مقتل البغدادي.. والجدل حول القيادة الجديدة لتنظيم “داعش” - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

مقتل البغدادي.. والجدل حول القيادة الجديدة لتنظيم “داعش”

0 96

الدكتورة إيمان أحمد عبدالحليم * 22/11/2019

فيما بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 27 أكتوبر 2019، عن مقتل أبوبكر البغدادي، زعيم تنظيم “داعش” في شمال غربي سوريا، بعد أن حاصرته القوات الأمريكية داخل أحد الأنفاق، وتواكب مع ذلك إعلان “قوات سوريا الديمقراطية”، المعروفة اختصارا باسم “قسد”، عن مقتل أبو حسن المهاجر، المتحدث باسم تنظيم “داعش” في غارة جديدة، فإن ذلك يلقي الضوء على عدد من الأبعاد المرتبطة بتاريخ ملاحقة البغدادي من جهة، والقيادة الجديدة للتنظيم من جهة أخرى، مع الجدل المثار حول تلك القيادة الجديدة.

ملاحقة البغدادي .. تاريخ طويل

لطالما كان زعيم تنظيم “داعش” أبوبكر البغدادي، هدفاً ثميناً لقوات التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، منذ ظهور اسمه وبزوغ نجمه على الساحة الدولية. تنظيم داعش

أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في 4 أكتوبر 2011  باعتباره إرهابياً عالمياً، ورصدت مكافأة قدرها 10 مليون دولار لمن يُدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه أو قتله، وزادتها بعد ذلك في 16 ديسمبر عام 2016 إلى 25 مليون دولار، سقط في النهاية “بلا ثمن”، في عملية نفذتها قوات عمليات أمريكية خاصة، بعد أن تلقت معلومات استخباراتية حددت موقعه في محافظة إدلب شمال غربى سوريا، حيث قتل البغدادي نفسه بتفجير سترة ناسفة، بينما كان أفراد أسرته حاضرين، فيما لم يصب أي طفل في الغارة الأمريكية، لكن قُتلت زوجتان له ربما من جراء انفجار السترة الناسفة.

وكان اسم البغدادي -واسمه الحقيقي إبراهيم عواد محمد إبراهيم على محمد البدري- قد بدأ في البزوغ في أعقاب الغزو الأمريكي عام 2003، والذي أطاح بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، عندما احتجزته القوات الأمريكية لاحقاً في معتقلي “أبوغريب” ومعسكر “بوكا”، حيث قام بنشر الأفكار الإرهابية وتجنيد أتباعه خلال تلك الفترة.

وفي بداية الأمر، انضم البغدادي إلى تنظيم “القاعدة” في العراق، حيث صعد نجمه بين صفوف المتشددين، إلا أنه أسهم في انشقاق تنظيم “داعش” عن القاعدة، من أجل الهدف الأكبر وهو تأسيس “دولة خلافة”، وليُعلن البغدادي في ربيع عام 2013، أن “جبهة النصرة” هي جزء من تنظيم داعش العراق، وأطلق عليه اسم “تنظيم داعش في العراق والشام”.

هيكلية ” داعش” في سوريا والعراق

وفي العام 2014 سيطر تنظيم “داعش” على مدينة الموصل، وظهر البغدادي في فيديو مصور في جامع النوري وهو يتلو خطبة الجمعة في يوليو من ذلك العام 2014، ومن على هذه المنصة قدم نفسه كـ”أمير المؤمنين”، ودعا حينها “المسلمين” إلى مبايعته كخليفة للدولة الإسلامية التي أعلنها على أراضٍ واسعة في العراق وسوريا.

وصدر تسجيل صوتي آخر للبغدادي في سبتمبر 2017، قبل أقل من شهر على طرد التنظيم المتطرف من مدينة الرقة، معقله الأبرز في سوريا سابقاً، على وقع هجوم لقوات سوريا الديمقراطية. فيما لم تصدر أي إشارة عن البغدادي، منذ تسجيل صوتي تم بثه في أغسطس 2018 بعد بدء الهجوم العراقي لاستعادة مدينة الموصل من “داعش”، وقد دعا فيه أنصاره الى “عدم التخلي عن جهاد عدوهم” على الرغم من الهزائم الكثيرة التي مني بها أنصاره.

عدد المرات التي اعلنت مقتل ابو بكر البغدادي

ومع الإعلان عن مقتل البغدادي أخيراً فإن تلك لم تكن المرة الأولى التي يُنشر فيها هذا النبأ، حيث أُعلن مسبقاً مقتله 8 مرات. وكانت المرة الأولى في سبتمبر 2014، حيث نشرت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً قالوا إنها لزعيم “داعش” بعد مقتله في غارة أمريكية على معاقل التنظيم في سوريا والعراق، لكن اتضح فيما بعد أنها كانت صوراً “مفبركة”.والمرة الثانية كانت في نوفمبر عام 2014 حينما أعلنت صحف عراقية مقتل البغدادي، لكنها نفت تلك الأنباء فيما بعد.

وكانت المرة الثالثة في إبريل 2015، حين تداولت وسائل إعلام على مدار أيام عدة رواية أكدت حينها أن البغدادي كان يقود إحدى الغارات على محافظة نينوى العراقية، وأصيب في هذه الغارة بجروح خطيرة لم يستطع بعدها أن يقود عمليات التنظيم. وفي يونيو 2015، أعلنت وسائل إعلام وفاة البغدادي في مستشفى إسرائيلي بالجولان، وهو ما اتضح عدم صحته فيما بعد، وقام التنظيم بتكذيب الخبر، وأعلن أنه خلال ساعات قليلة سيقوم بإذاعة تسجيل صوتي للبغدادي، وهو ما حدث. تنظبم داعش والقاعدة

وكانت المرة الخامسة في 11 يونيو 2015 حيث أعلنت قناة “السومرية” العراقية مقتله. وفي ديسمبر عام 2016 أعلن المرصد السوري مقتل البغدادي ونفى ذلك أيضاً بعدها.فيما كانت المرة السابعة في 10 يونيو 2017، وكانت صحيفة “ميرور” البريطانية هي من أعلن الخبر، وأكدت حينها أنه قتل في غارة على مدينة الرقة السورية.

وفي 16 من الشهر ذاته، رجحت موسكو مقتله في غارة روسية بنفس المدينة، وذلك عندما أعلن وزير الخارجي الروسي سيرجي لافروف، أنه يستطيع أن يقول بثقة عالية أن البغدادي لقي مصرعه، بعد استهدافه من الطيران الروسي في مدينة الرقة.وفي يوليو عام 2017، قال “المرصد السوري لحقوق الإنسان” أن لديه معلومات تفيد بمقتل زعيم “داعش”، لكن البنتاجون رد على هذه التقارير بأنه لا يملك معلومات عن ذلك.

وأخيراً في 27 أكتوبر 2019، أعلنت وسائل إعلام أمريكية أن قوة خاصة من الجيش الأمريكي تمكنت من تنفيذ عملية استهدفت البغدادي في المكان الذي يختبئ داخله في محافظة إدلب شمال غربي سوريا.

الإعلان عن الزعيم الجديد لتنظيم “داعش”

بعد جدل لم يستمر طويلاً حول خليفة البغدادي، أعلن تنظيم “داعش” اختيار “أبوإبراهيم الهاشمي القرشي” لقيادة التنظيم، و”أبوحمزة القرشي” متحدثاً باسمه، وذلك بعد تأكيد “داعش” مقتل البغدادي في تسجيل صوتي نشرته حسابات للتنظيم على تطبيق “تلجرام”، وطلب التنظيم من أتباعه “إعلان الولاء للقائد الجديد لداعش”.

وقد جاء الكشف عن هوية خليفة البغدادي بسرعة نسبية بعد 5 أيام فقط من إعلان الولايات المتحدة عن مقتله، بالمقارنة بما حدث بعد مقتل أبوعمر البغدادي في ابريل من عام 2010، فقد استغرق الأمر من الجماعة أسبوعاً للاعتراف بمقتله وشهراً لإعلان خليفته.

ونشرت حسابات تابعة لـ”داعش” صوراً قالت إنها لمبايعة عناصر من التنظيم للقرشي، وأثارت تلك الصور الحديثة، والتي حملت عنوان مبايعة مقاتلي التنظيم لـ”الخليفة الجديد”، العديد من النقاط، وربما أبرزها هي عدم ظهور وجه أي مقاتل، وتعمد جميعهم إخفاء وجوههم، وهو ما يذكر ببدايات نشوء التنظيم، الذي اتبع سياسة إخفاء الوجوه، وعدم إظهارها، حتى مرحلة متقدمة من نشوء “الخلافة”، قبل أن تختفي هذه الظاهرة تدريجياً، عندما استطاع التنظيم السيطرة على مناطق واسعة من سوريا والعراق.

والنقطة الثانية التي تثيرها الصور، هي تعمد التنظيم نشر توزيع عناصره في المناطق المختلفة من سوريا، ووفق تسميات دولته قبيل انهيارها وفقدانها جميع أراضيها، مثل: (الخير، حوران، حمص)، وهو ما يشير إلى رغبة التنظيم بإرسال رسالة للعالم، تُفيد بأنه مازال موجوداً، وأن خسارة الأرض لا تعني أبداً انهيار دولته، وهو ما أوحى إليه الزعيم السابق البغدادي، الذي ذكر في آخر خطاب مرئي له، بأن “الأرض ليست مهمة، وأن المهم هو المقاتل والمبايعون له”.

والنقطة الثالثة تتعلق برغبة التنظيم بإرسال رسالة للعالم، بأنه مازال متماسكاً تحت قيادة “خليفة” واحد، رغم كل ما أثير حول وجود خلافات وانشقاقات، وانهيار في صفوفه عقب خسارته أغلب أراضيه في سوريا والعراق.

الضبابية حول “شخصية” القيادة الجديدة للتنظيم

جاء الإعلان عن الخليفة الجديدة لـ”داعش” في بيان صوتي للمتحدث الجديد باسم التنظيم أبوحمزة القرشي، الذي وصف الخليفة الجديد بأنه عالم في الدين ومجاهد، مشيراً إلى أن توليه جاء عملاً بوصية البغدادي نفسه. وقد هرع أنصار التنظيم إلى مبايعة الزعيم الجديد الذي لم يتم الكشف عن هويته أو حتى جنسيته على عكس الزعيم السابق البغدادي الذي يكشف لقبه بسهولة عن كونه عراقياً.

ومازال المحللون والمراقبون حائرون إزاء شخصية وهوية الزعيم الجديد وجنسيته، وإذا كان البعض قد اقترح أسماء بعينها حول شخصه فإنها مازالت مجرد تكهنات، وإن كانت الأغلبية تتفق على أن الزعيم الجديد من المرجح أن يكون عراقياً مثل أغلب الزعماء السابقين، باستثناء أبومصعب الزرقاوي زعيم “تنظيم القاعدة في العراق”، والذي كان أردنياً.

ولكن هناك جانب آخر من المتابعين يشدد على أن الزعيم الجديد لابد وأن يكون عضواً في مجلس الشورى وعضواً في اللجنة الشرعية لـ”داعش”، ومن هذا المنطلق فإنه قد يكون مصرياً أو تونسياً أو أردنياً وليس عراقياً بالضرورة.

وفي ظل غياب تام لأي معلومات عن هذا الشخص، فقد أشار البعض إلى أنه قد يكون شخصاً قيادياً يدعى الحاج عبدالله، عرّفته وزارة الخارجية الأمريكية بأنه الخليفة المحتمل للبغدادي، وربما أيضاً قد يكون شخصاً معروفاً وحمل للتو هذا الاسم الجديد.

في حين رجح العديد من المحللين أن يكون القرشي هو عبد الله قرداش (المكني بأبوعمر التركماني)، وهو متشدد من تركمان العراق ومن أبرز القيادات في التنظيم، والذي يتردد منذ أغسطس 2019 أنه نائب البغدادي. وكان عضو سابق في التنظيم قد كشف في أكتوبر 2019 أن البغدادي ليس له سوى نائب واحد هو الحاج عبدالله، وهو أيضاً أحد أسماء قرداش، المعروف بنهجه الدموي وتعصبه وشدة تطرفه.

ولكن الواقع أن الإبقاء على هوية الخليفة الجديد لـ”داعش” سراً قد يعد أمراً غير إيجابي للتنظيم وقدرته على الحفاظ على تأييد أتباعه وتجنيد أعضاء جدد، الأمر الذي قد يجبر التنظيم لاحقاً إلى الكشف عن مزيد من المعلومات حول هويته، وبالفعل فقد أعلن التنظيم أنه سيكشف المزيد من المعلومات عن الهوية الحقيقية للخليفة الجديد خلال الأيام المقبلة. والأكيد أن شخصية القيادي الجديد للتنظيم ستفسر طبيعة ما سيؤول إليه التنظيم من تغير، والذي قد يصل ربما إلى درجة التحول الشامل في شكل وتكوين “داعش” ومنهجيته الحركية.

ولا يعني ذلك أن طريق الخليفة المنتظر سوف يصبح مفروشاً بالورد؛ فمع حسم مسألة القيادة سيكون أمامه البحث عما يجمع عليه رعاياه وأنصاره، ومنع الانشقاق المتوقع، وأن يتحصل على ولاء ومبايعة الجماعات المناصرة لـ”داعش” في آسيا، والأهم في قارة أفريقيا التي يعتقد كثيرون أنه يتم الترتيب لتكون قاعدة التنظيم الجديدة في العالم.

* المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.