مقال بقلم ماجد كيالي الثورات العربية من منظور التجربة التاريخية العالمية - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

مقال بقلم ماجد كيالي الثورات العربية من منظور التجربة التاريخية العالمية

0 185

 ماجد كيالي &  17/4/2012

بدأت الثورات في بلدان أوروبا (وفي المستعمرة الأميركية) قبل أن تحصل في بلدان آسيا وإفريقيا، القارّتين الأخريين القديمتين، وذلك بسبب تضافر مجموعة شروط، منها: الثورة العقلية، التي ترافقت مع الإصلاح الديني والثورة على السلطة البابوية، والثورات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد، والثورة على السلطة المطلقة والإقطاع، والتي ترافقت مع ظهور المدن، وتبلور طبقة برجوازية تجارية وصناعية، وانتشار المطابع والجامعات.

 طبعاً لم يحصل كل ذلك في جميع البلدان بطريقة متشابهة، أو في الوقت ذاته، كما لم تصل كلها إلى النتائج نفسها، وعلى المستوى نفسه، إذ إنها عكست في ذلك حال التطور السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي في البلد المعني وظروفه المحيطة.

 ما يلفت الانتباه هو أن هذه الثورات بدأت من نقطة الإصلاح الديني، التي أطلق شرارتها مارتن لوثر وهو رجل دين ألماني في القرن السادس عشر، وأدت في تداعياتها الأوروبية إلى انقسام الكنيسة، وتحديد سلطة بابا روما، وفصل الدين عن الدولة.

 الطريف في تلك الفترة، وهو ما يذكّر بأوضاعنا، أن رجال الدين كانوا يحتكرون تفسير الإنجيل، ويشيعون بأنهم أولياء الله على الأرض، وأن سلطتهم مستمدة من السماء، ما بلغ بهم حدّ الاستخفاف بعقول الناس ببيعهم «صكوك غفران» للتائبين. هذه الأمور استفزت مارتن لوثر فقام بتحدّي سلطة البابا ورجال الدين، مؤكداً بأن لا أحد يمكن له غفران الذنوب، وأن الله وحده يملك ذلك، وقام بترجمة الإنجيل، وطباعته وإتاحته لعموم الناس، كاسراً احتكار رجال الدين للمعرفة الدينية.

 هكذا، فإن حركات الإصلاح الديني، والاستقطاب من حول السلطة الدينية والسلطة المدنية، وبين سلطتي الإقطاع والبرجوازية، استدعت حروبا طويلة، ومحاكم تفتيش، على مدار قرنين من الزمن في أوروبا.

 وعموماً فإن ألمانيا هذه احتاجت إلى ثورة ثانية في العام (1848)، أي بعد مئتي عام بغرض التخلّص من الحكم الملكي، وإقامة الدولة القومية، ولتعزيز الحرية السياسية، لكن هذه الثورة لم يكتب لها النجاح بسبب تدخّل الدول المجاورة وعدم التوافق الداخلي، ما أدى إلى نجاح القوى الارستقراطية، وهو الوضع الذي مهد لمجيء بسمارك وإقامة الدولة القومية الألمانية. أيضاً، في الفترة 1918ـ1933 أقيمت جمهورية «فايمار» بعد ثورة أطاحت الحكم القيصري، لكن هذه الحقبة انتهت بكارثة على ألمانيا، وعلى أوروبا كلها، تمثلت بمجيء هتلر بتولّي الاجتماعيين القوميين (النازيين) السلطة.

 في انكلترا، احتسبت الحرب الأهلية التي استمرت سبعة أعوام (1642 – 1649) كثورة، إذ نجم عنها إعدام الملك شارل الأول والتحوّل نحو الجمهورية، لكن هذا الأمر لم ينجح إذ أن كرومويل الذي يفترض أنه ثار ضد استبداد ملك انجلترا حاول أن يجعل من نفسه دكتاتوراً جديدا، فألغى البرلمان، وقسّم البلاد بين جنرالات الجيش؛ ما يذكّر بما يجري في مصر هذه الأيام.

 وبالنسبة للثورة الأميركية ومع إنها كانت موجهة للاستقلال عن “التاج البريطاني” (وهو ما حصل في 1783) إلا إنها كانت أكبر وأخطر من ذلك بكثير، إذ نتج عنها إقامة الولايات المتحدة الأميركية كدولة ديمقراطية على أساس فدرالي، وعلى قاعدة فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وشعبها هو أول شعب يرفع شعار “لا ضرائب دون تمثيل” (كما جاء في دستور 1787).

 لكن الولايات المتحدة بدورها احتاجت إلى حرب أهلية (بين الشمال والجنوب) ولإلغاء نظام الرقّ، وهي حرب استمرت عدة أعوام (1860ـ1865)، وتكلّفت مقتل 620،000 جندي ومدني، نصفهم هلكوا بسبب ما جرّته الأحداث من خراب ومجاعات. كما احتاجت إلى ثورة أخرى تمثلت هذه المرة بثورة مواطنيها السود ضد التمييز العنصري (1954 و 1968) من أجل الحقوق المدنية والمساواة، وهي الثورة السلمية التي قادها بشجاعة مارتن لوثر كينغ، مدعوما بعشرات الملايين من الأميركيين السود.

 وتعتبر الثورة الفرنسية، وشعاراتها “الحرية والإخاء والمساواة”، والتي استمرت وقائعها عشرة أعوام (1789ـ1799) بمثابة أيقونة الثورات الأوروبية، كون تأثيراتها عمّت القارة. وقد ابتدأت هذه الثورة بإلغاء الملكية المطلقة، والامتيازات الإقطاعية للطبقة الارستقراطية، والنفوذ الديني الكاثوليكي، وتوحيد السوق الوطنية، ووضعت أسس الديمقراطية السياسية وأعلنت حقوق الإنسان، وأقرّت الزواج المدني.

 لكن هذه الثورة شهدت اضطرابات شديدة إذ عرفت ثلاثة أنواع من الحكم، أولها الملكية الدستورية (حيث تم تقييد سلطة الملك)، وثانيها إقامة نظام جمهوري متشدّد بعد أن تم تنفيذ حكم الإعدام بالمقصلة بالملك لويس السادس عشر (1893)، وثالثها، سيطرة البرجوازية على الحكم، حيث استعانت بعدها بالضابط نابليون بونابرت الذي قام بدوره بتتويج نفسه إمبراطورا فيما بعد.

 اللافت أن قائد الثورة روبسبير أعدم بالمقصلة التي أعدم فيها الملك، والتي كان أعدم فيها دانتون، أحد قادة الثورة ورفيقه (خلال تسعة أشهر حُكم رسمياً على 16 ألف شخص بالموت). وكان روبسبير، على ثقافته ومواهبه، شديد الاندفاع وعصبي المزاج، ومغروراً ومدّعيا (ربما على طريقة القذافي) إذ اعتبر أن فرنسا تسبق الدول الأوروبية بألف عام، وأراد جعل تاريخ فرنسا يبدأ من موعد الثورة، وحاول اتخاذ ديانة جديدة اسمها عبادة العقل، وقطع علاقة فرنسا بالفاتيكان، وأغلق الكنائس، كما أعاد ترتيب الشهور وأسمائها، وجعل أيام الأسبوع من 7 أيام إلى 10، وظل الأمر كذلك حتى مجيء نابليون سنة 1804.

 أما بالنسبة للثورة الروسية فبدأت ممهّداتها في ثورة 1905، التي لم تلق النجاح، بسبب قمعها من قبل السلطة القيصرية، وبسبب خلافات القوى المشتركة فيها. وقد لزم لروسيا فيما بعد 12 عاما حتى تقوم بثورتها الاشتراكية، التي نجحت بسبب تحطم الجيش الروسي في الحرب العالمية الأولى، وبسبب ترهل الحكم القيصري. ومع كل ذلك فإن هذه الثورة تمخّضت عن ثلاث مراحل، أولها، تمثّل بنوع من ازدواجية السلطة، بين الحكم القيصري وقوى الثورة. وثانيتها تمثلت بإسقاط الحكم القيصري نهائيا (1917)، في حين تمثلت المرحلة الثالثة بحرب أهلية استمرت زهاء خمسة أعوام، ونجم عنها مصرع مليوني مواطن؛ وبهذا المعنى فهي ثورة دموية عنيفة مثلها مثل الثورة الصينية.

 هكذا يصحّ القول بأن الثورات والحروب هي قاطرة التاريخ لكن التجارب التاريخية تعلّم بأن الثورات والحروب قد تستمر لسنوات، مثلما تعلّم، أيضاً، بأن الثورات لا تفترض حتماً انتهاج طريق العنف، وإنها قد تحصل بطريقة سلمية (مثلاً تجارب الهند والقضاء على التمييز العنصري في الولايات المتحدة وفي جنوب إفريقيا)، أو بطريقة أقل عنفاً (بريطانيا وألمانيا مثلاً)؛ وهذا بالطبع يعتمد على مدى نضج الأوضاع وتوازنات المجتمع وردّة فعل السلطة. ومع أن هذه الثورات هي بمثابة طريق إجباري لتحقيق التطوّر في الفكر وفي المجتمع وفي الحياة السياسية فإن تجارب كل هذه الثورات تفيد بأن هذا الطريق ليس سهلاً ولا مستقيماً، وأنه ربما يشهد تراجعات وانتكاسات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.