#شؤون مكافحة الاٍرهاب

خزائن الإرهاب في أوروبا … والمقاتلون من الشرق الأوسط

منير أديب

منير أديب ٢٤-٤-٢٠٢٢م

تمثل أوروبا الرقم المهم في معادلة الإرهاب حالياً، سواء من خلال دعم بعض عواصمها لتنظيمات الإسلام السياسي الراديكالي أو الاستثمار في هذه التنظيمات، الموجود منها على أراضيها أو الموجود في بعض العواصم العربية والأفريقية. دعم القارة العجوز للتنظيمات المتطرفة أخذ صوراً وأشكالاً مختلفة، منها توفير الملاذات الآمنة لهذه التنظيمات، كما باتت أوروبا محفظة مالية للكثير منها، رغم القيود القانونية المفروضة على التحويلات المالية في عواصم هذه القارة!

تظن القارة الغنية أنها بعيدة من الاستهداف المباشر للتنظيمات المتطرفة، وأن الإرهاب محلّه الشرق الأوسط فقط، بحكم أنه نشأ في هذا الشرق، رغم أن الكثير من تنظيمات الإسلام السياسي عابرة للحدود والقارات، فما تُشكله هذه التنظيمات من خطر على أمن الشرق الأوسط يصل تهديده إلى الغرب كله ولا نبالغ إذا قلنا العالم بأجمعه، فهذه التنظيمات تسعى لاختراق كل دول العالم تحت عنوان “الأممية” أو الخلافة التي تراها فرضاً لإقامة الإسلام، ومن خلال سعيها لإقامة دولة الخلافة تمارس القتل.

رحبت أوروبا بوجود تنظيمات الإسلام السياسي وعملت على دعمها، بدعوى أنها تدافع عن قيم الحرية والديموقراطية وتفتح ذراعيها للاجئين والمضطهدين في كل مكان؛ وهذه صفات لا يختلف عليها أحد ولكنها في الحقيقة مبرر للدفاع عن قادة وأمراء التنظيمات المتطرفة، أو على الأقل هي بمثابة إيجاد مبرر للعنف الذي تعرضت له أوروبا جراء هذا السلوك، وهنا نقول إن أوروبا شريكة في دعم العنف والتطرف بكل صوره وأشكاله، وأن تشريعاتها القانونية تحتاج إلى مراجعة بحيث تفصل ما بين احترام القيم المذكورة وما بين مواجهة الإرهاب وقادته.

السؤال الذي يطرح نفسه، هل أوروبا عازمة بشكل حقيقي على مواجهة الإرهاب؟ وإذا كانت كذلك فما أسباب تأخرها في خوض هذه المواجهة؟ ولماذا تتعامل بانتقائية مع التنظيمات المتطرفة وتقدم مصلحتها السياسية على مواجهة هذه التنظيمات؟ الإجابة عن هذه الأسئلة يفتح النقاش حول الدعم الذي تقدمه القارة العجوز للتنظيمات المتطرفة، والتي استخدمت الأراضي الأوروبية مركزاً لإنطلاقها وقاعدة لعملها بعد مواجهة أغلب هذه التنظيمات في منطقة الشرق الأوسط، التي شهدت ولادتها في الخمسينات من القرن الماضي.

رحبت أوروبا وما زالت، بأمراء العنف والتطرف واللاجئين من تنظيمات الإسلام السياسي، فكانت لندن، على سبيل المثال، محط أمراء العنف في التسعينات من القرن الماضي، عندما خاضت الجماعة الإسلامية المسلحة وتنظيم “الجهاد الإسلامي” حرباً ضد الدولة المصرية وضد المواطنين سواء كانوا خصوماً سياسيين أو أقباطاً مصريين مختلفين معهم في العقيده.

هؤلاء المتطرفون اتخذوا من العواصم الأوروبية مستقراً لهم حتى انتشروا تحت لافتات، المراكز الحقوقية التي أنشأوها والجمعيات التي مثلت ستاراً لأدوارهم وأهدافهم أو المراكز الإسلامية التي كانوا يستخدمونها في الانتشار وتجنيد المسلمين في هذه البلدان، فضلاً عن ممارسة أنشطتهم من خلالها بشكل علني من دون أي مواربه حتى باتوا مؤثرين في أوروبا ومحركين لأنشطة التنظيم في الوقت نفسه في الشرق الأوسط.

هناك مشكلة لدى الغرب عموماً، فأوروبا ترفض وضع إجراءات تتعلق بمكافحة الإرهاب والتطرف أو لعلها فعلت ذلك، ولكنها في المقابل سمحت لـ”الإخوان المسلمين” بالعمل من دون أي تعقب، وهي تعلم خطر هذا التنظيم ووفرت له حماية كما وفرت رعاية لكل تنظيمات العنف والتطرف من دون استثناء والذي بات الباب الرئيسي للعنف ومحطته الأهم، فلا يمكن مواجهة الإرهاب وتنظيماته من دون مواجهة “الإخوان” وخطرهم، وهو ما لم تفعله أوروبا أو تباطأت في اتخاذ خطوات حقيقية في هذا الشأن.

بدأ نشاط تنظيمات الإسلام السياسي في أوروبا قبل أكثر من ستة عقود. نجحت هذه التنظيمات خلال هذه الفترة الطويلة في استثمارات مالية وإنشاء شركات تُستخدم أرباحها في خدمة هذه التنظيمات وليس في خدمة المسلمين، مثلها مثل الأموال التي تتحصل عليها هذه المراكز في بعض العواصم تحت عنوان، برامج دمج المسلمين في هذه الدول، وباتت تنفق على أهداف التنظيمات ومشروعها وليس على المسلمين أو ما يخدم الهدف الذي من أجله أنفقت بعض الدول الأوروبية هذه الأموال.

خطورة “الإخوان” في أوروبا ليست في ممارستهم للعنف وإنما في خلق بيئة العنف التي تحركت على قاعدتها كل التنظيمات المتطرفة، سواء المحلية أو الإقليمية أو التنظيمات المتطرفة ذات الامتداد القاري التي نجحت في اختراق السياج الأمني لهذه البلدان ونفذت عمليات إرهابية، وهذا الدور غير المعلن هو الأخطر في المواجهة لأنه هو من يوفر الحماية للجماعات المتطرفة.

هذا هو خطر “الإخوان المسلمين” الحقيقي، فالجماعة أذكى من أن تدخل في صدام مباشر مع الحكومات الأوروبية في البلدان التي يتواجدون فيها بقوة، ولكنها نجحت في توفير البيئة الحاضنة لكل المؤمنين بمشروعها أو القريبين من أفكارها، من دون أن تصطدم بالقوانين المعمول بها في أوروبا، وهنا نجحت في تحقيق أهدافها من دون أن تواجهها أوروبا، بل دخلت معها في شراكة تتعلق بالقيام بأدوار تتوافق مع بعض العواصم الأوروبية ويتعلق بعضها بالضغط على الحكومات العربية مقابل دعمها مالياً وتوفير حماية لها بعد توفير بيئة تواجدت فيها هذه التنظيمات في أوروبا.

بدأ اهتمام “الإخوان المسلمين” بالغرب في الخمسينات من القرن الماضي، وتحديداً في العام 1954 بعد حادثة المنشية وحظر التنظيم في القاهرة على يد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بعد محاولة الاغتيال الشهيرة بميدان المنشية في محافظة الإسكندرية، بعدها هرب “الإخوان” من مصر ومارسوا الدور نفسه بالحس المتطرف نفسه في أوروبا، حتى باتت هذه القارة رهينة لهم ولمخططهم.

نجح “الإخوان” خلال هذه الفترة وما بعدها طوال عقود طويلة في إنشاء هيئات تنظيمية باسم الإسلام ورعاية المسلمين وسيطروا على الموجود منها عبر خطة أتاحت لهم الحديث باسم المسلمين في أوروبا بأكملها، وكانت البداية إنشاء مسجد ميونخ من خلال صهر مؤسس “الإخوان” سعيد رمضان، حتى بات مركز انطلاق لـ”الإخوان” في كل أوروبا.

أموال “الإخوان” في أوروبا قد تكون بمثابة ممرات لتمويل الإرهاب والتطرف بالصورة غير المباشرة وبالشكل الذي لا يُحدث الصدام مع قوانين هذه العواصم. دور “الإخوان” الحقيقي في توفير البيئة والمناخ والأفكار والمنصات الإعلامية والدعم غير المباشر حتى ولو كان معنوياً لهذه التنظيمات، التي تعمل بمفردها ولا تحتاج من “الإخوان” سوى ما تقدمه بالصورة المشار إليها سابقاً.

التنظيمات المتطرفة لا تستطيع أن تستغني عن أدوار تتعلق بالتعامل المباشر مع الأنظمة السياسية في الدول الأوروبية، وهو ما تقوم به جماعة “الإخوان المسلمين” فهي تكفي التنظيمات المتطرفة مؤونة التعامل المباشر مع الأنظمة السياسية الأوروبية.

“الإخوان” يُجيدون التواصل المباشر مع المسلمين في هذه البلدان وتهيئتهم بما يجعل هذه التنظيمات تستقطبهم بسهولة ويسر بعد ذلك، وهنا يمكن القول، إن أغلب من تم تجنيدهم في التنظيمات الأكثر تطرفاً في أوروبا الذين مارسوا عنفاً مروا بصورة أو بأخرى على “الإخوان المسلمين” أو قام “الإخوان” بدور معهم.

استطاع “الإخوان” أن يوجهوا المسلمين في أوروبا إلى التصويت لليسار وليس لليمين في الانتخابات، بخاصة أن برامج الأحزاب اليمينية تتجه نحو تشديد الرقابة على هذه التنظيمات وحظرها، ورغم أن القرار سياسي ويتعلق بحق المواطن في هذا البلد، إلا أن “الإخوان” حاولوا الاستفادة من قاعدتها في التأثير بين المسلمين، من خلال سيطرتها على المراكز الإسلامية في هذه البلدان وتوجيه هؤلاء المسلمين في اتجاه مشروعها السياسي.

هذا يقابله إجراءات أوروبية لم تكن على مستوى المواجهة لخطر هذه التنظيمات، فأوروبا تمثل الأرض البديلة التي يلجأ إليها هؤلاء المتطرفون، فرغم أن هؤلاء يحرضون على العنف في بلدانهم وتحمل رسائلهم تهديدات واضحة وصريحه، وصدرت بحقهم أحكام قضائية إلا أن كثيراً من الدول الأوروبية ترفض تسليم هؤلاء المتطرفين أو محاكمتهم، بل نفاجأ بما هو أخطر وهو ترحيب واستضافة تدفعنا إلى القول إن أوروبا باتت مخزناً للإرهاب لمقاتلي الشرق الأوسط من هذه التنظيمات.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى