أقلام وأراء

مهند عبد الحميد: هل يكون الصوت الفلسطيني في الانتخابات الإسرائيلية رقماً صعباً ؟

مهند عبد الحميد – 2022-11-01

للمرة الخامسة وفي غضون 3 سنوات ونصف السنة يتوجه أكثر من ستة ملايين إسرائيلي إلى صناديق الاقتراع لانتخاب 120 عضو برلمان موزعين على 40 قائمة انتخابية. 

ويلاحظ أن نسبة الإقبال الإسرائيلي على الانتخاب تناهز الـ 80% وهي من أعلى النسب عالمياً.
في الشكل يبدو المجتمع الإسرائيلي مسكوناً بالديمقراطية من رأسه إلى أخمص قدميه، ولكن في المضمون الأمر يختلف، وربما يكون عكسياً.  
قضية الاحتلال الاستعماري والسيطرة المطلقة على شعب آخر تكشف زيف الديمقراطية التي لا تنفصل عن قيم الحرية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وإذا كان من عادة المستعمرين الاسرائيليين فصل حرية وتحرر وحقوق الإنسان الفلسطيني عن الديمقراطية الإسرائيلية، فإن وجه الغرابة يكمن في تمرير هذا الفصل وتحويله إلى أمر واقع دون عقاب ومحاسبة ومساءلة.
وفوق ذلك يجري التطبيع والتحالف والتعاون وإبرام الاتفاقات التجارية والأمنية مع دولة الاحتلال والأبارتهايد، وفوق ذلك تجري حمايتها من المساءلة والمعاقبة.
وفوق ذلك تجري معاقبة كل الذين يدعون إلى إقامة القانون على الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية ومعاقبة المرتكبين.  
لماذا يغيب مصير احتلال أرض شعب والسيطرة عليه وتفكيكه وخنقه من أجندة 40 قائمة انتخابية، باستثناء قوائم الجبهة والعربية للتغيير، وقائمة التجمع، وقائمة ميرتس؟ وجلها يعتمد على الأصوات العربية. يغيب بند الاحتلال المسؤول عن تدمير حياة شعب ونهب موارده وكبح تطوره الاجتماعي الاقتصادي وتفكيك بنيته الإدارية.  
وفي الجهة الأخرى يغيب الاحتلال في الوقت الذي تحدث فيه تحولات عميقة في المجتمع الإسرائيلي تنقله إلى مرحلة التوحش والفاشية والعنصرية.
الآن، يظهر إلى العلن تحالف غير مقدس بين الليكود بزعامة نتنياهو (31 مقعداً)  وسموتريتش وبن غفير ومجموعات كهانا (14) والأحزاب الأصولية اليهودية المتزمتة «شاس» ويهودات هتوراة (15).
هذا التحالف هو المرشح أكثر من غيره للفوز. الكل يعرف ما يجمع بين أقطاب هذا الحلف من مواقف وسياسات وأهداف. ما يجمعهم حرب وقتل وإبعاد وضم الأراضي الفلسطينية وتوسعات استيطانية بلا حدود وفرض موطئ قدم في ساحات المسجد الأقصى وداخله، و»تدمير ما تبقى من جهاز القضاء، وإقالة المستشارة القانونية للحكومة».
لخص يوسي كلاين الوضع في هآرتس بعنوان، «المرحلة القادمة، ضم إسرائيل إلى دولة المستوطنين». ونقل عن ضابط كبير القول: «الجيش والمستوطنون ورجال الشرطة ونصف مليون مصوت للعنصريين المتدينين، هم الشيء ذاته».
في حالة فوز الحلف غير المقدس، سيتقاسم زعماء التحالف الحقائب، تقول المطالبات  إن سموتريتش سيتولى حقيبة الدفاع، وبن غفير الأمن الداخلي، ودرعي المالية، ورؤساء يهودات هتوراة حقيبة التعليم والثقافة وكل ذلك مقابل، تصويتهم على التعديلات القانونية التي توقف محاكمة نتنياهو وتنقذه من السجن وتبقيه في مركز الحلبة السياسية، في أحقر صفقة تبرم في وضح النهار.
ما كان نتنياهو يستطيع ركوب موجة التطرف والتحالف مع عنصريين سبق لأمثالهم أن وضعوا خارج القانون، لو كان معسكر لابيد – غانتس يملك سياسة ومواقف متعارضة مع سياسة نتنياهو ومعسكره وبخاصة في مجال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كالموقف من الاستيطان والمستوطنين والقدس والقمع الذي أصبح بمستوى حرب.
المعسكران يتنافسان على السياسات ذاتها، ويتصارعان على السلطة فقط، وتحديداً على  بقاء نتنياهو أو إزاحته من السلطة.
يتنافس معسكر لابيد على سياسات نتنياهو في الضم والتهويد والمصادرات واحتضان المستوطنين وسرقاتهم، وفي تبني الحل الاقتصادي وشراء الهدوء، والأهم يتفق معسكر لابيد على أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليس له حل وينبغي وضعه على هامش الأجندة الإسرائيلية والإقليمية والدولية.
ولا يغير من واقع التوافق بين المعسكرين حديث لابيد العابر عن حل الدولتين الذي ذهب مع الريح ولم يقترن بأي خطوة عملية.   
منذ صعود نتنياهو للحكم في العام 1996 توالت التحولات نحو اليمين والعنصرية المترافقة مع تعميق الاحتلال والاستيطان وحكم الأبارتهايد.
منذ ذلك الوقت انعطف المجتمع الإسرائيلي بمعدلات متسارعة نحو اليمين القومي والديني، كان الاحتلال الكولونيالي رافعة لتلك التحولات، كما كان رافعة لتحولات ما قبلها، وقد نجحت المؤسسة الأمنية والطبقة السياسية في بناء مصالح واحتكارات واستثمارات لها ولفئات واسعة من الاسرائيليين وبخاصة المستوطنين القدامى والجدد في الأراضي الفلسطينية ومواردها المتنوعة بغطاء إيديولوجي ديني متنافر مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
أصبح التغيير من داخل المجتمع الإسرائيلي معقداً وشائكاً ومحدوداً، والتغيير المقصود هو التراجع عن الاحتلال الكولونيالي والتحكم في مصير شعب كامل، والإفلات من قبضة الأيديولوجيا الدينية القومية – الصهيونية -.
لا يزال تغيير المواقف الإسرائيلية من الخارج غير مطروح على الأجندة الدولية عبر إلزام إسرائيل بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية من خلال العقوبات والعزل والضغوط والمحاكمة على الاستيطان ونقل السكان كجريمة حرب وجرائم حرب أخرى والأبارتهايد.
ما زالت دولة الاحتلال في خانة الإفلات من العقاب والمحاسبة والمساءلة بفعل الفيتو والحماية الأميركية الدائمة وبفعل التواطؤ الدولي، وبفعل المكافآت السياسية والاقتصادية والمعنوية السخية التي قدمتها الاتفاقات الإبراهيمية العربية.
ثمة علاقة بين استمرار التحول الداخلي الداخلي نحو المزيد من التعصب القومي والديني والكهانية المنفلتة، وبين استمرار وضع دولة محتلة بنظام أبارتهايد فوق القانون.
العلاقة بين الانغلاق الداخلي والحماية الخارجية، وكلاهما أدخل إسرائيل في أزمة حكم عميقة لا حل لها في ظل بقاء الاحتلال وثنائية الحماية والتغول الداخلي.
تشير أي قراءة لاستطلاعات الرأي إلى أن هذه الانتخابات لا تنطوي على مخرج من المأزق، حتى لو نجح معسكر نتنياهو في تأمين 61 مقعداً، ستبقى أي حكومة في ظل التوازن الهش على كف عفريت وعرضة للانهيار، ما يقود إلى انتخابات سادسة وسابعة لتصبح الحياة في إسرائيل انتخابات.
هنا تبرز أهمية العامل الفلسطيني موضوعياً وذاتياً في الحد من غلواء الاندفاع العدائي للحقوق الفلسطينية في مناطق 48 وأكثر عدائية في مناطق 67، وفي فتح أبواب استقطاب جديد بعيداً عن الصفقات والاستخدامات التي لا تخدم حقوق السواد الأعظم من الشعب الفلسطيني.
الحضور الفلسطيني القوي والمستقل في الانتخابات والحصول على أكبر نسبة من مقاعد الكنيست ضرورة سياسية، في هذا السياق يصبح فوز التجمع وتعزيز قائمة الجبهة مسؤولية في غاية الأهمية، وبالمثل فإن تعزيز فوز الاسرائيليين المناهضين للاحتلال والأبارتهايد وكلاهما يصب في مسار قطع الطريق على الاندفاعة اليمينية الفاشية ويرسي مجرى لاستقطاب خارج الثنائيات القاتلة.
وكما كشفت الحراكات الشبابية والهبات المتلاحقة زيف السلام والاستقرار في المنطقة بمعزل عن القضية الفلسطينية، قد تحدث المفاجأة في حضور فلسطيني يمارس الفيتو على الأبارتهايد والاستيطان الاستعماري والكهانية.
في الزمن الصعب وأمام التحديات عودنا الشعب الفلسطيني بحسه الوطني الرفيع، أن يلعبها صح، بانتظار ذلك.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى