Take a fresh look at your lifestyle.

منير أديب يكتب – تفكيك “الإخوان المسلمين” بين الحقيقة الواجبة والطّموح الزّائف

0 146

منير أديب – 19/6/2021

متى يتفكك تنظيم “الإخوان المسلمين”؟ وكيف؟ وما الأدوات المستخدمة في عملية التفكيك؟ أسئلة عدة قد تكون محيّرة برغم أنها شغلت بال المراقبين والحركات الاجتماعية ذات البعد الإصلاحي الذين لاحظوا خطورة وجود هذا التنظيم وغيره من التنظيمات المتطرفة على أمن العالم، بل أمن الإنسان. هذه الأسئلة تعرضت لها أيضاً الأنظمة السياسية في دولنا العربية، وحاولت أجهزة الأمن في هذه الدول، بتفاوت، التعامل مع التنظيم، وقد يؤكد ذلك الواقع الذي يشهد على وجوده برغم أن عمره قارب المئة عام.

ولذلك حاولنا الإجابة عن أسئلة بدت صعبة، أو بدت الصعوبة في التطبيق العملي للوصول إلى نتائج تتعلق بالقضاء على التنظيمات المتطرفة، حاولنا أن نفتح نقاشاً مصغراً، لعلنا نضع أيدينا على الجرح ونشخص الحالة بالشكل الذي يُساعدنا على وضع إجابة نموذجية تُساعد صاحب القرار في التعامل مع ظاهرة ألمّت بمجتمعاتنا من عقود.

في البداية لا بد من أن نوضح أن معظم المواجهات التي تعرّض لها تنظيم “الإخوان المسلمين” كانت أمنية وعسكرية، تعاملت مع تفكيك التنظيم، وهدفت إلى جمع معلومات استخبارية ساعدت في هذا النوع من المواجهة، لا نريد أن نقلل من هذه الجهود أو أن نطمس تأثيرها، ولكننا نريد لهذه الجهود أن تصبح أكثر تأثيراً بمشاركة المجتمع بأكمله بمؤسساته المعنية في المواجهة.

تفكيك أي تنظيم متطرف لا بد من أن يرتكز على ثلاث صيغ من المواجهة، لا يمكن أن يُستغنى عن إحداها، وبحسب أولويات هذه المواجهة، تبدو المواجهة الفكرية دائماً المحور المفتقد برغم أهميتها، وهنا تبدو أجهزة الأمن هي التي تحمل عبء مواجهة التنظيمات المتطرفة منفردةً، ولا يظهر أثر هذه المواجهة سريعاً أو لا تبدو لها نتيجة واضحة بسبب غياب بقية مكوّنات المجتمع عن الدور الذي ينبغي القيام به، وهنا تجدر الإشارة إلى أن النّاس اعتادت أن تفهم بطريقة خاطئة أن مواجهة الإرهاب والتطرف مهمة أجهزة الأمن من دون مشاركة المجتمع!

قد يتعامل الجهاز الأمني مع خطر التنظيمات المتطرفة أمنياً، ويفكك منظومة القوة التي يمتلكها هؤلاء المتطرفون وإلقاء القبض عليهم، ولكن يبقى أن يستشعر المجتمع خطر هذه التنظيمات، وأن يكون مساعداً لهذا الجهاز، وأن يشارك في المواجهة بالمعلومات، فلا يمكن لجهاز أمني مواجهة الإرهاب والتطرف من دون معلومات، ولا يمكن أن تتوافر هذه المعلومات من دون المجتمع الذي تتحرك في فضاءاته هذه التنظيمات المتطرفة، فرهان المواجهة الأمنية متوقف على المواجهة العسكرية القائمة على المعلومات التي من شأنها نجاح عملية التفكيك.

المواجهة الفكرية تبدأ من الأسرة والمجتمع، ويأتي دور المعاهد التعليمية والتربوية (المدرسة والجامعة) ثم المؤسسة الثقافية، ودور المؤسسات الدينية لا يمكن إنكاره أو التغافل عنه، فهذه المؤسسة مسؤولة عن تصويب الخطاب الديني وتجديده، ولا نبالغ إذا قلنا إن دورها أكبر من ذلك ويتعدى إلى فكرة تجديد الفكر الديني، حيث الخلط بدا واضحاً بين الفكر والدين، بين العقيدة والتراث، وهنا لا بد من تنقية الفكر والتراث مما علق بهما بما ليس له علاقة بالدين.

لا يمكن للمواجهة أن تصبح ذات تأثير حقيقي ما لم تكن المؤسسة الدينية حاضرة فيها، وأي تراخ منها سوف يؤثر في المفهوم العام للمواجهة، كما أن أي تراخ سوف يؤثر في فكرة المواجهة من أساسها، وهنا لا بد من أن تكون هذه المؤسسة قوية، وهذا يصب في فكرة المواجهة عموماً، كما لا بد من أن تكون لديها رؤية لهذه المواجهة شرط أن تكون مفصلة، وأن تمتلك الأدوات التي تدفعها للمشاركة فيها، فضلاً عن امتلاكها إرادة المواجهة، فلا يُتخيل عدم إيمان المؤسسة بأهمية هذا الدور، أو إذا أصاب بعض علمائها تشويش بخصوص هذه المواجهة، بمعنى أن يختلط الأمر على البعض بين تجديد الخطاب الديني وتأصيله، لا مشكلة في تأصيل الخطاب وفق التصورات الحقيقية للإسلام، بحيث لا يكون هذا التأصيل مناقضاً لمفهوم التجديد، سواء للخطاب أم للفكر، لا أن يكون مناقضاً للتجديد نفسه، وأن تسعى إليه المؤسسة الدينية، وإذا حدث ذلك فلا قيمة لأي تحرك.

لا أحد ينكر دور المؤسسات الدينية في عالمنا العربي، وفي مقدمة هذه المؤسسة الأزهر الشريف في مصر، ولكننا نحمّل هذه المؤسسات جزءاً من المسؤولية، فهذه المؤسسة الوحيدة القادرة على تفكيك أفكار التطرف، ولا يمكن لغيرها القيام بهذا الدور منفرداً، تبدو الأدوار الأخرى مساعدة، فطالما غابت هذه المؤسسة سوف يظل هذا الفكر جاثماً على صدر هذه المجتمعات، وخطر التنظيمات دائماً ليس في السلاح الذي تحمله في يدها بل في الأفكار التي يحملها الأتباع في رؤوسهم، وتبدو أهمية معركة الوعي والدور الفكري في تفكيك الأفكار.

إجابة السؤال الأول الذي طرحناه في بداية المقالة، متى يتفكك تنظيم “الإخوان المسلمين؟” سهلة وميسورة، فهي مرتبطه بامتلاك أدوات المواجهة السالفة الذكر، وأن يدرك المواجهون أن المعركة لا حدود جغرافية لها، ولذلك من المهم إقناع العالم بخطورة الأفكار التي تحض على الكراهية أو التي تدعو الى استخدام العنف، وأثر هذه الأفكار في نشأة التنظيمات الأكثر تطرفاً، وبالتالي أي مواجهة للإرهاب لا بد من أن تشمل “الإخوان المسلمين” إن كانت جادة، ومن هنا لا بد من عبء إقناع العالم بأهمية هذه المواجهة وضرورتها، فضلاً عن مواجهة الدول الداعمة لهذه التنظيمات، وهذا لا يمكن النظر اليه إلا من واقع استراتيجية عامة تتحرك وفق تصور دقيق يحقق نتائج مرحلية حتى ينتهي إلى النتيجة الأكبر، وهنا يمكن أن نحدد بُعداً زمنياً، وفق استراتيجية المواجهة ذاتها والأدوات المستخدمة في هذه الاستراتيجية، وهو ما سوف نفصل فيه القول في مقالات تالية.

لعل الإجابة عن السؤال الأول المطروح تشمل الإجابة عن السؤال الثاني والذي اختصرناه في كلمة واحدة، كيف؟ لا بد من أن يعكف الجميع على وضع رؤى استراتيجية للمواجهة تكون ذات تأثير، ولا بد لهذه المواجهة من أن تراعي خصوصية كل دولة في المواجهة، وأن يكون هناك تنسيق بين كل هذه الدول، فما تحققه دولة ما من نتائج تستفيد منه دولة أخرى، بخاصة أن معظم هذه التنظيمات عابرة للحدود والقارات، وبالتالي هي تلعب على فكرة امتداداتها وعلى قدرتها في نشر الفكرة، وهنا لا بد من أن يكون سقف المواجهة على المستوى نفسه حتى تظهر نتائجه وتكون مؤثرة.

هذه الرؤى الاستراتيجية لا بد من أن يشارك فيها المجتمع من مراكز أبحاث وباحثين على دراية بالبعد الاستراتيجي، وأن تكون لديهم ملكة قراءة التنظيمات المتطرفة وتحليل واقعها وتوقع ردود أفعالها، وسبق وقرأ هؤلاء الباحثون أدبيات هذه التنظيمات بما يتيح لهم المعرفة العميقة، هذه المعرفة سوف تنتهي بوضع استراتيجية مواجهة ذات بعد عميق، ولا بد للكتّاب والمفكرين والأدباء والفلاسفة وعلماء النفس من أن يٌشاركوا في وضع هذه الرؤية، فكل هؤلاء يمتلكون تصوراً قادراً على طمس الأفكار التي تحضّ على الكراهية.

أدوات المواجهة بسيطة وسهلة، تتركز في الإعلام باعتباره وسيلة انتشار عالية الكفاءة، تصل الى الجميع أو الجميع يلجأ إليها للمعرفة، سواء الإعلام الرسمي أم مواقع التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها وتطبيقاتها، العامل المشترك في هذه الأدوات هو الوعي، وعي بحجم المخاطر ووعي بحجم المهمة ووعي بالدور الذي يلعبه الجميع لمواجهة أفكار العنف والتطرف، فمهما كان إخلاص القائمين على هذه المعركة وصدقهم فلا نتيجة إلا بالإعلام ولا أثر للإعلام إلا بالوعي، ولا قيمة للوعي من دون استراتيجية مواجهة تسعى الى تفكيك تنظيمات العنف والتطرف وفق مساحة أكبر للمواجهة، لا أن تكون هذه المواجهة جزئية بحسب الهوى فتضيع الحقيقة الواجبة بين ثنايا الطموح المزيف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.