مكور ريشون- بقلم د. دورون مصا - كيف تبدو ظاهرة منصور عباس نجاحاً هائلاً لحكم اليمين الإسرائيلي؟ - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

مكور ريشون- بقلم د. دورون مصا – كيف تبدو ظاهرة منصور عباس نجاحاً هائلاً لحكم اليمين الإسرائيلي؟

0 131

مكور ريشون  –  بقلم  د. دورون مصا –   7/5/2021

تثير ظاهرة منصور عباس حواراً جماهيرياً وسياسياً ولا سيما بسبب آثارها المحتملة على الساحة السياسية ومسألة تشكيل الحكومة التالية. نقاش شديد يجري في هذا السياق في دوائر “الصهيونية الدينية” أساساً والتي تبدي موقفاً متحفظاً من إمكانية الاعتماد على قائمة  عباس لغرض تشكيل الحكومة. ويقوم التحفظ على أساس موقف يرى في “راعم” كممثلية لحركة الإخوان المسلمين وإن خطوة شراكة سياسية معها تعد فعلاً كمثل حصان طروادة إلى السياسة اليهودية –الصهيونية، وقد تكون له آثار جسيمة للمدى الزمني البعيد.

ولكن هذه المواقف التي تقوم على أساس تضاربات فكرية تفوت المعنى التاريخي الذي يقف خلف ظاهرة عباس والتي لا تشكل فقط نوعاً من إنجاز غير مسبوق لسياسة اليمين الإسرائيلي في مسألة عرب إسرائيل، بل وتنسجم أيضاً مع أساسات السياسة الصهيونية تجاه الأقلية العربية. هذه الأساسات لم تتغير في شيء منذ العام 1948 عندما “ولدت” عملياً في أعقاب الحرب “مشكلة عرب إسرائيل” في وجود أقلية عربية فلسطينية لا بأس بها في الدولة اليهودية التي قامت في أعقاب الحرب.

وصلت العملية ذروتها مع نشر وثائق الرؤيا العربية في العامين 2006 – 2007 عندما طرحت القيادة القيادة مطلباً جعل إسرائيل دولة ثنائية القومية توزع المجال العام، ورموز ومقدرات الدولة بين القوميتين، اليهودية والفلسطينية، بحكم مبدأ المساواة السياسية. والمحاولة العربية لاستخدام فكرة المساواة المدنية لغاية تحطيم نموذج الجيب الصهيوني – اليهودي الذي طبق على الأقلية فشلت بشكل مطلق. وانهيار النموذج الليبرالي والأممي الذي وفر الإلهام للخطوة العربية أدى إلى نتيجة مزدوجة: الأولى، خطوة وضع حدود متجددة للأقلية العربية من قبل الدولة اليهودية – الصهيونية؛ والثانية إعادة تعريف جوهر المجال الوسط الذي تحدد للأقلية العربية.

في هذه النقطة قام اليمين الإسرائيلي بالثورة الفكرية الكبرى، وعملياً استبدل فكرة المساواة المدنية التي حددتها حكومات اليسار منذ منتصف  السبعينيات من القرن الماضي بفكرة الاندماج الاقتصادي الذي قام على أساس الجهود للتمكين الأهلي للوسط العربي في مجالات اقتصادية واجتماعية. قوة الفكرة التي استندت إلى أساسات مفهوم “السلام  الاقتصادي” لليمين وإلى المفهوم الاقتصادي الليبرالي الجديد، جاءت انطلاقاً من تفاعلها مع رياح التغيير في إسرائيل.

لقد أصبح الخطاب الاجتماعي – الاقتصادي في الدولة ذا مغزى في احتجاج صيف 2011 وانسجم الأمر أيضاً مع رياح التغيير في الشرق الأوسط ومع هزة الربيع العربي في العام 2010، والذي كان عملياً احتجاجاً اقتصادياً قبل أن يكون سياسياً بأسلوب أفكار الثورة الفرنسية (المساواة، الحرية، الأخوة). ولكن الدراما الكبرى كانت في أن فكرة الاندماج الاقتصادي انسجمت مع طموحات الجمهور العربي الإسرائيلي.

وجه الجمهور العربي في إسرائيل نفسه إلى جدول أعمال لم يضع في المركز الأفكار الثورية التي اتخذتها القيادة العربية للجبهة وللتجمع والتي غايتها تحطيم الفكرة الصهيونية، بل السعي لما عرف سياقات “أسرلة” تقوم على أساس التعاون في سياقات النمو الاقتصادي  التي اجتازتها الدولة في العقود الأخيرة.

إن النهج الإسرائيلي الذي تبنته كل حكومات إسرائيل دون صلة بهويتها السياسية كان يستند إلى جهد إقامة الكيان العربي الإسرائيلي كجيب. هو نوع من كيان، من جهة له حضور وسيطرة في داخل المجال الإسرائيلي – اليهودي، ولكن له من جهة أخرى نقطة سيطرة خارجه، لمجرد صلته العرقية والثقافية بالمجال العربي الفلسطيني. وكانت البدائل الاستراتيجية مثابة متعذرة لأنها كانت تنطوي على تحدٍ لمجرد الفكرة الصهيونية للقومية اليهودية.

وعليه، فإن البديل الوحيد للتصدي لواقع الأقلية العربية أن تتموضع في المجال الوسط الذي بين الصهيوني اليهودي وبين العربي الفلسطيني. لقد كان التحدي الأكبر لدولة إسرائيل منذ قيامها، وبقوة أكبر منذ أواخر 1966 – حين رفع الحكم العسكري عن الأقلية العربية بشكل سلمت فيه دولة إسرائيل مع وجودها الدائم داخل الدولة – هو شحن هذا المجال الوسط بنوع من المحتوى الذي يسمح بجعل اليـأس أكثر راحة، سواء للأقلية أم للأغلبية.

من أواخر الستينيات من القرن الماضي وحتى بداية القرن الحالي تحدد محتوى المجال الوسط من خلال  فكرة المساواة  والمواطنة المشتركة؛ بمعنى أن الأقلية العربية الفلسطينية لا يمكنها أن تستوعب من جهة ولا يمكنها أن تقرر مصيرها بتعابير قومية من جهة أخرى، ولكن يمكنها أن تكون في الدولة على أساس مبدأ المساواة المدنية، وعلى أساس شخصي وقدرة وصول وظيفية – مدنية إلى المجال العام الإسرائيلي.

غير أن فكرة المساواة المدنية تحولت مع السنين، وأساساً مع حلول التسعينيات، مع الثورة الليبرالية في إسرائيل، إلى أداة في يد الزعامة العربية السياسية والثقافية لرفع الكفاح في سبيل ردم الفوارق الاجتماعية – الاقتصادية بين الوسط العربي واليهودي. مثل يد دخلت إلى الكم لقلبه على جانبه الآخر، هكذا هو مفهوم المساواة المدنية الذي يستهدف أن يكون محتوى المجال الوسط أداة تكافح الزعامة العربية بواسطته لتقويض فكرة الدولة اليهودية الديمقراطية. وذلك من خلال استبدال المطالبة بالمساواة السياسية من فكرة شخصية – خاصة إلى فكرة جماعية – قومية.

من زاوية النظر هذه، فإن انسحاب منصور عباس من القائمة المشتركة وإنجازاته الأخيرة في الانتخابات تعكس مسيرة مهمة وذات مغزى من التغيير في مفهوم العمل والتفكير لدى أجزاء من القيادة العربية أيضاً. إن الخطاب الاجتماعي – الاقتصادي الذي تبناه عباس على حساب التضييق المطلق للخطاب القومي – السياسي ليس فيه فقط نوع من التسليم التاريخي  من جانب الزعامة العربية للفكرة الصهيونية وللنموذج الوسط، ذاك الذي يسعى لموضعة الأقلية في المجال الوسط الذي بين الخارج والداخل، بل المحتوى الجديد والمحدث لذاك المجال القائم على  نموذج الاندماج والوحدة الاقتصادية الذي عرفه في حينه رئيس الوزراء نتنياهو كـ “نموذج دبي”.

يدور الحديث بلا شك عن نجاح عظيم لسياسة حكومات اليمين في عقد ونصف تجاه الأقلية العربية والتي نجحت -إلى جانب مسيرة ترسيم حدود الأقلية، بعد قانون القومية في العام 2018- في وضع محتوى فكري ترجم إلى خطوات عملية. إن رفض محافل في السياسة اليهودية – الصهيونية لإمكانية التعاون السياسي مع منصور عباس يفوت فرصة فهم الثورة التي اجتازها الوسط العربي.

******

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.