Take a fresh look at your lifestyle.

منير أديب يكتب – الإستراتيجية الأميركية في مواجهة الإرهاب .. “القاعدة” و”طالبان” نموذجاً

0 160

منير أديب *- 17/7/2021

رسبت الولايات المتحدة الأميركية في اختبار مواجهة الإرهاب وتنظيمات العنف والتطرف التي انبثقت منه، وبدأ انسحابها من أفغانستان يُعزز بعض المفاهيم التي كان يصدّرها البعض بأنها وراء نشأة أغلب التنظيمات المتطرفة، فضلاً عن استخدامها واستثمارها هذه التنظيمات، ويبدو الشاهد هنا أكثر وضوحاً من الدعم الأميركي للمقاتلين العرب أو ما اصطلح على تسميته بالمجاهدين العرب عام 1979 إبان الغزو السوفياتي لأفغانستان، وهنا تحدد دور الاستخبارات المركزية الأميركية في دعم هؤلاء المقاتلين، الذين كوّنوا في ما بعد نواة تنظيم “قاعدة الجهاد”، والذي ضرب برجي التجارة العالمي عام 2001.

الأهداف الأميركية من وراء دعم “المقاتلين العرب” الذين شكلوا في ما بعد نواة تنظيم “القاعدة”، أخطر التنظيمات المتطرفة العابرة الحدود والقارات، والذي أذاق العالم الويلات من شرقه إلى غربه على مدار أكثر من أربعين عاماً، كان مفهوماً، وقد تمثل في إسقاط الخصم السوفياتي وإضعافه حتى تفكك في كانون الأول (ديسمبر) من عام 1991. لم تنتبه الولايات المتحده الأميركية إلى ضرورة مواجهة خطر التنظيمات المتطرفة التي دعمتها لمواجهة السوفيات، أحضرت أميركا العفريت من دون أن تصرفه، ليس هذا فحسب، بل ادّعت أنها تواجهه وهي في الحقيقة تقدم له كل الدعم!.

مر على هذه الحوادث قرابة نصف قرن، ولكن ما زالت ذاكرة العالم العربي تحكي تفاصيلها وتدرك أبعادها ومراميها، ولعل الولايات المتحدة تُعيد تكرارها مرة أخرى من خلال انسحابها من أفغانستان، من دون أن تقضي على تنظيم “القاعدة”، فما زال زعيمه أيمن الظواهري حراً طليقاً، ومن المهم أن نذكر في السياق أنها لم تقتل أسامة بن لادن، إلا بعد 10 سنوات من غزو أفغانستان، بما يعزز فكرة الفشل في مواجهة الإرهاب، وإذا أسأنا الظن قلنا إنها لا تريد أن تقضي على الإرهاب.

من ضمن أسباب استمرار الإرهاب هو دعم الدول الكبرى له أو على الأقل استثمار وجوده، فهذه الدول تدعم هذه التنظيمات من أجل مصالح سياسية ضيقة، وهذه التنظيمات ليس لديها مشكلة في التعامل مع الولايات المتحدة، رغم أن بعضها يدّعي عداءه لأميركا في العلن، عداء مزيف لا نحرض عليه ولكننا نرصد أبعادة من خلال الاتصال الوثيق بين هذه التنظيمات وأمبركا، الدول الكبرى تمثل بيئة حاضنة لجماعات العنف والتطرف، وتعيد توظيفها في ما يخدم أفكارها، وبالتالي سوف يظل الإرهاب موجوداً في العالم حتى ترفع هذه الدول يدها عن تنظيماته، أو أن تضع رؤية لمواجهة الإرهاب تكون أكثر حزماً.

انسحاب أميركا المفاجئ من أفغانستان ومن دون تنسيق مع الحكومة الأفغانية صبّ في مصلحة هذه التنظيمات وأحرجها، فأفغانستان على شفا كارثة محققة، فـ”طالبان” تسيطر على أكثر من 85% من الأرض، وسوف تسيطر على باقي المدن الكبيرة، ولكنها فعلت ذلك على مراحل، ولا مانع لدى واشنطن من عقد صفقات مع “طالبان” عندما تصل إلى السلطة إذا كان ذلك مجدياً لها ويحقق مصالحها!.

باختصار شديد، لا تشعر الولايات المتحدة الأميركية بخطر صعود “طالبان” الى السلطة، ولا تصدر “القاعدة” مشهد الجهاد العالمي، ربما تكون مقاييس الولايات المتحدة للخطر تختلف عنا، ولعل الفارق في أن أميركا لا ترى خطراً من هذه التنظيمات، فكما تراها شراً فهي تراها أيضاً أداة لتحقيق مصالحها، بل تقوم على دعمها، الأخطر أن أميركا ترى أنها تخلصت من خطر بقائها في أفغانستان، فالخطر في وجود هذه التنظيمات وليس في الانسحاب من أمامها.

انسحاب أميركا أمام “قاعدة الجهاد” و”طالبان”، ربما لم يشهده العالم من قبل، ولن يشهده من بعد، بخاصة أن عواصمنا العربية تضغط من أجل مواجهة أكبر وأكثر تأثيراً، وألا تراعي أي أبعاد سوى مواجهة عسكرية لهذه التنظميات بعيداً عن أي مصالح سياسة خاصة سوى مواجهة هذا الخطر، من دون الخلط بين المصلحة السياسية الضيقة والهدف الأسمى المنشود في مواجهة خطر هذه التنظيمات.

إذا أردنا تقويم التجربة الأميركية في مواجهة الإرهاب على الأقل خلال العقدين الماضيين، فعلينا أن نستحضر دور واشنطن في أفغانستان الآن وقبل عشرين عاماً، عندما حزمت ترسانتها العسكرية إلى كابول بهدف إسقاط حكومة “طالبان” وتفكيك تنظيم “قاعدة الجهاد”، وها هي الآن تعود إلى قواعدها بينما تتأهب”طالبان” للسيطرة على كامل الأراضي الأفغانية، فقد نجحت هذه الحركة في السيطرة على أكثر من ثلاثة أرباع الأراضي الأفغانية قبل أن تتم الولايات المتحدة انسحابها الكامل.

ويضاف لذلك أن تنظيم “القاعدة” ما زال موجوداً وما زالت واشنطن تضع مكافأة لمن يُدلي بمعلومات عن زعيمه أيمن الظواهري، وكل التقارير الاستخباريه تؤكد أن التنظيم يتأهب هو الآخر لتصدر المشهد الجهادي، بعد سقوط “داعش”، وهذا يدل على فشل أميركا في مواجهة الإرهاب على المستوى الدولي، وأمام هذه المواجهة المرتعشة للإرهاب غير ذات القيمة، في المقابل نجد واشنطن داعماً أساسياً ورئيسياً لحركة “الإخوان المسلمين”، فهي من أكثر الدول التي استخدمت هذا التنظيم ووظفته لخدمة مصالحها في الشرق الأوسط، وهو ما صب في مصلحة تيارات العنف والتطرف، وربما زاد الأمر صعوبة على الدول التي ترفع على عاتقها فكرة مواجهة الإرهاب.

العالم الآن على أعتاب قيام إمارة إسلامية في أفغانستان تسيطر عليها “طالبان” أو تقوم هذه الحركة بتأسيسها، هذه الإمارة لاقت دعماً إيرانياً ومباركة تركية، بينما تنظيمات الإسلام السياسي بدأت تستعد للسفر إلى أفغانستان، والتي تعد الدولة الأكثر أماناً بعد سيطرة حركة “طالبان”، التي رفضت من قبل تسليم أسامة بن لادن للقوات الأميركية ودفعت ضريبة المواجهة على مجرد رفع الغطاء عن تنظيم “القاعدة”، ولذلك سوف يظل التنسيق المتبادل بين “القاعدة” و”طالبان” وسوف يزداد بعد خروج القوات الأميركية بكامل عتادها من أفغانستان.

أفغانستان التي شاركت أميركا في تدشينها ووفرت لها كل الظروف السياسية والعسكرية، ها هي الآن تقدم لها دعماً جديداً ومساحة من تصدّر المشهد الجهادي بعدما سيطرت عليه “داعش” لفترة، فرغم أن أميركا بقيت في أفغانستان لعقدين كاملين من دون مواجهة حقيقية لتنظيم “القاعدة”، بدليل وجود قياداته في أفغانستان وعلى رأسهم أيمن الظواهري، فإنها الآن تترك أفغانستان ساحة لنشاط “القاعدة” حتى يعمل بأريحية شديدة وتحقيق أهدافه المرجوة.

العالم أمام كارثتين، أولاهما بعد سيطرة “طالبان” على الحكم في أفغانستان، وهو أمر محقق لا ريب فيه، وبدء نشاط “القاعدة” العلني، أما الكارثة الثانية فهي تراجع أميركا خطوة الى الوراء، هذا التراجع لم تستطع واشنطن مداراته، فقديماً كانت تدعم تنظيمات العنف والتطرف في الخفاء إذا كان ذلك مفيداً لمصالحها السياسية، والآن تدعمها في العلن متحدية أي أعراف قد يحملها هذا العبء، وهو ما سوف يدفع ضريبته العالم بأكمله عندما تتحول أفغانستان كما كانت في السابق منصة لتصدير الإرهاب.

عندما نتحدث عن الاستراتيجية الأميركية في مواجهة الإرهاب، إنما نتحدث عن الإستراتيجية الدولية، وعندما نعلن سقوط أميركا في هذا النوع من الحرب، وكأننا نقول إن المجتمع الدولي ليس لديه ما يستطيع أن يقدمه في هذه الحرب، ليس هذا فحسب، ولكن أن يتحول هذا المجتمع إلى داعم لهذه التنظيمات فهذا هو الأخطر، وهو ما يتحقق على أرض الواقع من خلال انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، وهو ما سيعطي فرصة لإقامة دولة لـ”طالبان” تتحرك فيها “القاعدة” بأريحية شديدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.