أقلام وأراء

مقال بقلم ريموندا حوا طويل حصاد الشوك والقتاد في عملية “عمود السحاب”


ريموندا حوا طويل
– القدس المقدسية – 28/11/2012

“1”

ما هو حساب نتائج العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة؟ هل استطاعت إسرائيل أن تحقق أهدافها الإستراتيجية المعلنة من هذه الحرب، وهل استطاع نتنياهو أن يحصد ثمار العدوان التي كان يهدف إليها والتي تتلخص في:

• استعادة قوة الردع العسكرية المتآكلة.

• القضاء على قواعد الصواريخ ومنع إطلاقها.

• الاقتراب بثقة من صندوق الانتخابات.

• اختبار ردود الفعل المتوقعة من أنظمة الربيع العربي.

لقد حارب الجيش الإسرائيلي بكل قواه “برا وبحرا وجوا” مستخدما أحدث آلات الحرب والدمار، التي خرجت لتوها من ترسانة المصانع الأمريكية، وكرس كل قواعد القبة الحديدية، وحشد سبعين ألف جندي احتياطي وقاتل بضراوة جنونية طوال ثمانية أيام، فماذا كانت النتائج.

“2”

في احدث استفتاء إعلامي للجمهور الإسرائيلي صَوت سبعون في المائة بان نتائج الحرب كانت هزيمة لإسرائيل، وخرجت المظاهرات في بئر السبع وغيرها من المدن الاسرائيلية، تهتف ضد نتنياهو، وتتهمه بالهزيمة والتخاذل وتؤكد انه لم يستطع بعد كل هذه الخسائر المادية والبشرية أن يحقق للقطاع الجنوبي من إسرائيل أي لون من ألوان الأمن والهدوء، فهم يشعرون أن صواريخ المقاومة لا زالت تحلق فوق رؤوسهم.

إن مؤشرات الهزيمة الإسرائيلية، نستطيع أن نقرأها بسهولة، عندما نعلم أنه قبل وقف إطلاق النار بنصف ساعة فقط، أطلقت المقاومة أكثر من عشرين صاروخا، أصاب احدها أربعة جنود، وضابط كبير بجروح خطيرة، حسب الناطق الإسرائيلي.

في كل معاركها السابقة، كانت إسرائيل ترسل طائرات سلاحها الجوي بالعشرات، لتضرب بعنف خطوط التماس وتغير على الجيوش العربية، والمدن والمطارات العربية تفعل ذلك، وقواتها البرية، وقادتها وكوادرها القتالية محتمية في الدبابات والخنادق والخطوط الخلفية، ورؤساء أركانها في حالة استرخاء، يأكلون ويدخنون ويتسامرون.

فإذا، تم لسلاح الطيران الإسرائيلي تحقيق ما يريد، تقدمت الآلات العسكرية والدبابات والمصفحات، والكتائب لتواجه، قوات مرهقة، مفككة، أثخنتها الضربات الجوية.

“3”

هذا هو السيناريو التقليدي الذي دأبت عليه إسرائيل، كما حدث بصورة أو بأخرى في معارك 48، 56، 67، 73 و 1982، ومعارك إسرائيل المختلفة على الجبهة اللبنانية مع حزب الله.

في هذه المرة، اختلفت المعادلة.

لقد تغيرت قواعد اللعبة.

استطاعت القوى الوطنية في قطاع غزة، ذي المساحة المحدودة والتي لا تزيد عن 45 كيلو متراً X 7 كيلو مترات وتحديداً كتائب الصواريخ الفلسطينية؛ أن تجبر خُمس سكان إسرائيل، مليون إنسان على الأقل، على أن يكونوا حبيسي الملاجئ، طوال ثمانية أيام ولياليها، وبذلك تعطلت الحياة، شلت تماما، فلا مدارس ولا جامعات ولا عمل ولا إنتاج.

قوة الردع العربية، أحدثت توازنا ملموسا، له حضوره في ساحة المعركة، ولم تستطع القوات الاسرائيلية ان تسكت الصواريخ، ولم وتفلح في شل قدرات المحارب الفلسطيني، وكل ما أحدثته انها تعرضت للمباني المدنية، وقتلت الأطفال، والشيوخ والنساء.

