أقلام وأراء

المُعطَى الفكري لصراع الهوية عند التنظيمات المتطرفة

منير أديب

منير أديب ١-٥-٢٠٢٢م

إذا كان ثمة صراع يحكم الأيديولوجيات، فإن أساس هذا الصراع هو البناء الفكري للتنظيمات المتطرفة، التي تتسارع إلى هذا السباق؛ فهي لا تؤمن بالتعددية ولا تسمح بها، وإذا سمحت بتعددية فغالباً ما تكون انعكاساً لها وتعبيراً عن ذاتها، وهذه أزمة الأيديولوجيات الدينية في العموم، والتي ترسم من خلالها الجماعات الأصولية صراع الهوية، الذي يبدأ بتمييز أنفسهم وينتهي بعدم الاعتراف بالآخر، والاعتراف هنا يرتبط بوجود هذا الآخر وبأفكاره وبحقه في التعبير عما يؤمن به.
الهوية باختصار شديد هي صورة الذات لدى مجموعة من الأفراد. التنظيمات الدينية في حالة حرب دائمة بسبب هذه الهوية، وهذا دليل على انغلاق الأصوليات الهوياتية لهذه التنظيمات. هذا الانغلاق يؤدي إلى الصراع، كما يؤدي الصراع إلى ممارسة العنف حتماً، كمحاولة لإعادة بناء الهويات داخل المجتمع الذي يُقاتلون بداخله.
وهنا يمكن القول إن التطرف يرتبط في الأساس بأزمة الهوية. إذا تم حل مفهوم الهوية لدى الباحثين عنها غاب الصراع من أجلها، وبالتالي لن يؤدي ذلك إلى البحث عنها أو القتال في سبيلها. الجماعات الأصولية هي جماعات راديكالية، يرتبط صراعها دائماً بفرض الهوية على الآخر، والتي يرسم معالمها من يُقاتل النّاس عليها، وللمفارقة تنظيمات الإسلام السياسي رغم أن كلها تنادي بالعودة إلى الأصول وتحاول أن تفرضها على النّاس إلا أنها تتباين في ما بينها إزاء هذه الهوية، فكل منها له هوية يريد أن يعبر عنها ويفرضها على النّاس.
وهنا يمكن القول إن الذين يدّعون امتلاك الحقيقة الكاملة ويريدون فرضها على النّاس تحت عناوين كثيرة منها “عودة الهوية” مثلاً، هم يفرضون أحكاماً جاهزة على غيرهم، هؤلاء يرسمون طريقهم إلى العنف، وقد يمارسون هذا العنف بذواتهم، أو يُعطون المبرر لاستخدامه من خلال الصراع الذي رسموه بأفكارهم، فيأتي من يعطي الحكم الديني في هذا الصراع، وطالما كان هناك حكم فحتماً سوف يخرج على النّاس من يريد أن يُقيم هذا الحكم بالقتل والتفجير.
خطاب التنظيمات الدينية دائماً منحاز إلى وجود هذا النوع من الصراع، ودائماً الحديث يكون منصباً في زاوية تحقيق انتصارات في هذا المضمار، ومحاولة إغراء الأجيال بأن استمرار هذا الصراع إنما هو انتصار للدين! هو في الحقيقة قراءة لهذا الدين من زاوية ضيقة وخاطئة أيضاً ومحاولة حصره في مفهوم الهوية التي يرون وجوب فرضها على النّاس؛ هذه الأفكار تؤمن بها هذه التنظيمات كأولوية لها وتحكم تصوراتهم للأغلبية والأقلية أيضاً في أي دولة غير إسلامية، فإيمانها بهذا الصراع كأقلية دفعها لقتال الأغلبية!
الصراع الهوياتي في بداياته صراع أفكار ولكنه يتحول إلى صراع أعمار، تقصف فيه الأجيال المتلاحقة كل من لا يؤمن بالهوية الأيديولوجية التي تطرحها المرجعية الدينية لهذا التنظيم أو ذاك، وهنا يمكن القول، إن التنظيمات الدينية التي تعتبر نفسها شريكاً سياسياً هي ليست كذلك، فهي جماعة لها مرجعية دينية هي التي تحكم شكل هذا الصراع وطبيعته، فضلاً عن خَلقه، وهو ما ينفي عنها فكرة المكون السياسي.
التنظيمات الدينية دائماً تفرض على نفسها قشرة خارجية سميكة باسم الهوية، هذه القشرة يصعب اختراقها، فدائماً ما تتحسسها، وما يصعب اختراقه من الخارج يندر اختراقه في الداخل أو يستحيل، ولذلك معركة هذه التنظيمات خارج أراضيها ولا تفرط مطلقاً في هويتها، بل تجعلها مادة للصراع، وترفض أي أفكار ترتبط بالحداثة بوصفها مشروعاً أتى من الغرب لضرب ثوابت الدين والعقيدة!
في هذا يقنع الأصوليون غيرهم بأنهم يخوضون حرباً “دينية” “مقدسة” نيابة عنهم، وأن هذه الحرب لها شقان، أحدهما طرف يُعبّر عن الدين، فهكذا يصف هؤلاء الأصوليون أنفسهم، وطرف آخر وضعوه في مواجهة مع الدين، وهم الحداثيون، الذين يرفضون القمع باسم الهوية، كما يرفض هوية هؤلاء الأصوليين، وهناك فرق شاسع بين الهوية والدين، فنحن لم نقترب من مفهوم الدين ولكن تعليقنا على أولئك الذين يبحثون عن صراع هوياتي أخذ صورة الدين وهو ليس كذلك.
نحاول أن نقرب الصورة من خلال بعض الأمثلة التي تبدو حاضرة مع أفكار سيد قطب، والذي بات أكثر تشدداً وتسييساً للدين من حسن البنا، مؤسس “الإخوان” نفسه، لسببين، أحدهما يرتبط بأن أغلب كتابات قطب كانت داخل السجن، فهي تجنح إلى الثأر، إذ إن السجن مثّلَ عامل ضغط عليه ما جعلها أكثر جنوحاً إلى العنف، والسبب الثاني، أن الرجل لم يكن عالم دين، فطبع مقولاته التي اعتمد في جزء منها على كتابات أبو الأعلى المودودي، فخرجت بالصورة التي نتحدث عنها الآن.
تصورات سيد قطب، التي كتبها بعد رحيل مؤسس “الإخوان المسلمين”، هي التي شكلت المنظومة الفكرية للجماعة، كما أنها شكلت أفكار التيارات الأكثر عنفاً، وهو ما يؤكد ما ذهبنا إليه، فالرجل بدأ ظهوره الحقيقي في وقت تهاوت الجماعة على خلفية الصراع السياسي مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، على خلفية محاولة اغتياله في ميدان المنشية بمحافظة الإسكندرية عام 1954. وتصورات قطب هي التي شكلت عقل “الإخوان” وأفكارهم ونقلت التنظيم إلى صراع الهوية الذي كانت تبحث عنه دائماً.
طرح سيد قطب نظريته نحو تحرر العقل، فكانت كتاباته أميَل إلى الثورة على الأفكار القديمة بعد وصفها بالجاهلية المقيتة، بل دعا إلى الانقلاب عليها والكفر بها، وهنا انجرف قطب إلى مساحة التكفير مبكراً ودفع غيره ممن تربوا على أفكاره نفسها إلى هذه المساحة، وهنا مارس قطب نفسه العنف عندما أنشأ تنظيماً مسلحاً في العام 1965، فليس منطقياً أن يطرح أفكاراً مسلحة وأخرى تدعو للعزلة والصراع ولا يمارس مع كل هذا العنف بنفسه.
سيد قطب يفرض مفهوم الطليعة المؤمنة التي يرى أن دورها يتحدد في ضرورة فرض برنامج مضاد لأي هويات أخرى تُخالف ما طرحه أو ما يعتقده، فهو يرفض التنوع الثقافي ويرى أنه يخالف مفهوم العقيدة الإسلامية القائمة على الوحدانية! وبالتالي أي صورة قد تُشارك النّاس في الحكم فهي كفر، بغض النظر عن حكمه المطلق، فقد كان باباً واسعاً للقتل والتفجير والانقلاب، فالمؤمنون به لا يرون غيره وبالتالي كانت أحكامهم ولا تزال جاهزة في سياق صراع الهوية.
تنطلق تنظيمات الإسلام السياسي وبقية الجماعات الدينية وفي مقدمها “الإخوان المسلمون” من مساحة تفكيك العالم الإسلامي وإعادة بنائه من جديد في سياق صراع الهوية؛ فهذه التنظيمات تسعى إلى التفكيك حتى تقوم بإعادة البناء ولكن وفق تصور رمزي للوحدة والعالمية وفق المفهوم الديني طبعاً.
التقسيم الذي زرعه سيد قطب للمجتمع سمح في ما بعد بتكوين جماعة دينية أطلقت على نفسها “جماعة المسلمين” أو “جماعة التكفير والهجرة”، هذه الجماعة خرجت من رحم “الإخوان المسلمين”، فقد انشق زعيمها شكري مصطفى من الجماعة الأم، وهو تربى على أفكار قطب التي بلورها في هذه الجماعة.
المفهوم الذي طرحه سيد قطب والخاص بالهوية والذي شكل ملامح تنظيم “الإخوان المسلمين” هو بمثابة القاعدة الأيديولوجية التي شكلت في ما بعد جماعات العنف والتكفير والتفجير، فكلها استقت من قطب والبنا، الأول طور الفكرة والثاني أنشأ الهيكل التنظيمي لهذه الفكرة والتي سارت في المجتمعات كما تسير النار في الهشيم.
وهنا يمكن القول إن خطر “الإخوان المسلمين” الحقيقي ليس في وجود التنظيم ولا في نشاطه، فبسهولة شديدة يمكن مواجهة التنظيم وتفكيكه كما يحدث الآن في عدد من العواصم العربية، وإنما في الأفكار التي باتت تمثل مرجعية للعزلة والتطرف، وباتت كل التنظيمات الدينية تستقي أفكارها منه، وهو ما يُطلق عليه بصراع الهوية الذي تفرضه الجماعة على أي مكان تحل عليه وعلى أي مجتمع تعيش فيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى