرت عن قلق من علاقة الحكومة البريطانية مع المنظمات المسلمة في بريطانيا وخارجها. وكتب برايت “أمر يثير قلقي أن حكومة العمال مستعدة للوقوع وبسهولة في أحضان نموذج رجعي وديكتاتوري من الإسلام بدلا من التعاون مع ممثلين معتدلين كحلفاء”.

وكان هدف ورقة برايت والمركز هي جماعة الإخوان المسلمين والمجلس الإسلامي البريطاني. واتهم برايت الإخوان بأنهم ينشرون أيديولوجية تناقض القيم الغربية. أما المجلس الإسلامي البريطاني فاتهمه المركز بأنه إسلامي، وستؤدي ورقته إلى تردي العلاقة بين الحكومة والمجلس. وكتبت منيرة ميرزا، التقرير الثاني لغودسون، وقد عملت مع جونسون عندما كان عمدة لمدينة لندن ومن ثم في داونينغ سترت. ودعت إلى وقف “الهجمات الممأسسة على بريطانيا ومؤسساتها” مجادلة أن “الانشغال بكون المسلمين عرضة للخطر والإسلاموفوبيا أعمانا عن فهم مشاكل كهذه وزادت بطرق أخرى من الأمور سوءا”. وقالت ميرزا إن هذا يعكس “عقلية الضحية” التي “أعطتها مصداقية المؤسسات والسياسيين والإعلام وجماعات الضغط”. وزعمت في تقريرها أن المسلمين البريطانيين “بالغوا” في تصوير مخاطر الإسلاموفوبيا.

وفي عام 2009 نشر المركز تقريرا طالب فيه الحكومة بتبني سياسة تجاه المسلمين تشبه تلك التي طبقتها ضد النقابيين والاشتراكيين أثناء الحرب الباردة. وهو تقرير كتب بشكل جيد وأعده باحثان من جامعة كامبريدج، مارتن فرامتون وشيراز ماهر، العضو السابق في حزب التحرير، حيث عمل مسؤولا في شمال- شرق إنكلترا.

وطالب تقرير فرامتون وماهر الحكومة بالعودة إلى فرض قانون الخدمة الأمنية والذي يعطي وكالة المخابرات الداخلية (أم أي فايف) السلطة للتحقيق في أي عملية تخريب. وبالنسبة للحكومة البريطانية فقد كان هذا قفزة كبيرة حيث تم إعادة تسمية مبادرة “منع التطرف العنيف” إلى “منع التطرف”. وكان تحولا مهما لأن الدولة لم تعد تواجه العنف بل والرأي. وانتقد التقرير الحكومة لتركيزها على فرض القانون ومظاهر القلق الأمني وتجاهل الأمور الأخرى. وطالب بأن تهتم الحكومة “بالراديكاليين الذين لا يدعون إلى العنف” والذين يقومون بتثقيف الشباب بأيديولوجية العداء للقيم الغربية. وبعبارات أخرى كان المركز يهدف لإنشاء علاقة جديدة بين الدولة والمسلمين، مما عنى خلق نوع جديد من المواطنة. وقاد هذا إلى خطاب جديد: التطرف غير العنيف.

وكان مركز “بوليسي إكستشانج” يطالب المسلمين البريطانيين بتطبيق مجموعة من المعتقدات التي تقع ضمن المقبول من الدولة. وحتى تقبل كمواطن يجب عليك كمسلم نبذ أو تعديل بعض تقاليدك وتراثك. وحتى ذلك الحين سمح للمواطنين البريطانيين التصرف بالطريقة التي يريدونها طالما لم تخرق القانون. وكان خلق مفهوم التطرف غير العنيف بمثابة مبرر للتحرش أو وضع أشخاص على القوائم السرية أو منعهم من الحياة العامة لارتكابهم خروقات لا يعرفون أنهم ارتكبوها، وتقع في قلب عقيدة منع التطرف. وكانت الجماعات تمول طالما دعمت الخط الحكومي من الإرهاب والتطرف إلا أن حكومة كاميرون أضافت إلى كل هذا مكونا جديدا: التطرف غير العنيف وليس التطرف العنيف.

 وفي عام 2015 أصبحت استراتيجية “بريفنت” واجبا قانونيا في مؤسسات القطاع العام: المستشفيات والمدارس والجامعات. وبناء على هذا طلب من العاملين في القطاع الإبلاغ عن أي شخص يظهر ميول تطرف غير عنيف. وأصبح التطرف بالنسبة للحكومة يعني “معارضة صريحة أو ناشطة للقيم البريطانية”. مما يعني استهداف أي شخص يحمل أفكارا غير ليبرالية أو لا تتوافق مع التيار الرئيسي، حتى لو لم تكن خارجة على القانون. ففي المدارس طلب برنامج “بريفنت” من أي مدرس الإخبار عن أي تلميذ يظهر نوعا من الميول المتطرفة. وفشلت السياسة عندما وضعت للفحص، فنسبة 86% من الحالات المحالة إلى البرنامج ما بين نيسان/إبريل 2020 وآذار/مارس 2021 لم تكن صحيحة. مع أن الصورة غير كاملة لأن الحكومة لا تكشف عن عدد الحالات وهي بالآلاف التي تم فيها اتهام التلاميذ وطلاب الجامعات وهم أبرياء. وتم التحقيق مع الأطفال والتحرش بهم تحت شبهة التطرف. وتم رفض الحالات قبل تحويلها إلى “بريفنت” ولم تضمن في الأرقام الحكومية. وتأثر المسلمون بطريقة غير متناسبة بهذه السياسة والتي تعتمد على ملاحقتهم، وتعيش نسبة 70% من المسلمين في إنكلترا وويلز في مناطق ذات أولوية لـ”بريفنت”، مقارنة مع نسبة 30% للسكان بشكل عام. كما أن طلب “بريفنت” من الموظفين في القطاع العام الإخبار عن أي مظهر تطرف فإنه يجبر السكان التصرف بناء على تحيزاتهم وجعل المسلمين هدفا لمعظم الانتهاكات.

ويرى أوبورن أن تطور مفهوم التطرف من خلال مراكز بحث مثل “بوليسي إكستشانج” ترك أثرا على غالبية المسلمين العاديين وأجبرهم على الاندماج والتخلص من ملامحهم المتميزة عن بقية المجتمع. وجلب مفهوم التطرف العنيف معه شرطا جديدا وهو أن أي شخص يرغب بأن يصبح بريطانيا عليه التصرف كبريطاني، وهذا أمر لم يكن موجودا في الماضي. وظل البلد لديه هوية سخية وواسعة. فيمكنك ان تكون بريطانيا في وقت تحتفظ فيه بهويتك من جامايكا أو أن تكون أسود ومن ويلز وكورنيش ويهوديا وهندوسيا ومسلما  أو اسكتلنديا. والمشكلة هي ألا أحد يمكنه التأكد من الشخص الذي يحمل تطرفا عنيفا، وهذا هو سبب فشل وضع إطار قانوني لهذا المفهوم.

ويعتقد أوبورن أن معهد “بوليسي إكستشانج” حرف مفهوم المواطنة البريطانية باتجاه المفهوم الأمريكي، حيث يتوقع من أي  شخص أن ينضم للبوتقة الأمريكية وينصهر فيها. ومن هنا فمحاولة المركز حماية وإنقاذ الهوية البريطانية هي تدمير لها في نفس الوقت. لكن المركز لم يكن لينجح في جهوده بدون حلفاء أقوياء وبخاصة من حزب المحافظين.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى