أقلام وأراء

فرنسا ماكرون الى أين؟

مهند عبد الحميد

مهند عبد الحميد 2022-04-26

تنفس كثيرون في فرنسا وأوروبا الصعداء بسقوط مارين لوبن مرشحة أقصى اليمين العنصري في فرنسا، كان الأكثر تضرراً من احتمال فوز لوبن هم الفرنسيون المسلمون والمهاجرون. 

مع أن الرئيس الفائز إيمانويل ماكرون تقاطع مع لوبن في نشر الإسلاموفوبيا متراجعاً بذلك عن قيم الجمهورية في الحرية والمساواة والأخوة.
كانت المفاضلة بين الأكثر والأقل سوءاً لنسبة كبيرة ممن ذهبوا إلى صناديق الاقتراع. في الوقت الذي امتنع فيه 28% من أصحاب حق الاقتراع عن الانتخاب، ووضع 4 ملايين شخص أوراقاً بيضاء في إشارة إلى عدم ثقتهم بالمرشحين الإثنين ماكرون ولوبن، ما يعني أن قرابة ثلث الفرنسيين الذين يحق لهم حق الانتخاب يعتبرون في عداد الممتنعين.
ثمة تحولات أخرى أفصحت عنها الانتخابات الفرنسية الأخرى، كخروج الحزبين العريقين، الجمهوري الديغولي والاشتراكي من المشهد السياسي بعد أن تناوبا على الحكم  في فرنسا قرابة ستة عقود، وكان الحزب الشيوعي قد سبقهما في الأفول والخروج من المعادلة.
ولا شك في أن هذا النوع من التغيير بقطع النظر عن مآلاته التي قد تجنح نحو اليمين يعكس رغبة الفرنسيين في التغيير بعيدا عن الاعتبارات الرمزية التاريخية. في العام 2017 انحازت أكثرية الفرنسيين لإيمانويل ماكرون باعتباره جاء من خارج التقسيم التقليدي، وقدم إطارا جديدا بعنوان «إلى الأمام» مقدما الكثير من الوعود بالإدماج والديمقراطية، ولفت الانتباه عندما أصغى  للفرنسيين في 25 ألف مقابلة في أنحاء فرنسا سائلا: ما الذي يناسب فرنسا وما الذي لا يناسبها. فاز ماكرون في العام 2017. ولكن بعد تجربة 5 سنوات في الحكم فقد بريقه، وأخل بأهم بند في برنامجه السابق وهو إضعاف اليمين المتطرف.
خلافا لذلك صعد اليمين المتطرف بزعامة لوبن واقترب كثيرا من الفوز، وكانت سياسات ماكرون الذي لقب برئيس الأثرياء والمتساوق مع أطروحات أقصى اليمين هي من أهم أسباب صعود اليمين المتطرف.
المفارقة في انتخابات 2022 أن ماكرون فاز لأن أكثرية الفرنسيين لا ترغب في فوز ممثلة أقصى اليمين وفق نظرية الانحياز  للأقل سوءا. ولم يتخل الفرنسيون عن رغبتهم في التغيير عندما صوت 22% في الجولة الأولى لمرشح اليسار الجديد ميلانشون الذي كاد يتغلب على لوبن ويخوض الجولة الثانية مع ماكرون.
توق الفرنسيين للتغيير والمعبر عنه بإقصاء الأحزاب التقليدية وبالامتناع غالبا عن انتخاب الرئيس لأكثر من ولاية واحدة، يظل محط إعجاب وتقدير كل من يرغب في التغيير في بلادنا العربية وبالأخص في فلسطين.
التغيير في فرنسا لم يستثن الزعيم التاريخي ديغول وحزبه الجمهوري، لم يستثن أحدا من اليمين واليسار والوسط. اللا تغيير عندنا يشمل كل شيء تقريبا، الأحزاب والتنظيمات والقيادات والنقابات والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات ووكالات الأنباء ومحطات التلفزة والإذاعة الخاصة والحكومية والمحللين السياسيين –  مع وجود استثناءات بسبب الوفاة والعقاب –  كل شيء عندنا لا يتغير بما في ذلك الاحتلال الإسرائيلي، وسيطرته الدائمة على مقدرات شعب، كل شيء عندنا لا يتغير بما في ذلك الخطاب السياسي والديني. الشيء المشترك مع الفرنسيين هو معاقبة أهل الحكم بأي ثمن فقد بينت الانتخابات الفرنسية أن 52% من الفئات العمرية بين 25 و34 عاما صوتوا للوبن انتقاما من ماكرون الذي قيد حريتهم أثناء جائحة كورونا، ولم يحظ ماكرون الا بتصويت 48% من أصواتهم. وهذا مؤشر على أن نسبة الأصوات التي حصلت عليها لوبن لم تكن على خلفية أيديولوجيتها العنصرية بل كانت على شكل انتقام من حكم ماكرون.
الخلط في المواقف بين ماكرون ولوبن صب لمصلحة الأخيرة، كموقف حكومة ماكرون من المواطنين الفرنسيين المسلمين، حين دعا إلى مكافحة ما سماه «النزعة الانفصالية الإسلامية» واتخذ سلسلة قوانين وإجراءات طالت نسبة كبيرة من الفرنسيين المسلمين لمجرد أنهم مسلمون ولم يكن لهم علاقة مع الإسلام المتزمت، الشيء نفسه ينطبق على موقف ماكرون من اللاجئين من الشرق الأوسط وإفريقيا، فقد اعتبرهم ماكرون مهاجرين وصنفهم إلى شرعيين وغير شرعيين، لكنه تعامل مع اللاجئين الأوكرانيين كلاجئين دون تصنيف وقدم لهم كافة التسهيلات مميزا بين لاجئ ولاجئ وبين عِرْق وعِرْق، في مقابل موقف لوبن العنصري السافر ضد المهاجرين، عندما دعت إلى الحد بشكل جذري من الهجرة، ووعدت بإدراج بند في الدستور يعطي أولوية للفرنسيين ويحرم المهاجرين من امتيازات المواطنين، توطئة لطردهم.
لكن ماكرون تميز في الحفاظ على تجربة فرنسا المنخرطة في الاتحاد الأوروبي، والداعمة لنظام دولي يشارك فيه الاتحاد الأوروبي بفعالية. بينما تضمن برنامج لوبن انسحاب فرنسا من الاتحاد الأوروبي وتعاملت مع روسيا وبوتين بموقف يغلب عليه التعاون.
غير أن النظام الدولي في إطار الاقتصاد النيوليبرالي المتوحش القائم على مصالح الضواري لا يختلف في الجوهر أو في المضمون إذا كان يعتمد قطبا واحدا يُلحق به أوروبا، ويهمش روسيا والصين، أو إذا كان متعدد الأقطاب أميركا روسيا الصين والاتحاد الأوروبي، أقطاب تتقاسم النفوذ وتعيد بناء سيطرتها على الدول والشعوب الضعيفة.
والموقف الفرنسي من القضية الفلسطينية سجل تراجعا ملحوظا في عهد ماكرون، حين أنهى مبادرات فرنسا لإيجاد حلول سياسية، في الوقت الذي توقفت فيه فرنسا عن نقد الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية، ومنعت الاحتجاجات الفرنسية ضد العدوان الإسرائيلي في أيار الماضي، وانضمت إلى بيان مجموعة الدول في مجلس الأمن الذي ساوت فيه بين عنف الدولة المحتلة وعنف الذين يرزحون تحت نير الاحتلال.  
بقي القول إن التحولات الفرنسية وبخاصة لجهة صعود اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبن ستتحدد معالمها ومستوياتها الفعلية في انتخابات حزيران القادم. هل ستترجم لوبان تقدمها في انتخابات الرئاسة الذي قفز من 33% العام 2017 إلى 42% العام 2022، في انتخابات البرلمان.
وهل سيحصل اليسار الجديد والتقليدي والخضر على وزن مهم في البرلمان، أم سيستمر في التفتت.
لا شك في أن موازين القوى في البرلمان هي التي تحدد وجهة فرنسا وموقعها في الاتحاد الأوروبي والنظام الدولي في قادم الأيام.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى