أقلام وأراء

منير أديب يكتب – عزلة “الإخوان” أم انهيار التّنظيم؟

بقلم منير أديب – 16/1/2022

عاش تنظيم “الإخوان المسلمين” عزلة اختيارية وإجبارية أيضاً ربما مهدت لانهيار التنظيم؛ عزلة التنظيم الاختيارية مرتبطة بالأفكار التي أعلت من الحس “الانعزالي” والتي زرعها المؤسسان الأولان، حسن البنا وسيد قطب، في عقول الأتباع وقلوبهم، باعتبار أنهم ينتمون إلى “دعوة ربانية” ويعيشون في “مجتمع جاهلي”، وتعريف “الدعوة” في مفهوم التنظيم هو “الجماعة”، هذه العزلة زادت الهوة المتسعة بين الجماعة والمجتمع، وزادت على ذلك العزلة الإجبارية تلك التي فرضتها المجتمعات العربية على التنظيم بعدما انكشف جزء من وجهه القبيح.

 بداية وصول الإخوان الى السلطة في بعض البلدان العربية كان بداية عزلتهم أيضاً من قبل الشعوب التي ثارت عليهم؛ بداية هذه العزلة هي بداية أخرى للانهيار ما زال التنظيم يعيش تبعاته حتى الآن، خلافات الإخوان الداخلية عرض وليست مرضاً، لا يمكن الحكم عليها بأنها سبب تفسخ التنظيم، هي مجرد انعكاس لوضعية التنظيم “المنهار” أصلاً؛ هذه المرة لم تعد الجماعة قادرة على رد المتمردين في داخلها، فهي أكثر ضعفاً مما كانت عليه، وهذا تأكيد آخر أن ما يحدث داخل التنظيم هو دليل الانهيار وعلامة التفكك.

 خلافات الإخوان ليست جديدة، ولكنها ظاهرة طفحت على السطح وربما ظهرت بهذه الصورة التي هي عليها الآن، لأن التنظيم ضعيف وغير قادر على قمعها أو التعامل معها، ولذلك زيادة الخلاف أو ضعفه قد تدل الى ترمومتر الانهيار، ولكنها لا تدل الى تماسك التنظيم. 

 النتائج التي نحكم من خلالها على انهيار التنظيم مبنية على معلومات وقراءة دقيقة لواقع التنظيم، ولا تصب في خانة القراءات المفرطة ولكنها وضعت المعلومات في إطار التحليل المنصف، فمن الخطأ أن نسقط التنظيم عبر الفضاء الإلكتروني بينما واقعه مختلف عن ذلك، دورنا في قراءة التنظيم قراءة دقيقة واستشراف مستقبل التنظيمات الدينية الأكثر تطرفاً حتى تكون هناك فرصة لمواجهتها.

 الصراع شبه حُسم لمصلحة جبهة محمود حسين، الأمين العام للتنظيم، والذي أحيل مع مجلس الشورى الى التحقيق من قبل إبراهيم منير، الأمين العام للتنظيم الدولي، والذي نصّب نفسه قائماً بأعمال مرشد الإخوان، وهو ما دفع بعض المحسوبين على جبهة منير للبحث عن صيغة للحل مع الجبهة شبة المنتصرة، بحث للحل وليس وساطة، فقد انتهت مرحلة الوساطة بين الجبهتين بعد صعود جبهة حسين.

 الهدف من التدخل للبحث عن حل لدى جبهة حسين هو إيجاد صيغة لحفظ ماء الوجه لإبراهيم منير، هذه التحركات من قبل محسوبين على جبهته وليسوا أعضاء في الجبهة، فكل خطوط التواصل ما بين الجبهتين منقطعة تماماً، إلى الحد الذي دفع كل جبهة الى اتهام الجبهة الأخرى بأنها تعمل لمصلحة أجهزة استخبارات، سواء عربية أم أجنبية، فضلاً عن تبادل الاتهامات بالفساد المالي والأخلاقي والإداري.

 محمود حسين بعدما نجح في تعيين مصطفى طلبة قائماً بعمل المرشد ضمن لجنة معاونة بديلاً من إبراهيم منير، يقوم بتدشين لجان إعلامية وأقسام بديلة لتلك التي دشنها منير عندما كان قائماً بأعمال المرشد، وهو ما نسمّيه بترتيب البيت من الداخل، ترتيب من دون وجود منير وكل المحسوبين عليه، جبهة حسين لن تسعى الى فصل خصومها، ولكنها ستتعامل بذكاء حتى يستتب لها الأمر، وهو تجميد عضويتهم، حتى إذا استتب الأمر قامت بعملية اغتيال لكل المخالفين حتى يكونوا عبرة لمن يقفون أمام حرّاس التنظيم وصقوره.

 أصدر محمود حسين قراراً بوقف كل نتائج الانتخابات التي أيدت إبراهيم منير والتي نجح فيها الأخير بإنشاء مكاتب تابعة له، وهي اسطنبول وماليزيا والصومال وقطر، وقد كان “الإخوان” في هذه الدول شبه موالين لإبراهيم منير. الإخوان المسلمون المصريون في هذه المكاتب يمثلون الكتلة الصلبة المؤيدة لمنير، وإن كانت معظم التقارير تؤكد أن “الإخوان المسلمين” المصريين مؤيدون لجبهة محمود حسين، ويمثلون ركيزة الدعم الأساسية له.

يتغنى الإخوان دائماً بأنهم واحة الديموقراطية وأنهم يمارسونها أفضل من غيرهم، وأن مؤسساتهم الداخليه تشهد على ذلك، الحوادث الأخيرة أثبتت بهتان ادعاء التنظيم؛ فنتائج الانتخابات التي أجراها منير في اسطنبول، والتي أتت بحلفائه، بينما استبعدت محمود حسين وجبهته هي من فجر الصراع الذي ما زال يدور رحاه حتى الآن، وهو يدل أيضاً الى فساد المؤسسات الداخلية في التنظيم، فكل من هذه المؤسسات يتهم بعضها بعضاً بالتزوير الفاضح والموالاة للأنصار من دون الالتزام بالقواعد المتعارف عليها في أي انتخابات.

 لا تصور محدداً لدى جبهة إبراهيم منير للتعامل مع جبهة محمود حسين التي حققت نقاطاً، غير أن تستمر في طريقها وتبحث عن خلال وسطاء عن إمكان أن يكون هناك حوار، فجبهة منير تبحث عن حوار أو حوار تهميدي وليس وساطة، فالمنتصر في صراعات التنظيمات الدينية لا يعطي فرصة للمهزوم ولا ينخرط معه في أي وساطة أو حتى حوار بالمعنى الشامل، ولكنه يمعن في الاغتيال المعنوي له حتى لا يكون له أي وجود، ويكون عبرة لمن تراوده نفسه التمرد على القانون الأساسي للتنظيم أو قانون المنتصر عموماً.

 يتم التجهيز للقاء إعلامي معد له سلفاً، سوف يطل فيه محمود حسين ليعلن عودة التنظيم وانتهاء الخلاف، ويحتفل مع أنصاره بنخب الانتصار عبر الإعلام المرئي، سيكون هذا اللقاء على شاشة “الجزيرة” وليس “الجزيرة مباشر”، فأغلب العاملين فيها موالون لإبراهيم منير بعكس “الجزيرة” العامة. اللقاء المرتقب سيديره مذيع غير مصري، حتى لا تلتصق انطباعاته على الحوار الذي تريده “الجزيرة” كإعلان أخير باستتباب الأمور لمصلحة حسين وانتهاء الصراعات والخلافات داخل التنظيم.

جدير بالذكر أن ثلاثة أرباع مكتب الإرشاد العالمي مؤيد لمحمود حسين وجبهته، بينما الثلث فقط مع إبراهيم منير وربما أقل، فضلاً عن أن إخوان مصر ومجلس الشورى كله تقريباً مع محمود حسين، حتى المكاتب الموالية لإبراهيم منير في اسطنبول وقطر والصومال وماليزيا تم تفكيكها  وإجراء انتخابات جديدة أتت ببدائل موالين لمحمود حسين.

 اللقاء المشار إليه في قناة “الجزيرة” سيخرج فيه مهندس الصراع محمود حسين ومديره، لا القائم بأعمال مرشد الإخوان الذي نصّبه حسين، مصطفى طلبة، صحيح أن الأخير سيخرج في لقاءات منفصلة في ما بعد، ولكن الهدف من الظهور هو تمهيد حسين للمنصب ذاته، فهو بمثابة أمين سر التنظيم، الذي يحرك التنظيم بأنامله الخفية، وهو يقوم بدور خيرت الشاطر قديماً!

سيتحدث محمود حسين عن الأزمة ومراحلها وما حدث فيها، ولكن رسالته الأهم والأبرز ستتركز على استتباب الوضع داخل التنظيم، وانتهاء خلاف المختلفين وصراع المتآمرين على التنظيم، وهو ما يمكن أن نطلق عليه الطلة الأخيرة حتى لا تصبح الجماعة بلا رأسين، وهو ما سيحدث  ارتباكاً لمنير ورفاقه بلا شك.

هناك سيناريوهات خاصة بهذا الظهور من قبل إبراهيم منير وجبهته، ولكنها كلها تدور في سياق التصادم، بخاصة أنه يفقد عجلة القيادة يوماً بعد الآخر، وأن جبهة حسين لم تبد أي تفهمات تتعلق بإنهاء الصراع وحفظ ماء وجه منير، قد يتغير الوضع مستقبلاً فتتغير معه السيناريوهات، ولكن المؤكد أن الأمور تسير في اتجاه الصدام المتجدد.

 كل المؤشرات تذهب إلى أننا أمام تنظيمين لا تنظيم واحد، وأن ما يحدث ليس مجرد خلاف ولكنه انهيار لبنية التنظيم، فالجسد الإخواني لم يعد قادراً على التماسك أو الصمود، والتفاعلات الداخلية هي علامة انهيار التنظيم التي لا يمكن أن تخطئها العين المجردة.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى