شؤون فلسطينية

من الرؤيا الى الواقع..اقتراحات عملية لحل الدولتين

مركز الناطور للدراسات والابحاث

أسهم انشغال العالم بالقضية النووية الإيرانية، والثورات العربية التي اجتاحت معظم الدول العربية، في نسيان العالم العربي والغربي لقضية النزاع  الفلسطيني – الاسرائيلي، والتي دحرت عن رأس جدول الاعمال لمعظم دول العالم.

ولذلك فإن هذه الدراسة ستركز على دراسة “كيف” وليس “ماذا”: أي كيف سنخلق حلاً عمليا يضمن إقامة دولتين قوميتين، دولة قومية ديمقراطية للشعب اليهودي، وأخرى للشعب الفلسطيني، ويجب أن نوضح هنا بان هذه الدراسة تركز على المسيرة السياسية المبذولة في هذا الجانب.

الرؤيا الصهيونية والمصالح القومية لـ”إسرائيل

جاء في ميثاق إعلان استقلال “دولة إسرائيل”: “…من الحق الطبيعي للشعب اليهودي أن يعيش ككل الشعوب تحت سلطته ذاته في دولته السيادية”، اليوم يستدعي تحقيق الرؤيا الصهيونية للوطن القومي للشعب اليهودي حلا سياسيا للنزاع الاسرائيلي – الفلسطيني.

فالأساس الاخلاقي والصحيح لمواصلة وجود “دولة إسرائيل” بصفتها الدولة الديمقراطية للشعب اليهودي سيقر من خلال تثبيت حدود إسرائيل، في ظل الانفصال عن الفلسطينيين، في التسوية الدائمة – التي ستحقق عبر المفاوضات بين الطرفين، وكنتيجة لذلك، كما شدد رئيس الوزراء نتنياهو في خطابه في الكونغرس الامريكي في ايار 2011، “ستكون حاجة الى اخلاء المستوطنات”، نتنياهو قال في خطابه: “مكانة المستوطنات ستتقرر في المفاوضات فقط، ولكن علينا أن نكون صادقين، وعليه فاني أقول اليوم شيئاً يجب أن يقال علنا من كل شخص جدي في السلام، في أي اتفاق سلام ينهي النزاع فان بعض المستوطنات ستكون خلف حدود إسرائيل”.

إن سياسة كل الحكومات الإسرائيل منذ بداية المسيرة السلمية، قبل عقدين من الزمان، قامت على اساس انهاء النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني بالمفاوضات فقط، ونحن لا نقترح الخروج عن هذه السياسة، ولكن كخيار اضطراري، الى جانب السعي الى المفاوضات ومع ادارة المحادثات عمليا، نقترح أن نُعد بعناية البنية التحتية لخطوات من طرف واحد تؤدي الى الانفصال عن الفلسطينيين، سلم الاولويات في سياسة إسرائيل يجب أن نشرحها أولا وقبل كل شيء للجمهور الاسرائيلي، كما ينبغي ايضاحه مسبقا للقيادة الفلسطينية والأسرة الدولية.

هناك بعض المميزات الاستراتيجية لهذا الفهم، الذي يسمح في ظروف مناسبة بتنفيذ خطوات مستقلة من جانب “اسرائيل”:

1-   فهو سيضمن أغلبية حقيقية وديمقراطية في نطاق الحكم الفاعل “لدولة اسرائيل” ويقلص الخطر الكامن في دولة ثنائية القومية على الرؤيا الصهيونية، كما سيسهل بناء قوة ردع استراتيجي فاعل.

2-   سيسمح في المستقبل بإقامة حدود دائمة “لدولة اسرائيل”، وكفيل بان يحث اعترافا دوليا بمكانة القدس اليهودية كعاصمة لـ”اسرائيل”.

وأخيرا، فان الانتشار على خط الجدار الأمني، أو على أي مسار معقول تقرره الحكومة، وإخلاء المستوطنات من شرقي هذا الخط سيؤدي الى تعزيز – وان كان مؤقتا – لمكانة “اسرائيل” الدولية.

لا مجال للافتراض بان الانفصال – سواء كنتيجة للاتفاق، وإن كان جزئيا أو متدرجا أم كنتيجة لخطوات احادية الجانب من اسرائيل – سيحرر اسرائيل من التهديدات التي تواجهها، ومع ذلك فانه كفيل بان يخلق أفقاً جديداً ومتفائلاً للرؤيا الصهيونية، كما سيسمح لاسرائيل بتوجيه جل جهودها ومقدرتها لمعالجة مشاكلها الداخلية، في ظل التركيز على مسألة الفوارق الاقتصادية – الاجتماعية وبناء مجتمع عادل، في هذا الاطار يمكن أن نتوقع بان تخصص اسرائيل مقدرات اقتصادية – موجهة اليوم للحفاظ على الوجود المدني في الضفة الغربية – لتحسين أجهزة التعليم والرفاه، كمدخل لخلق مساواة في الفرص.

نموذج جديد للمسيرة السياسية: خلق واقع دولتين

في هذه الأيام من الحيوي جداً بلورة نموذج جديد للمسيرة السياسية، يبث في الطرفين احساسا بالتقدم والأمل، ويسمح بالعودة السريعة إلى المفاوضات على أساس قراري 242 و338 لمجلس الامن في الامم المتحدة، وبتعبير اخر – حدود على اساس خطوط حزيران  1967م مع تبادل للأراضي، كما وتفترض المصلحة الاسرائيلية العمل بالتوازي مع السعي لاستئناف الحوار السياسي واستنفاده أيضاً من خلال اتخاذ سياسة مبادرة ومستقلة لحكومة اسرائيل، على مثل هذه السياسة أن تكون منسقة جيدا بشكل وثيق ومسبق مع الاسرة الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، كجزء أساس في الاستعداد لواقع اقليمي من دولتين لشعبين.

البديل المقترح هنا يقوم على أساس خطوات بناءة احادية الجانب تكون بناءة، وهذه يمكن أن تأتي من جانب اسرائيل وحدها، أو من جانب الفلسطينيين، بل وفي حالات معينة ان تتم بشكل متبادل وبالتنسيق.

خطوة احادية الجانب تكون بناءة اذا كانت لا تتعارض ورؤيا الدولتين للشعبين بل وتحث عمليا واقع الدولتين، وتكون نتائجها المباشرة  لا تشكل عائقا امام عودة الطرفين الى طاولة المباحثات، ومن الحيوي كما أسلفنا، ان تكون خطوة كهذه منسقة مع الاسرة الدولية، ومثل هذه الخطوات تتيح تلطيف حدة النزاع من خلال الخلق التدريجي لواقع الدولتين، وهي ليست مشروط باستئناف المفاوضات أو بتقدمها، وذلك بالتوازي مع التطلع الثابت نحو استنفاد المفاوضات للاتفاق الدائم، او على الاقل الوصول الى تسويات انتقالية (كاتفاق جزئي، اتفاق متدرج، اتفاق انتقالي وما شابه).

وهاكم بعض الامثلة عن خطوات ملموسة في هذا الاتجاه:

1-   تجميد البناء شرقي الجدار الامني وفي الاحياء العربية في مدينة القدس، ومواصلة البناء في الكتل الاستيطانية وفي الاحياء اليهودية في مدينة القدس.

2-   تطبيق قانون الاخلاء الطوعي والتعويض للمستوطنين الذين يسكنون شرقي الجدار، وهكذا يتاح لمن هم معنيون منهم بذلك الانتقال للسكن في نطاق الخط الاخضر وفي الكتل الاستيطانية، دون صلة بالوصول الى تسوية مع الفلسطينيين، في ظل الحصول على تعويض مناسب على ممتلكاتهم.

2-3- اعداد خطة وطنية باستيعاب المستوطنين الذين يعودون الى “دولة اسرائيل” في حدودها المعترف بها والامنية، سواء بالاتفاق أم بدونه، وستتضمن الخطة عناصر التخطيط المديني، التشغيلي، الاقتصادي، الامني، النفسي والاجتماعي.

الانتشار الامني المقترح

في نظر الفلسطينيين وفي نظر الكثيرين في الشرق الاوسط وفي العالم العربي، من شأن خطوة اسرائيلية من طرف واحد وغير مشروطة أن تفسر كفعل ضعف من جانب اسرائيل، هكذا كانت الرؤيا بعد قرار فك الارتباط عن غزة في 2005، وبعد الخروج من لبنان، قبل خمس سنوات من ذلك.

اضافة الى ذلك، ليس في هذا التخوف بحد ذاته ما يلغي المفهوم بأسره، فإذا ما عملت اسرائيل بشكل  مستقل، بعد أن تكون قد استنفدت على أفضل ما لديها من قدرات في قناة المفاوضات، فسيكون واضحا للجميع بأنها تسعى الى تعزيز أمنها وتثبيت حدودها، من أجل الحفاظ على طابعها كـ”دولة يهودية” وديمقراطية، وسيكون تنفيذاً عاقلاً ومضبوطاً لانفصال غير مشروط سيبث القوة ويزيد الردع وهكذا تتقلص الامكانية الكامنة للضرر الاعلامي.

يجدر بخطة الانتشار الامني ان تأخذ بالحسبان السيناريوهات الاكثر اشكالية من ناحية اسرائيل، بما في ذلك تعاظم الدافعية لدى محافل فلسطينية وإسلامية للمس باسرائيل، دون أن ترغب السلطة الفلسطينية أو أن تكون قادرة على منع ذلك، وعليه فينبغي للانتشار أن يتضمن اظهار القوة، ومنع التهريب والتسلل، ومنع القدرات الصاروخية والردع، وتعلن اسرائيل مسبقا عن سياسة رد فعلها على إطلاق الصواريخ والمقذوفات الصاروخية على أراضيها، وهكذا يتحقق التفهم من جانب الاسرة الدولية لردود فعل اسرائيل ايضا.

ولما كانت الخطوات المقترحة لا تتضمن اخلاءً قهريا للمستوطنين، فانه على اي حال سيبقى الجيش الاسرائيلي أيضا في مناطق الاستيطان والمواقع التي ستخلى طوعيا، وسيبقى لنفسه حرية العمل، كما أنه كلما تقدمت العملية وتحقق الانفصال المدني الاوسع سيبقى الجيش الاسرائيلي في المناطق التي تخلى، وذلك خلافا لخطوة فك الارتباط عن غزة وشمالي الضفة في آب 2005، وتعلن اسرائيل بأنها تحتفظ لنفسها بحرية العمل الامنية التامة وغير المشروطة في الارض المخلاة، رغم الانفصال المدني – السياسي، في حالة أعمال عنف فلسطينية.

الانتشار المدني على خط الجدار (او على كل مسار معقول آخر تختاره الحكومة) سيتم حسب جدول زمني يتقرر مسبقا، وسيتم الايضاح بان الخطوة بأسرها تمت اختياريا من اسرائيل ومن أجل مصالحها، ففي اطار الانفصال المدني، على اسرائيل أن تحتفظ في أيديها أو في أيدي طرف ثالث يكون مقبولا لديها، السيطرة على المعابر بين السلطة الفلسطينية والأردن وغزة والسيطرة على مستوى الفحص فيها، من أجل منع توريد الوسائل القتالية للفلسطينيين مؤيدي “الارهاب”، كما نقترح بان فقط أن يتم بعد ذلك اخراج قوات الجيش الاسرائيلي في نهاية فترة محددة وطويلة من الهدوء، تنظر اسرائيل بالإيجاب في تدخل قوة دولية في المناطق التي أخلتها، وهكذا يمنع فراغ سلطوي – أمني ولا يتكرر الخطأ الجسيم الذي ارتكب في غزة في 2005.

حوار داخلي ومشروع

الأمر المهم للقيادة الإسرائيلية هي بناء ثقة تخلق شرعية للخطوات التي ستقوم بها لحل الدولتين، فالكثير من فئات الجمهور الإسرائيلي سيتضرر جراء عملية الفصل، ومن هؤلاء المتضررين المستوطنين، ولكن ايضا أصحاب الطبقات الفقيرة، المشاركين في الاحتجاج الاجتماعي ونشطائه، ممن من المتوقع أن يعارضوا منح اولوية في الميزانية للمستوطنين الذين سيخلون منازلهم، بينما هم يختنقون تحت مصاعب الوضع الاقتصادي.

ومن غير المستبعد أن تكون حاجة حقيقية لرأب الصدع في الصهيونية الدينية، وعلى رأس ذلك في أوساط معتمري القبعات المحبوكة الذين يخدمون في الجيش الاسرائيلي، من أجل بناء الثقة مطلوب، تسبقها حوار مسبق وجدي مع أصحاب هذه الطبقات، لتحقيق شرعية جوهرية للفعل السلطوي، بالمعنى الديمقراطي الاكثر أساسية: بالضبط ما لم يكن لرئيس الوزراء شارون أن يفعله في فك الارتباط عن غزة وعن شمالي الضفة الغربية في 2005.

الجانب الاقتصادي

على فرض أنه في كل صيغة لتسوية سياسية متفق عليها أو انفصال بمبادرة اسرائيل سيكون مطلوبا اخلاء حتى 100 الف مستوطن، تشير آخر الاستطلاعات الى أنه من بين المستوطنين المرشحين للاخلاء، قد يخلي طواعية نحو 27 في المائة. ولنفترض أن الحديث يدور عن أقل من ذلك لنقل، 20 الف نسمة، يدور الحديث، إذن عن نحو 5 آلاف عائلة في اقصى الاحوال لن تخلي منازلها طوعاً، وعن كلفة اخلاء مقدرة بأقل من 10 مليار شيكل.

يقدر بان الاخلاء الطوعي والاستيعاب اللذين يكونان مخطط لهما مسبقا كفيلان بان يقلصا النفقات بقدر كبير، في ظل توزيع الميزانية على عدة سنوات، وكلما زاد التنسيق في الخطوة بين اسرائيل والأسرة الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، هكذا يزداد الاحتمال في أن يكون تمويل مشروع الاخلاء يتشكل من العناصر التالية: 1. مساعدة امريكية مختصة. 2. تمويل للمدى البعيد بسندات دين حكومية في خارج إسرائيل. 3. تمويل للمدى البعيد بسندات دين حكومية في إسرائيل، تشتريها أساسا صناديق التقاعد وصناديق الاسترداد، ويمكن لهذا التمويل أن يتوزع على ثلاثين سنة فأكثر.

الكلفة المالية للإخلاء لن تنافس النفقات المالية مثل التعليم والرفاه او حتى الامن: فمثل فك الارتباط في 2005، سيكون الانفاق المالي يتجاوز القيد المالي الثابت في قانون اسس الميزانية، وهذه العلاوة للميزانية ستكون فقط في السنوات ذات الصلة وتشطب بعد ذلك.

حسب معطيات مكتب الاحصاء المركزي، فان النفقات المدنية المحددة للحكومة على البلدات اليهودية في الضفة الغربية، وهضبة الجولان بلغت في سنوات 2004 – 2010 بالمتوسط السنوي نحو 215 مليون دولار، اي نحو 1.5 مليار دولار في سبع سنوات، بمعنى أنه يدور الحديث عن نفقات محددة، تأتي اضافة الى الدعم والمشاركة الحكومية التي تقدم الى مواطني اسرائيل في نطاق الخط الاخضر، وبالتوازي في هذه السنوات اقتطعت الادارة الامريكية من الضمانات التي اعطتها لإسرائيل مبلغ نحو 2.3 مليار دولار عقب استثمارات حكومة اسرائيل في البناء في المستوطنات، ثمة في اقتطاع هذا المبلغ ما يعطي فكرة عن حجم البناء في المناطق، بتشجيع مباشر أو غير مباشر من جانب الحكومة.

كما أن لعملية الإخلاء الطوعي فضائل اقتصادية لا بأس بها، وهي تجد تعبيرها في توفير الكلفة المالية اللازمة لتمويل تلك المستوطنات التي ستخلى، تحسن مرجو في الوضع الجغرافي – السياسي والرفع المتوقع للتصنيف الائتماني لإسرائيل، وبالتالي يمكن ان نرى في كلفة الاخلاء الطوعي استثماراً اقتصادياً.

التقدير هو أن الميزانية المطلوبة لإخلاء كامل لـ 100 الف نسمة، هو بضع عشرات مليارات الشواكل. هذا التقدير لا يتضمن كلفة انتشار قوات الامن كما انه لا يتضمن التعويض الذي سيدفع على الاعمال التجارية، والمرافق الاقتصادية، والمباني الصناعية، كذلك المباني العامة وخلق أماكن عمل بديلة، اذا ما تحقق اتفاق مع الفلسطينيين في المفاوضات، فيمكن الافتراض بان بعض هذه الكلفة ستغطى من عموم كلفة اخراج الاتفاق من القوة الى التنفيذ.

 الاستيعاب وإعادة التوطين

استيعاب المستوطنين الذين سيضطرون الى الاخلاء في إطار التسوية، او بموجب قرار مستقل من حكومة اسرائيل، يجب أن يتم في ظل مراعاة المستوطنين فهؤلاء الاسرائيليون سيدفعون ثمنا شخصيا واجتماعيا في التخلي عن مشروع حياتهم الايديولوجي، وكما أسلفنا، فان تغيير الخطاب بين الحكومة وبين قطاع الاستيطان سيكون كفيلاً بان يوسع الدعم النشط من جانب الجمهور المؤيد لحل الدولتين، بحيث أنه سيرى في الاخلاء خطوة جامعة في بناء الحصانة الاجتماعية، وليس التنكر لجمهور اسرائيلي هام، وفي ذلك ما يسهل على مواجهة التحدي المركب الذي يمثله الاخلاء.

وبحسب رؤية اقتصاديين كبار، فان مهمة استيعاب 100 الف نسمة ينتقلون عائدين الى اسرائيل هي على الاطلاق في مجال قدرة إسرائيل، ومع أن السياق ليس مشابها، فمن ناحية عددية واقتصادية ينبغي لنا ان نتذكر بان الدولة والاقتصاد الاسرائيلي استوعبا حتى اليوم موجات هجرة كبيرة بنجاح عظيم.

فمنذ قيام إسرائيل هاجر اليها واستوعب فيها اكثر من 3 مليون مهاجر، وفي بداية الخمسينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي استوعبت اسرائيل نحو 200 الف مهاجر في السنة، كما أن استيعاب موجات اخرى من الهجرة، مثل عشرات الالاف من يهود اثيوبيا – هناك الاستثمار في استيعاب المهاجر عالية على نحو خاص – يشير الى ان الحديث لا يدور عن مهمة مستحيلة، فالناتج القومي وعدد سكان الدولة كانا اصغر بكثير من حجمهما اليوم، وكان الاقتصاد يخضع في حينه لمشاكل اقتصادية عسيرة.

بالنسبة للتخوف في أنه لا يوجد ما يكفي من العروض لحلول السكن، سواء للعائلات أم للتجمعات السكانية التي ستخلى، هنا أيضا بانتظار المتخوفين مفاجئة: في المساحة بين خط حيفا وخط بئر السبع، باستثناء تل أبيب يوجد فائض تخطيطي يمكن ان نستخلص منه تراخيص بناء لنحو 200 ألف وحد سكن، وعلى فرض أن المستوطنين سيخلون على مدار سنتين حتى ثلاث سنوات وعلى فرض ان الحديث يدور عن نحو 20 حتى 25 ألف عائلة في اقصى الاحوال، فان الحديث يدور عن عروض لوحدات سكن في اطار مخططات تفصيلية يوجد فيها ما يكفي من الجواب لهم ولسكان آخرين، وسيضيف تأهيل المخططات وتوسيعها، في ظل ازالة العوائق المختلفة الى هذا العرض عددا لا بأس به من وحدات السكن، وذلك قبل أن نذكر النقب والجليل.

التشريع

لماذا توجد حاجة الى التشريع منذ الآن؟ في ضوء الدروس التي استخلصت من فك الارتباط في 2005، يمكن القول ان تشريع القانون في أقرب وقت ممكن كفيل بان يشجع اولئك المستوطنين البرغماتيين – الذين يسكنون في البلدات المنعزلة ويعرفون أنهم في نهاية المطاف سيضطرون الى الاخلاء – على عمل ذلك بمبادرتهم، وهكذا تتوزع آثار الاخلاء على فترة أطول، ويكون عدد المستوطنين المخلين عند تطبيق الاتفاق السياسي او غيره من الحسم الوطني أقل، والخطوة كلها تكون أقل اثارة للصدمة للمستوطنين والجمهور بعمومه.

استفتاء شعبي

لما كان الحديث يدور عن خطوات حاسمة تتعلق بمستقبل اسرائيل، يبدو أن الحسم بشأنها سيحتاج الى ان يتخذ في انتخابات عامة، بأغلبية خاصة في الكنيست أو باستفتاء شعبي، في اسرائيل لم يجرَ أبدا استفتاء شعبي، وشديد التخوف بان يكون من شأن هذه الاداة أن تستغل الساحة السياسية، التي تعوزها منظومة متطورة من التوازنات والكوابح، والمس بالديمقراطية البرلمانية الاسرائيلية.

في تشرين الثاني 2010 سن في الكنيست القانون المسمى “قانون الاستفتاء الشعبي”، والانتقاد الذي اطلق في حينه تركز على الخطر في أنه في غياب التشريع له كقانون أساس يرتب الالية والشروط مسبقا، ويتطلب ضمانة وحسما بأغلبية خاصة، فمن شأن الاستفتاء الشعبي أن يصبح أداة تحت تصرف السلطة أو اي جهات قوي ذات مصلحة.

ويعطل تبني الاستفتاء كآلية دائمة بقانون اساس، الخوف من استغلاله من قبل ذوي المصلحة، وذلك لان قسما من قواعد اللعب على الاقل تتقرر دون تعلق بالموضوع، بالزمان وبالمكان.

مشروع القانون الاساس كما اسلفنا سيكون لازما لان نرتب بشكل عام موضوع اجراء الاستفتاءات الشعبية، وسيتم الايضاح فيه بان قانون الاستفتاء الشعبي، كقانون أساس يشكل الاطار الوحيد الذي بموجبه ستجرى استفتاءات شعبية في اسرائيل، ونقترح أنه قبل ان تقرر الحكومة أو الكنيست اجراء الاستفتاء الشعبي، ترفع اقتراحا لإجراء الاستفتاء الشعبي الى المستشار القانوني للحكومة للفحص اذا كان موضوع مشروع الاستفتاء الشعبي يتطابق قانونيا والتعريف المقرر في القانون، ومع تلقي إذن المستشار القانوني للحكومة ينقل الاقتراح لقرار الحكومة أو الكنيست، وتلزم نتائج الاستفتاء الحكومة والكنيست.

خلاصة

التقدم غير المشروط لواقع الدولتين القوميتين منذ الان سيسمح لإسرائيل بنقل رسالة، بموجبها لا ترى مستقبلها في المناطق شرقي الجدار، وذلك دون أن تعرض للخطر أمنها في المراحل الانتقالية والتالية لذلك، واذا ما استؤنفت المفاوضات بل وتقدمت، نقترح أن تدار على أساس التوافق بان ما يتم التوافق عليه – يطبق، وهكذا تتغير الصيغة التي استخدمها الطرفان في المفاوضات على التسوية الدائمة “لا شيء متفق عليه الى أن يتفق على كل شيء”، بصيغة تسمح بالوصول الى تسويات انتقالية، والى اتفاقات جزئية ومتدرجة، وهكذا سيكون ممكنا التقدم في المواضيع الجوهرية الاقليمية والامنية دون أن يكون النقاش في مسألتي القدس واللاجئين تعيقان التقدم.

ومع ذلك، في ظل غياب حوار سياسي جوهري، وفي الموعد الذي تقرره اسرائيل في ضوء الانجراف نحو واقع الدولة ثنائية القومية، نقترح التقدم بخطوات احادية الجانب مسؤولة ومنضبطة من اسرائيل، حسب مصلحتها القومية بعيدة المدى، وبالاعداد والتنسيق السليمين المسبقين، في ظل ايضاح النوايا للفلسطينيين، يكون أمل في أن يتبين للفلسطينيين بان اسرائيل لا تعارض اقامة دولة فلسطينية، اضافة الى ذلك، فان استمرار البناء في الكتل الاستيطانية سيبث رسالة تفيد بان من الافضل للجميع العودة الى المفاوضات، كونه في غيابها سيتقرر واقع دولتين الخط الفاصل بينهما هو مسار الجدار الامني، او كل مسار مشابه تقرره اسرائيل – وهي النتيجة غير المرغوب فيها من جانب الفلسطينيين.

الاسرة الدولية كفيلة بان تتبنى الصيغة المقترحة، وتشجع الطرفين على التقدم بموجبها، بل ان الفلسطينيين كفيلون بان ينالوا تأييد الاسرة الدولية لتنفيذ خطوات احادية الجانب بناءّة من جانبهم.

وسيتلقى الجمهور في اسرائيل رسالة واضحة من حكومته بالنسبة للحاجة العاجلة والحيوية لحل الدولتين، وستدعو خطة الاستيعاب عموم الجمهور في اسرائيل لمساعدة المستوطنين العائدين الى حدود اسرائيل المعترف بها، والشروع في رأب الصدوع في المجتمع الاسرائيلي، والتي نبعت من الخلافات بعيدة السنين في موضوع المستوطنات.

 جلعاد شير – عكا أون لاين – 24/10/2012


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى