أقلام وأراء

أوكرانيا … لماذا 

السفير ملحم مسعود

السفير ملحم مسعود 1.5.2022

إخواني وأحبائي في الوطن والشتات كل عام وانتم بخير … عيد الفصح …  وعيد الفطر …  وكل اعيادنا او من تبقى لنا من  اعياد

 وحالي كما قال شاعرنا المتنبي  :

عِــيــدٌ بِــأَيَّــةِ حَــالٍ عُــدْتَ يَـا عِـيـدُ       بِـمَـا مَـضَـى أَمْ بِـأَمْـرٍ فِـيـكَ تَـجْـدِيـدُ

مناسبة القصيدة: وكان هذا مطلع قصيدته  بعد الجفوة التي حدثت بين المتنبي وسيف الدولة رحل إلى مصر وتقرَّب إلى كافور الإخشيدي، ولما لم يحصل على ما تمناه قرر أن يغادر مصر وكتب هذه القصيدة في هجاء كافور

عودة إلى أوكرانيا :

أوكرانيا حديث الساعة …  تفاصيل حرب أوكرانيا وروسيا 2022 وتطوراتها  صارت من الأدبيات  تتصدّر عناوين الأخبار في وسائل الإعلام عالميًا. وسنتعرف في مقالتنا … الأمر الذي يحتاج إلى مقالات  على ( بعض ) المعلومات عن أوكرانيا وتاريخ  تأسيسها  كدولة مستقلة  وما هي الديانة ودورها  في أوكرانيا.

وفقا للخريطة العالمية : 

 نجد أن أوكرانيا تقع في شرق قارة أوروبا ويحدها من الجانب الشرقي روسيا، ومن الجانب الغربي سلوفاكيا وبولندا والمجر، والجهة الشمالية دولة بيلاروسيا، وبالحديث عن الاتجاه الجنوبي الغربي فتوجد كل من دول رومانيا ومولدوفا، وكل من بحر آزوف والبحر الأسود في الجهة الجنوبية من الدولة … ودلالات ذلك .

وتقدّر مساحة دولة أوكرانيا يأكثر من 600 الف كيلومترا مربعا وهي تحتل المرتبة 44 عالميا من حيث المساحة، وتضم نحو 459 مدينة.

منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، تمتلك أوكرانيا ثاني أكبر جيش في أوروبا، بعد روسيا. يعيش في البلاد 42,7 مليون نسمة ولكن بعد أن شهدت البلاد نزعة انفصالية بمنطقتي دونيتسك ولوهانسك وضم روسيا شبه جزيرة القرم تقلص عدد السكان بشكل كبير-، 77.8% من أصل أوكراني، مع أقليات كبيرة من الروس والبيلاروس والرومانيين ).

خريطة اوكرانيا

وقبل الولوج  في  التاريخ والجغرافيا :

 في مراجعة سريعة عن تاريخ هذا البلد ( أوكرانيا )  وشعبه منذ الإجتياح الروسي للقرم  تاريخيا وسيطرة الإمبراطورية الروسية على جميع الاراضي التي تشكل أوكرانيا المعاصرة لمئات السنين … في أعقاب الثورة الروسية 1917 وما تبع ذلك من الفوضى … إندلعت الحرب الاوكرانية- السوفييتية وسيطر       البلا شفة في عام 1919 على الموقف وفرض الجيش الاحمر في كييف جمهورية أوكرانيا الإشتراكية السوفيتية … وبدأت محاولات التطبيع وفرض الثقافة الروسية … 

وإستمر القمع السياسي ضد الشعراء والمؤرخين والمثقفين الآخرين كما كان الحال في جميع انحاء الإتحاد السوفيتي .

وكماهو معروف في عام 1991   بدات فترة التحولات وتفكك الإتحاد السوفيتي نالت اوكرانيا إستقلالها مرة اخرى وقد شهد  الإقتصاد الأكوراني طفرة كبيرة قبل الركود الإقتصادي بسبب الأزمة العالمية عام 2008 قبل العودة … والإستقرار .

كانت أوكرانيا بين عامي 1923-1991 إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي باسم جمهورية أوكرانيا. الإشتراكية السوفيتية عاصمة الدولة مدينة كييف كما انها اكبر مدنها . وإستعادت البلاد إستقلالها عام 1991 بعد تفكك الإتحاد السوفيتي . وفي أعقاب إستقلالها أعلنت أوكرانيا نفسها دولة محايدة  وشكلت شراكة عسكرية محدودة مع روسيا … وبلدان كومنولث الدول المستقلة بينما اسست ايضا شراكة مع الناتو عام 1994 

وفي عام 2013 ما لبثت أن بدات ازمة سياسية طويلة عندما  ( علًق ) الرئيس الأوكراني حينذاك فيكتور يانوكوفيتش الإستعدادات  لتنفيذ إتفاقية شراكة مع الإتحاد الأوروبي … لتندلع إحتجاجات جماهيرية واسعة والمعروفة ب ( ثورة الكرامة ) وعزل الرئيس الأوكراني من قبل البرلمان في 22 من فبراير 2014 .

وزاد الطين بلة لاحقا عندما ضمت  القوات الروسية شبه جزيرة القرم ومدينة سيفاستوبول الأكورانية منذ عام 1954 ضمن الإتحاد السوفييتي … ضمن حالة عالمية اقرب للصمت من أي شيئ آخر … وما تمخض عنه من  الإضطرابات الواسعة في جنوب وشرق أوكرانيا …  

وللحديث عن القرم  أكثر من أن يُحاط به في هذا المقام .

المشهد العالمي اليوم  اقرب ما يكون عليه الحال بائس بكل المقاييس …  نعيش مرحلة مفصلية …  ما قبل حرب أوكرانيا وما بعدها …  إقتصاد العالم متعثر , إضطرابات الأسواق العالمية  وتراجع التوقعات  … الطاقة بالبطاقة  …. والدفع على الواقف .   

المواد الغذائية تراجع المعروض … بإختصار يعيش عالمنا على وقع  إرتجاجات الحرب وتداعياتها  والاخطر التشققات في المواقف العالمية  خصوصا من قبل منظمات وتجمعات وتكتلات  من الحرب . على سبيل المثال ما يبدو من تصدع في المواقف الأوربية رغم ما بدى من” وحدة ” الصراع حتى الآن .

هذه بعض العناوين السياسية …

( أكتب مساء الامس … وكنت أتابع نشرة المساء الإخبارية جاء فيها تصريحات لرئيس الوزراء اليوناني محذرا من تصعيد العقوبات على روسيا … والاضرار التي قد تسببها للإتحاد الاوروبي … ) 

بات واضحا تباين المواقف الأوروبية بشدة حول أزمة الغاز الروسي، بين مَن يجرّم شراءه مقابل الروبل كما يريد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومَن يراه فعلاً اقتصادياً لا غبار عليه , ضمن اشياء اخرى متعددة .

المهم هنا المواقف السياسية في النزاع نادرا ما تكون ثابتة , وبالتالي قد يكون من الخطا إفتراض ان الوحدة الغربية ستستمر  تلقائيا خلال التحديات القادمة .

أوكرانيا … تعتبر جزءاً لا يتجزأ من عالم روسي أكبر :

عالم تشكل موسكو مركزه السياسي … وكييف مركزه الروحي.

ولأهمية هذا الموضوع من اجل دعم وحصول  ” البركة …  ”  كان  هناك  ضرورة  (خُطب البطريرك)  كيريلي حليف بوتين وما له من اهمية خاصة حيث تعتبر كنيسة  أوكرانيا جزءاً لا يتجزأ من عالم روسي أكبر:

نشرت صحيفة «واشنطن بوست»  تقريرا نشرته القدس العربي , أعدته ايرين كننغهام جاء في بعضه مما قالت فيه إن الأمين العام للأمم المتحدة دعا الأسبوع الماضي إلى هدنة عيد الفصح بين روسيا وأوكرانيا، حيث احتفل المسيحيون الأرثوذكس في كلا البلدين بعيد الفصح يوم الأحد.

وفي الوقت الذي تسبّب فيه الغزو الروسي باضطراب الأسواق العالمية، وأحيا حلف شمال الأطلسي، وأثار تحقيقات في جرائم الحرب …  إلا أنه تسبّب بصدع في الكنيسة الأرثوذكسية، حيث حرّض الجناح الروسي والبطريرك الموالي للكرملين ضد القادة الأرثوذكس في كييف وحول العالم.

 اخيرا ولأهمية دور الكنيسة يجب التنويه بموقف بطريركية القسطنطينية الروحي  و ” الأول بين أنداد ” مع البطاركة الآخرين واحد , لكن البطريرك المسكوني ( برثلميوس ) يعتبر مرشدها …

إنتقد برثلميوس الحرب وكيريل والكنيسة الأرثوذكسية الروسية في اليوم الأول من الغزو … وكان في وقت لاحق في مقابلة مع “سي ان ان … تُرك ” دافع عن قراره منح الإستقلال الذاتي للكنيسة الأرذوكسية في أوكرانيا …

وقال ضمن تصريحاته الصحفية ان التضامن مع الاكرانيين … هو الشئ الوحيد الذي يمكنه التغلب على الشر والظلام في العالم .

 سبق وان كتبنا على صفحات الموقع  مقالنا ( اوكرانيا … طال المخاض   22.3.2022 ) بعض ما  جاء فيه  :

 حتى  تضع الحرب اوزارها  … وقد نكون  فهمنا بعض عناصر الصراع واسبابها  الكامنة منذ مئات السنين …

 سنجد أنفسنا أمام نظام عالمي جديد … عالم آخر … ربما يكون متعدد الأقطاب , لكن عالم جديد … وحصاد ( وقير ) من تداعايت  غير مرئية في الوقت الحاضر على الأقل  … منها السياسية والإقتصادية والثقافية … الخ . وفي ظل ما يقال عن المفاوضات و المحادثات واللقاءات التي لم تحدد مسارا واضحا حتى الآن ينهي القتال  …

لفت إنتباهي قبل أيام ما جاء في مقال لرئيس تحرير صحيفة عربية معروفة   … تصدر من لندن وكأنه يكمل ما بدانا به بوصف الحالة الأكرانية جاء في بعضها : 

إنَّنا نعيش حالياً مخاضاً بالغ الخطورة. لكننا لا نزال في بدايات المخاض ونملك من الأسئلة أكثرَ بكثير مما نملك من الأجوبة… ربما ينتظر زميلنا طويلا …

هل بعثوا القياصرة من مراقدهم ؟؟؟

حركت موسكو جيوشها ووضعت أصبعها على الزناد وفي المقابل لم تجد واشنطن ومعها حليفتها الأهم بريطانيا لترد على التهديدات الروسية إلا بالتلويح بورقة العقوبات الاقتصادية رغماً عن إدراك واشنطن وحلف الناتو أن الروس قادرون على غزو اوكرانيا وفرض واقع سياسي على غرار ما حصل في القرم، تعلم الولايات المتحدة أن سياسة (القضم) ممكنة وابتلاع أوكرانيا ممكن ولكن ليس ببيد واشنطن حيلة

لم يمضِ وقت طويل على 24 فبراير (شباط)، بداية الاجتياح الذي أطلق عليه بوتين صفة ( عملية محدودة) بعدما كان قد حشد ما يزيد على 60% من جيشه مع أرتال الدبابات التي امتدت على مسافة ستين كيلومتراً، وهو ما جعل العالم يتصور أن العملية ستكون خاطفة وسريعة وسيتمكن بوتين من أن يقتلع فولوديمير زيلينسكي وينصّب بديل له في كييف، ولكن أوكرانيا صنعت مفاجأتين: كما يقول راجح خوري 

 أولاً  : صمودها في وجه القوة الروسية التي تمادت في قصف المدن من بعيد،

 وثانيا  : قدرتها على إلحاق سلسلة من الخسائر الكبيرة بالجيش الروسي، وهو ما فاجأ دول العالم قبل بوتين نفسه الذي قام بمعاقبة مجموعات من ضباط المخابرات والميدان، الذين كانوا قد وضعوه في جو مفاده أن السيطرة على أوكرانيا ستكون أشبه بنزهة ولن تحتاج إلى أكثر من أسبوع، وقد علق خبراء على هذا بالقول إنه يبدو أن القادة العسكريين الروس يخشون إبلاغ الرئيس بوتين بما لا يريد أن يسمعه أو يرتاح إليه … إنه عالم ثالث فعلا .

طبعاً لا يمكن تصور خروج القيصر مهزوماً من أوكرانيا … إياكم  والدب الجريح …

 وعندما يقول لافروف إن حرب أوكرانيا ستنتهي بالطبع بتوقيع اتفاق، يتبادر إلى الذهن ما حصل في عام 1939 عندما هاجم جوزيف ستالين فنلندا متوقعاً أن يجتاحها خلال أيام، لكنها قاومت وفشل الجيش الروسي، وبعد مائة يوم من الحرب انتهى الأمر بفقدان بعض من أراضيها لكنها بقيت دولة مستقلة فهل تكون هذه نهاية معركة أوكرانيا على هذا النحو؟.

 إن  سياسات ( القضم … ) معروفة لدي الروس .

يبقى السؤال الكبيروالاهم دائما : 

هل من المصلحة  الأمريكية أن تقاتل روسيا حتى آخر أوكراني وحتى أوروبي ؟؟؟

اليوم وقد جرت مياه كثيرة في النهر … وكُتب وقيل الكثير الكثير حول الحدث وإرتجاجاته وتداعياته العالمية  … ستبقى لأزمنة طويلة يسجلها التاريخ تحت  عنوان ما قبل اوكرانيا وما بعدها .

أوكرانيا … لعنة التاريخ والجغرافيا … مقالنا القادم

وكل عام وأنتم بخير

ملحم مسعود

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى