مناورات المحافظين الجدد - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

مناورات المحافظين الجدد

0 125


كتب
: David Remnick – News Desk

قسم الترجمة – 16/9/2012

 أخبرني الفيلسوف السياسي أفيشاي مرغليت أن نتنياهو يعاني «أوهاماً ومغالاة مرضية». فيغرق هذا السياسي في إحساسه بأنه يضطلع بمهمة بطولية ويعتمد على هذا في كل خطواته، متجاهلاً الخيارات والتحليلات الأخرى التي يطرحها حتى أقرب مستشاريه.

من الصعب تقدير المخاطر التي يشكلها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على مستقبل بلده. فبصفته رئيس وزراء، تفوق على أي سياسي إسرائيلي آخر في تعزيز القوى الرجعية في إسرائيل وتوسيع انتشارها، والقضاء على الاحتمال الضئيل للتوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، وعزل بلده عن المسرح الدبلوماسي العالمي. يبدو نتنياهو اليوم مصمماً أكثر من أي وقت مضى على قطع كل الروابط مع رئيس الولايات المتحدة، لأنه حليف حملة ميت رومني، والتحول إلى عامل في انتخابات عام 2012، عامل يضاهي بأهميته أبرز لجان العمل السياسي (Super PAC). حتى ان شاوول موفاز، زعيم المعارضة، سأل نتنياهو أخيراً في الكنيست: “مَن تحاول أن تستبدل: الإدارة في واشنطن أم في طهران؟”.

جاء سؤال موفاز، وزير دفاع سابق شارك في الغارة الشهيرة في مطار عنتيبي الأوغندي عام 1976 مع شقيق نتنياهو، كرد فعل على هجوم رئيس الوزراء على إدارة أوباما في مؤتمر صحافي عقده في القدس. فقد أعلن نتنياهو أمام الصحافيين باللغة الإنكليزية: “يقول العالم لإسرائيل: انتظري، مازال أمامك وقت. لكني أقول: ماذا ننتظر؟ وإلى متى ننتظر؟ فمَن يرفضون في المجتمع الدولي تحديد خطوط حمراء لإيران لا يملكون الحق الأخلاقي ليحددوا خطاً أحمر لإسرائيل”.

لم يخفَ على أحد أن نتنياهو كان يخاطب أوباما، الذي باتت علاقته به شديدة التوتر، ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، التي أعلنت في وقت سابق: “لن نحدد مهلاً زمنية”، بل ستكتفي الولايات المتحدة بالاعتماد على العقوبات الاقتصادية والمسار الدبلوماسي. وقد حددت مقالات عدة في صحيفةThe Guardian وغيرها الفصول الأخيرة من رواية العلاقة الكثيرة الاضطرابات بين هذين القائدين. ففي رحلة قمت بها قبل بضعة أسابيع إلى إسرائيل في مهمة لمجلة The New Yorker، أخبرني الفيلسوف السياسي أفيشاي مرغليت أن نتنياهو يعاني “أوهاماً ومغالاة مرضية”. فيغرق هذا السياسي، وفق مرغليت، في إحساسه بأنه يضطلع بمهمة بطولية ويعتمد على هذا الإحساس في كل خطواته، متجاهلاً الخيارات والتحليلات الأخرى التي يطرحها حتى أقرب مستشاريه. وينطبق هذا أيضاً على عدم ثقته بشكل فطري بكل الفلسطينيين، وكذلك بالمجموعة الواسعة من الخبراء العسكريين والاستخباراتيين داخل الحكومة الإسرائيلية وخارجها، الذين لا ينفكون يؤكدون له أن الهجوم الأحادي الطرف على المنشآت النووية الإيرانية سينتهي بكارثة سياسية ودبلوماسية وعسكرية. يشمل معارضو نتنياهو اليوم القادة الحاليين والسابقين للجيش الإسرائيلي وأجهزة الاستخبارات الكبرى، علماً أن هؤلاء يشكلون غالبية فاعلة في الشعب الإسرائيلي، وهم يخشون مواجهة عواقب بالغة الخطورة، مثل حرب إقليمية وتوحد النظام الإيراني وتشدده لتحقيق هدف مشترك.

في خبر ورد في مجلة The New Yorker أخيراً، ألقى ديفيد ماكوفسكي المزيد من الضوء على الضربة التي وجهتها إسرائيل بمفردها عام 2007 إلى موقع الكبر، منشأة قرب نهر الفرات في سورية اتفقت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية على أنها نووية. قلما يتحدث السياسيون الإسرائيليون علانية عن هذه الضربة. ولكن عندما يخرجون عن صمتهم، يؤكد معظمهم أن ما حدث في الكبر مختلف كل الاختلاف عن الوضع الراهن في إيران، الذي يُعتبر أكثر خطورة بكثير. وينتمي إيهود أولمرت، الذي كان آنذاك رئيس الوزراء الإسرائيلي وأدار عملية الكبر، إلى مجموعة السياسيين الإسرائيليين الذين يعارضون توجيه ضربة إلى إيران، والذين شددوا لماكوفسكي على الاختلاف الشاسع بين الوضع عام 2007 وما نشهده اليوم.

لا شك في أن نتنياهو لا يرى الأمور من هذا المنظار. فيعتبر نتنياهو أوباما (رغم فرضه عقوبات اقتصادية صارمة، تنفيذه سلسلة من العمليات السرية، وممارسته الضغوط الدبلوماسية، وتعهده بعدم السماح لإيران بامتلاك قنبلة) ضعيفاً ومراوغاً. ولم يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي إخفاء عدم ثقته هذا، مع أن السياسيين الإسرائيليين يؤكدون أن التعاون الاستخباراتي والدفاعي بين البلدين في أعلى مستوياته على الاطلاق. لا يثق نتنياهو بالرئيس الأميركي المنتخب، بل يضع كل ثقته بأصدقائه في اليمين الأميركي، هؤلاء السياسيين ورجال الأعمال ومجموعات الضغط الذين لا يحاولون البتة مخالفة إسرائيل رأيها. وبلغ سلوك نتنياهو حداً ظهرت معه على حليفه الأساسي في قرع طبول الحرب، وزير الدفاع إيهود باراك، إشارات تدل على أنه هو أيضاً يعتقد أن رئيس الوزراء قد تخطى حدوده.

لا يُعتبر سلوك نتنياهو هذا جديداً. فخلال ولايته الأولى كرئيس للوزراء في تسعينيات القرن الماضي، اعتاد نتنياهو التعامل بتعالٍ مع البيت الأبيض، حتى إن بيل كلينتون كان يخرج من اجتماعاته معه مذهولاً وحائراً، متسائلاً عمن منهما قائد القوة العظمى. لكن عجرفة نتنياهو، التي تتخذ شكل “إصرار تشرشل”، لم تتضاءل بمرور السنين. وقد حاول أوباما الحد من وطأة الأزمة الأخيرة بينهما، فاتصل بنتنياهو وأمضى ساعة في الحديث معه عبر الهاتف.

وما يزيد الطين بلّة أن أداء نتنياهو هذا لا يؤثر في حلفائه في اليمين الإسرائيلي فحسب، بل في حلفائه في اليمين الأميركي أيضاً، بمن فيهم المجتمع اليهودي. ويتبنى نتنياهو خطاب المحافظين الجدد ذاته كما حملة رومني ورد فعلها الانتهازي تجاه الاعتداءات على المواقع الدبلوماسية الأميركية في القاهرة وبنغازي، التي ذهب ضحيتها السفير الأميركي إلى ليبيا كريستوفر ستيفنز وثلاثة من موظفي القنصلية. فكتب رئيس اللجنة الوطنية الجمهورية رينس بريبس، على موقع تويتر: “يتعاطف أوباما مع المعتدين في مصر. هذا محزن ومثير للشفقة”. حتى إن رومني نفسه اتهم أوباما بالتعاطف مع المعتدين في ليبيا.

تهدف استراتيجية المحافظين الجدد في إسرائيل والولايات المتحدة على حد سواء إلى تصوير أوباما كسياسي ساذج إلى أبعد الحدود. وفي هذه المهمة يتحد نتنياهو ورومني، ونقدهما لاذع جداً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.