أقلام وأراء

مهند عبد الحميد: الهبّة المسلحة والتغيير المنشود

مهند عبد الحميد: الهبّة المسلحة والتغيير المنشود 2022-10-25

أخفقت الحملات القمعية الدموية الإسرائيلية بمسمياتها المختلفة « كاسر الأمواج» و»جز العشب»، المترافقة مع سياسات سلام اقتصادي وخفض الصراع، في شراء الهدوء وتثبيت الاحتلال والاستيطان كأمر واقع.

يقول تقرير للأمم المتحدة إن عام 2022 كان أكثر دموية بزيادة 52% مقارنة بالعام الماضي. أفيف كوخافي رئيس أركان الاحتلال يقر بالتصعيد ويتفاخر بقتل عشرات الشبان واعتقال 1500 شخص، مع أن عدد المعتقلين تجاوز الـ 2000 في هذا العام. وكان العميد لينور كرميلي قد استنتج أثناء قمع المؤسسة الأمنية لظاهرة الطعن والدهس أن «القتلى الفلسطينيين» هم الوقود الأكثر أهمية لمواصلة الاشتعال. لكن المؤسسة ذاتها حولت القتل إلى مؤشر للنجاح، واتخذت قراراً بقتل راشقي الحجارة – استشهد 16 شاباً لمجرد قذف حجارة على الجنود-. ثمة علاقة بين تصعيد العنف الدموي للجيش والمستوطنين وبين عملية الضم الزاحف للضفة، وبين الهبّة الشبابية المسلحة المدعومة شعبياً. هذه المعادلة التي تعبر عن احتدام الصراع

بين الاحتلال وأجيال فلسطينية متعاقبة لا تعرف حياة أخرى غير عجرفة المحتلين وسياسة «كي الوعي الفلسطيني» الفاشية.

«أكثرية الجمهور الإسرائيلي تتمسك بالنظرية التي تقول انه لا توجد أي جدوى سياسية، وانهم سيعيشون على حد السيف الى الأبد». نظرية هي نتاج لثقافة إسرائيلية استعمارية تعزل الإسرائيليين عن الواقع والعالم ومنظوماته القانونية المختلفة، ولا تجد غير البطش بالشعب الفلسطيني أو إخضاعه أو إقصائه.

غير أن بعض الخبراء المختصين الإسرائيليين (ميخائيل ميليشتاين) يرى ان موجات التصعيد الفلسطينية لا تنطفئ إلا لتعود الى الاشتعال مرة أخرى بعد ان تعذر الحفاظ على الهدوء النسبي، ويضيف أن إسرائيل تسقط تدريجياً في فخ استراتيجي، وستصل في النهاية الى حسم من مواقع رد الفعل أو نتيجة لتدخل دولي وليس انطلاقاً من مبادرة، والحسم من وجهة نظره يكون بإقامة فاصل مادي بين الجماعتين السكانيتين، هو عبارة عن حكم ذاتي بحدود فاصلة كما اقترحه آلون ورابين، والبديل عن ذلك التدهور المتواصل إلى واقع الدولة الواحدة.

قد يوحي كلام رئيس الحكومة الإسرائيلية لابيد عن حل الدولتين أمام الجمعية العامة بأنه مستوى من الاستجابة، لكنه بقي مجرد أقوال غير مسنودة بأي إجراءات وموجهة للاستهلاك الخارجي. في الوقت الذي يعيد فيه وزير جيش الاحتلال بيني غانتس إنتاج خطاب الحسم العسكري بالقول: لم نفقد السيطرة وسنقوم باعتقالهم وستنتهي المجموعة في أسرع وقت، مؤكداً فصل القمع العسكري عن أهداف سياسية محددة ومعيداً إنتاج الفشل الإسرائيلي في الحسم العسكري.

الجيل الفلسطيني الجديد (29 سنة فما دون) الذي يشكل ما نسبته 64% من مجموع الشعب الفلسطيني، تمرد على الواقع المأساوي الذي صنعه الاحتلال، وعلى عجز السلطة الناجم عن الاختلالات في علاقاتها بالمجتمع، وفي بنيتها، وفي علاقاتها الخارجية، والتمرد أيضاً على عجز التنظيمات وبنيتها الفئوية المنعزلة عن الأجيال. التمرد أخذ صيغة مقاومة مسلحة تطورت من عمليات فردية الى مقاومة مجموعات تضم عشرات ومئات ومنفتحة على انضمام أعداد أكبر وأكبر.

هذه المجموعات تحظى بتعاطف وتأييد شعبي متعاظم مرشح للانخراط في احتجاجات شعبية منظمة. الهبّة المسلحة بدأت من مخيم جنين وانتقلت الى المدينة وبلدات قباطية ويعبد، وحاكتها انطلاقة نابلس بإعلان «عرين الأسود»، وهناك خشية إسرائيلية من حذو المدن والمناطق الأخرى حذو جنين ونابلس.

التحدي الكبير أمام الهبّة يكمن في الانتشار ليعم مدن وقرى ومخيمات الضفة، وفي ربط المناطق مع بعضها البعض عبر احتجاجات شعبية منظمة ضد الاحتلال، وعبر بناء قاعدة اجتماعية حامية للشباب، من أجل الاستمرار وقطع الطريق على سياسة حصار جنين ونابلس والاستفراد بكل موقع على حدة، وتصفية المقاومين تدريجياً بعد عزلهم عن المواطنين وعن المواقع الأخرى. ثمة خشية من مواصلة جيش الاحتلال لعملياته اليومية بهدف التصفية الجسدية او الاعتقال او ممارسة الترهيب لتعطيل الطاقات الشبابية او عقوبات بأشكال مختلفة.

إن كعب أخيل أو نقطة ضعف الهبّة المسلحة هو الافتقار الى اهداف وطنية بمعنى تغييب الجدوى السياسية للهبّة – وتغييب المطالب المدنية، وكلاهما في حالة طرحهما يحفزان كل من لهم مصلحة للمشاركة في تحقيقها. فلا يكفي بيانات الرد على جرائم الاحتلال بمعزل عن أهداف محددة. وهنا تكتسب مهمة إعادة طرح قضية إنهاء الاحتلال وحكمه العسكري الاستعماري على بساط البحث. ووقف عربدة واعتداءات واستباحة المستوطنين على الأرض والزيتون والمزروعات وعلى الأماكن المقدسة. والإفراج عن الأسرى والمعتقلين ووقف قرصنة أموال الضرائب. هذه المطالب لا تنفصل عن الهدف الرئيسي وهو الخلاص من الاحتلال.

يلاحظ هنا غياب المبادرة السياسة من قبل المنظمة وفصائلها، ومن قبل السلطة، ومن قبل المعارضة رغم محاولات التماهي مع الهبة المسلحة، فقد ظلت الخطابات العمومية في مركز الصدارة، وظلت دولة الاحتلال في موقع الهجوم السياسي. بعض الكتاب والمثقفين يتغنى بالبطولة والشجاعة بدون طرح أفكار واقتراح مواقف ونقد سلبيات. مع أن المنتفضين بحاجة الى ربط كل المطالب المستحقة بالمضمون التحرري الذي يعني الخلاص من الاحتلال الاستعماري. بدون برنامج وطني واقعي يصعب ترجمة التعاطف والتحولات الإيجابية في مواقف دول وحكومات ومؤسسات وقوى سياسية واجتماعية الى دعم للشعب الفلسطيني والى ممارسة ضغوط على دولة الاحتلال. عندما تتحول مهمة الخلاص من الاحتلال إلى مهمة مركزية يتوحد عليها الشعب الفلسطيني ومقاوميه الجدد والقدامى، يسهل دعم الأشقاء والأصدقاء لهذه المهمة ويسهل انتزاع زمام المبادرة من دولة الاحتلال وراعيتها الإدارة الاميركية.

لا تنفصل مهمة الخلاص من الاحتلال عن مهمة الخروج من الوضع الفلسطيني الداخلي المزري وبنيته السياسية والتنظيمية والإدارية العاجزة التي أصبحت جزءاً من الأزمة وعقبة أمام تطوير طاقات الشعب الفلسطيني. ومن الطبيعي أن يتضمن البرنامج الوطني الجديد مهمة إعادة بناء المؤسسة الوطنية على أسس ديمقراطية وعلى قواعد التحرر من كل وصاية او تدخل خارجي، وفتح الأبواب أمام تجديد البنية السياسية من الكفاءات الوطنية بعيدا عن التقاسم الداخلي والخارجي وشراء النفوذ والابتزاز والاتفاقات السابقة التي عمقت الأزمة الداخلية وكرست بنية مشوهة.

إعادة البناء تبدأ من الاتحادات الشعبية -كتاب ومرأة وطلاب وشبيبة – وتشمل النقابات العمالية والاتحادات المهنية والحركات الاجتماعية. وتمر عبر انتخابات المجلس التشريعي والرئاسة والمجلس الوطني، بعيداً عن نظام «الكوتا» الذي عفا عليه الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى