Take a fresh look at your lifestyle.

مهند عبد الحميد يكتب – عريضة المثقفين واستبدال سلطة «فتح» بسلطة «حماس»

0 170

مهند عبد الحميد – 15/6/2021

ظل الغموض يلف عريضة المثقفين، والغموض هنا يتناقض مع دور المثقف في كشف المستور وإزالة كل غموض في المواقف، لمساعدة الناس والفئات الشابة تحديدا، في فهم الأمور ودعم عملية التغيير المطلوبة. ما جرى هو تبادل للأدوار، فالمثقف قدم نفسه ملتبسا تحت عنوان يبدو واضحا ولكنه في جوهره بقي غامضا، والسياسي ممثلا بحركة حماس قدمت نفسها بوضوح عندما حددت أهداف معركة سيف القدس على الصعيد الداخلي الفلسطيني. جاء ذلك عبر الرؤية السياسية التي قدمتها «حماس» للإدارة المصرية. الرؤية تنطلق من المعركة التي «خلقت موازين قوى جديدة وواقعا سياسيا جديدا، واستنادا لذلك فإنها تدعو الى «تشكيل قيادة وطنية مؤقتة للشعب الفلسطيني تقود الحالة بكل تفاصيلها، وتتولى دون غيرها، مسؤولية إدارة الشأن الوطني حتى الانتهاء من تشكيل المجلس الوطني. تتشكل القيادة المؤقتة من المنظمة والأمناء العامين و»حماس» و»الجهاد» وفصائل المقاومة – أربعة فصائل مسلحة جديدة – ويتولى المجلس الوطني الجديد مسؤولية الاتفاق على شكل النظام السياسي وأدواته والبرنامج السياسي للمرحلة المقبلة. طاهر النونو مستشار إسماعيل هنية وضع النقاط على الحروف بالقول: إن صاحب القول الفصل في الملف الفلسطيني هي المقاومة، ولم يعد هناك مشاريع أخرى ولا حديث عن مشروعية فلسطينية، وأضاف: المقاومة و»حماس» لم تعد تمثل مجموعة الناخبين فقط، بل هي خيار فلسطيني جامع لكل الشعب الفلسطيني، ولا يوجد ما نختلف عليه فلسطينيا ولم يعد هناك مشروع سياسي نختلف عليه، ولنبدأ من القمة (م. ت.ف). وكان د. إبراهيم حمامي في معرض تقييمه لمعركة سيف القدس قد أشار الى انبثاق (قيادة جديدة للشعب الفلسطيني فرضها الميدان وأن النتائج تفرض معادلة تمثيل وطني جديدة). ومن يتابع فضائية الجزيرة أثناء وبعد وقف إطلاق النار سيجد أنها تبني رأيا عاما فلسطينيا مؤيدا للقيادة الجديدة وللتغيير الذي أحدثته المعركة بالمفهوم الذي تقدمت به «حماس».

يجوز الاعتقاد بأن عريضة المثقفين والأكاديميين تصب وتدعم مسعى انتقال قيادة الشعب الفلسطيني من محور المنظمة وحركة فتح الى محور المقاومة «حركة حماس» والإسلام السياسي، ولكن دون أن تقول ذلك، مكتفية بنقطة بداية عنوانها إقالة الرئيس محمود عباس باعتباره عقبة كبيرة أمام «التغيير». مع ان العريضة تتحدث عن التغيير دون تحديد طبيعته وبدائله ومقوماته وضماناته. إن عدم التحديد هو بحد ذاته تحديد، بوجود «صاحب القول الفصل» أو «المقاومة المنتصرة». السؤال الذي يمكن ان نطرحه على الموقعين على العريضة، هل تتشاركون مع حركة حماس في تقييم الحرب ونتائجها على صعيد الصراع مع المحتلين وعلى صعيد الصراع الفلسطينيالداخلي؟ ليس المقصود هنا التقليل من شأن كل ما هو إيجابي في أداء المقاومة وإنجازاتها. فواقع الحال تم التوصل الى وقف إطلاق نار متبادل ودون شروط، فقط «هدوء مقابل هدوء» وهذا بحد ذاته يعتبر إنجازا معنويا حتى الآن، لم يتم التوصل الى اتفاق هدنة جديد الذي غالبا ما سيكون حول قواعد الصراع والهدوء والردع. لا يجرؤ احد على الحديث عن حرب مفتوحة أو عن فرض شروط سياسية  فلسطينية في ظل ميزان قوى مختل بما لا يقاس لمصلحة المستعمرين بقيادة الاتجاهات الأكثر تطرفا وعنصرية. إن كل حديث عن فرض شروط سياسية هو مجرد كلام هدفه تجنيد الرأي العام لدعم السيطرة على مركز القرار الفلسطيني، ولا أخال وقوع الموقعين على العريضة في حبائل الشعبوية. مع ان بعضهم وقع في ذلك عندما خير إسرائيل بين قبول نموذج جنوب إفريقيا وبين نموذج الجزائر دون القول كيف ومتى سيصل الصراع الى هذه النتيجة السعيدة. إذا كان هدف دولة الاحتلال الكامن وراء حصارها لقطاع غزة هو فصل القطاع عن الضفة وتكريس الانقسام من اجل منع إقامة دولة فلسطينية واحدة في الضفة والقطاع. فهل أرادت «حماس» إفشال الهدف الإسرائيلي؟ لنر، منذ 2007 لم تتدخل «حماس» ضد استباحة دولة الاحتلال للضفة الغربية التي أُشبعت استيطانا ونهبا لمواردها ولا ضد استباحة القدس التي تعرضت للتوحيد والضم والتهويد، ونقل للسفارة الأميركية. ولم تتدخل «حماس» في مواجهة مئات الاقتحامات للمسجد الأقصى، ولا في المعارك الصغيرة كمعركة البوابات وإغلاق باب حطة. هذا ما يؤكده د. محمود الزهار عندما قال: «تجاوزت المقاومة مرحلة السكوت واستيعاب جرائم الاحتلال ضد شعبنا الى مرحلة العين بالعين والسن بالسن» وكالة سما. عشية حرب أيار الماضي كانت هبة القدس قد خلقت استقطابا داخليا وخارجيا ساهم في إحياء القضية الفلسطينية وإخراجها من الهامش الى الصدارة. في هذه اللحظة تدخلت «حماس» بإطلاق الصواريخ وكان الرد الإسرائيلي بشن عدوان اكثر وحشية وتدميرا للبنية التحتية، وأكثر قتلا وتشريدا للمواطنين. رؤية «حماس» المقدمة للإدارة المصرية تتركز كلها حول السيطرة على المنظمة ومركز القرار، باستثناء جملة واحدة تتحدث عن برنامج سياسي واستراتيجية ولكن – بعد السيطرة – على المجلس الوطني والهيئات المنبثقة عنه، وتتحدث الجملة عن العودة والتحرير ودولة عاصمتها القدس، كما تطرح الرؤية تشكيل قيادة يومية منبثقة عن القيادة المؤقتة لقيادة كل أشكال النضال الشعبي ضد الاستيطان والتهويد والسيطرة على البيوت …الخ وهذا يعني اعتماد برنامج المنظمة بما في ذلك الشكل السلمي للنضال. وهذا يعني ان هدف «حماس» من الحرب ليس ردع إسرائيل عن إجراءاتها، وإنما توظيف شعبيتها أثناء الحرب في السيطرة على المنظمة.

نظريا، من حق أي تنظيم سياسي سواء كانت «حماس» او «الجهاد» او غيرهما، ان يعزز مواقعه في المؤسسات وصولا الى مركز القرار. هذا الحق من المفترض أن يكون مكفولا بالقوانين والأنظمة تحت عنوان التبادل السلمي للسلطة ولمركز القرار ومشروطا بالأسلوب الديمقراطي. مقابل ذلك، من واجب المستوى الثقافي ان يُقيّم ويراقب ويُرشّد عملية الانتقال ويكشف الخبايا ويدعم التغيير الديمقراطي. سبق للمثقف الثوري فرانز فانون الذي التحق بالثورة الجزائرية واصبح من أهم مفكريها، أن حذر من استبدال شرطي مستعمِر قامع،  بشرطي أصلاني قامع. هل يقبل المثقف الفلسطيني استبدال سلطة غير ديمقراطية  محافظة، بسلطة غير ديمقراطية واكثر محافظة وتزمتا. لحسن الحظ، أمامنا نماذج مجربة، نموذج سلطة «فتح» والمنظمة والكل يعرف مشاكلها وعيوبها الكبيرة والصغيرة وحالة العجز والشلل الذي وصلت إليها، وهي السلطة التي اعتمدت نموذج النظام العربي المريض وسرعان ما أصيبت بالعدوى. وأمامنا نموذج سلطة «حماس» في قطاع غزة الذي احتكر الحكم دون شريك واحتكر الحرب والمقاومة، لم يجر انتخابات واحدة للمجالس البلدية والجامعات، صادر الحريات، ونفذ أحكام الإعدام وميز ضد النساء استنادا للمدرسة الدينية المتزمتة، إنها سلطة شبه دينية اعتمدت نموذج الإسلام السياسي في الحكم (مرسي والبشير وآيات الله وحكومة الإخوان في المغرب) وكلها نماذج غير موثوقة سياسيا وغير موثوقة أبدا ديمقراطيا. هل انحزتم أيها الموقعون على الانتقال من سلطة «فتح» الى سلطة «حماس» دون أي قيد او شرط او ضمان او احترام لمنظومة قيم التحرر.. وللحديث بقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.