“4”

لم تتعلم إسرائيل من أخطائها

ما حدث على الجبهة اللبنانية في حرب عام 2006

تكرر في غزة عام 2012

وعندما أدركت آلة لحرب الإسرائيلية الممثلة في باراك ونتنياهو أن مزيدا من الحرب والعناد، لن يغير من النتائج، وان العالم كله ضد الاجتياح البري وضد هذه الحرب انصاعت إسرائيل، وقبلت بشروط المقاومة لإيقاف إطلاق النار وأدرك قادة إسرائيل، ان اغتيال احمد الجعبري، وان قصف أكثر من ألف هدف فلسطيني، وهدم أكثر من ثمانمائة مبنى لن يحقق لهم النصر، ولن يقضي على المقاومة، ولن يزيد في قوة الردع الإسرائيلية، ولن يقنع الناخب الإسرائيلي بأنهم خططوا وقادوا ونفذوا معركة ناجحة.

“5”

إن الكثير من الأصوات المنصفة في إسرائيل والعالم، قالت في معرض تحليلها لنتائج المعركة، وأن عملية “عمود السحاب” كانت هزيمة مُرة لإسرائيل، ومن هذه الأصوات، صوت الكاتب الصديق أوري أفنيري، الذي عاد يؤكد ان إسرائيل ترتكب حماقة وخطأ تاريخيا كبيرا، عندما تصر على خوض مثل هذه المعارك، التي لا تقرب أحدا من أهدافه. فحل الدولتين هو الحل الأفضل، وضم الضفة الغربية سيؤدي إلى ازدواجية الدولة، وما حدث في القدس، لم يقرب إسرائيل من أهدافها، فضم القدس، خلق وضعا ديمغرافيا خطيرا حيث، نسبة السكان العرب تتضاعف، وتفرض واقعا مخالفا لكل الأماني الإسرائيلية.

وتشهد الدراسات الاحصائية التي نشرتها وسائل الاعلام الاسرائيلية كما أوردها الكاتب الاسرائيلي جدعون ليفي أن عدد القتلى الفلسطينيين لا يتناسب مطلقا مع عدد القتلى الاسرائيليين وذلك منذ انطلاق أول صاروخ قسام على اسرائيل في نيسان سنة 2001. ولا شك أن الارقام صادقة ولا يمكن تزويرها وهي تعطي حقائق واضحة تفضح ادعاءات اسرائيل التي تزعم انها في حالة دفاع عن النفس وأنها ضحية العدوان والصواريخ الروسية، فمن معطيات “عمود السحاب” أن هناك أكثر من 160 شهيداً فلسطينيا مقابل 6 قتلى من الاسرائيليين، وهذه النسبة تتكرر بصورة أو باخرى في جميع المعارك والحروب الستة التي خاضتها اسرائيل وهي الحروب في عام 1948 و 1956 و 1967 و 1972 وحرب بيروت عام 1982، والرصاص المصبوب عام 2008 و”عمود السحاب” في 2012.

إن الدعاية الاسرائيلية تحاول ان تشوه الواقع وتثبت أن اسرائيل ومدنها وسكانها في الجنوب يتعرضون للقصف والعدوان ولكن الوقائع تخالف ذلك فالضحية الاولى وهي غزة هي الاشد نزفا وتأتي اسرائيل بعدها فقط، فالقتل في غزة والاحتلال هو الاحتلال واقتصاد القطاع متعلق باسرائيل، والشيكل هو العملة الوحيدة والحصار البحري كامل وصعب، وما يزال الحصار البري نافذ الفعل جزئيا وكل ذلك يؤكد من الجاني ومن الضحية.

“6”

إن الصواريخ الفلسطينية التي كانت تنطلق من غزة، كان يطلقها أبناء اسدود، وعسقلان، وبئر السبع، ومعظمهم أحفاد للفلسطينيين الذين اُخرجوا بالقوة من هذه المدن عام 1948، والمفارقة المؤلمة أن هؤلاء المقاتلين الشجعان يقصفون مدن أبائهم وأجدادهم، فهم لم ينسوا لحظة واحدة، ان في هذه المدن كان لهم تاريخ وذكريات، وأن أباءهم وأجدادهم رووا تراب هذه المدن بعرقهم ودموعهم.

هذه الحقيقة البديهية عندما يواجه بها أي عاقل، سواء أكان غربيا أم شرقيا، أمريكيا أم روسيا، متعلما أم أميا، سيدرك فورا، من الظالم ومن المظلوم، من الغاصب ومن الضحية البريئة، خاصة وأن حقائق الحرب ونتائجها لا يمكن تزويرها أو اخفاؤها في عهد الفيسبوك والانترنت والوسائل التكنولوجية الحديثة الاخرى كما حدث ذلك في مواكبتها لثورات الربيع العربي.

“7”

كانت معارك الحملة الأخيرة على غزة نتائجها وبالاً على القيادة الإسرائيلية السياسية والعسكرية، فقد خاضت معركة فاشلة كلفتها مليارات الشواكل. وأثبتت لها ان الوصول إلى الأمن والسلام، لا يكون عبر الطائرات ومن خلال “القبة الحديدية” وإنما من التسليم بحق الآخرين في الحياة والحرية.

يجب أن ينظر قادة إسرائيل إلى قطاع غزة بعيون محايدة، ليدركوا أي ظلم يلحقونه بمليون ونصف فلسطيني، عندما يحاصرونهم برا وبحرا وجوا، ويمنعون عنهم الغذاء والماء والكهرباء والدواء ويحولون دون اتصالهم بالعالم، ويقطعون جذورهم فلا تمتد إلى عمقهم العربي، ويكرسون كل وسيلة ممكنة لجعلهم في سجن، فلا يتصلون بمصر ولا ينطلقون للعمل في البحر، كل ما هو متاح أمامهم هو الرصاص والنار والموت والقهر.

كيف تسمح ثقافة أي إنسان عبري أو غربي أو شرقي ان يقر واقعا كهذا، كيف يسكت مثقفو النخبة والأحزاب وأساتذة الجامعات والرأي العام على مثل هذه الحقائق الناصعة، التي لا تحتاج، الا لقليل من البصيرة لإدراكها وفهمها، ومن ثم إنكارها وتغييرها.

“8”

ان مجريات ونتائج وملابسات هذه الحملة، يجب ان تعلم القيادات النخبوية في اسرائيل درسا.

ان مصر في عهدها الجديد، عهد الربيع العربي ليست هي مصر العهد البائد الذي كان ينصاع لكل مطالب إسرائيل وأهوائها، مصر، محمد مرسي، ليست مصر، محمد حسني مبارك.

والأخوان المسلمون، ليسوا في سلبية وتخاذل الحزب الوطني، مصر اليوم، قوة حقيقية رائدة بحجمها وقيمها ومُثلها وتاريخها، مصر، بشعبها وملايينها وجامعاتها ومثقفيها واعلامها، قادرة على ان تعود إلى مكانتها، رائدة للأمة العربية نصيرة للحق والحرية، محاربة من أجل المبادئ والأخلاق وقيم الحق والعدل والجمال.

“9”

لقد أرادت إسرائيل بهذه الحملة ان تختبر الدور المصري وتعرف كيف يكون ردة فعل قادة 25 كانون الثاني، أرادت ان تعرف هل غيرت، رياح الربيع العربي، أفكار ومبادئ وقيم ومسلكيات الشعب العربي؟

ولا شك عندي ان النتائج واضحة، لان القيادات العربية والإسلامية في مصر وتونس، هبت لنصرة شعب فلسطين انسجاما مع مبادئها، ومفاهيمها لحركة النضال والتاريخ، ومن ثم انضمت قطر، وأمريكا وتركيا، وكل أحرار العالم، ليقولوا، لا للعدوان، لا لهدم المباني وتدمير الحياة، لا لشعب مظلوم، لا لقتل الأطفال والشيوخ والنساء، لا لسلاح طيران عصري متطور ، ينشر الموت والدمار والاغتيالات، في صفوف شعب مقهور محاصر، كل ما ارتكبه من ذنب، انه يريد الحياة لأبنائه وأطفاله وملايينه في ظل حياة حرة كريمة.

“10”

كان ايهود باراك يقول منذ العام 1999، انه ليس هناك طرف فلسطيني، نستطيع أن نفاوضه، كان يقفز عن كل حقائق التاريخ والجغرافيا، وكل معطيات الواقع، وذلك كله ليبرر مثل هذه الحرب الطاحنة.

لعله، بعد هذه المواجهة، وبعد هذه النتائج، يدرك، ان الطرف الفلسطيني موجود، وان القيادة الفلسطينية موجودة، وان السعي إلى السلام لا يتطلب سوى الإيمان بهذه الحقيقة البسيطة.

لا بد من وجود دولتين لشعبين، ان إنكار هذه الحقيقة، والعمل على كسرها بغطرسة القوة ، لن تؤدي إلا إلى مزيد من الدم والنار، وأنها ستؤجج نيران الكراهية في قلوب العرب، وخاصة، أنها تطلق براكين الغضب والثورة في كل العالم العربي وخاصة مصر، التي كان يحذر أبو عمار من بطشها وقوتها وغضبها عندما كان يقول: “احذروا الغول المصري”.وهذه المقولة، تؤكد، ان الشعب الفلسطيني لن يكون وحده، كما يقول الرئيس محمد مرسي، وان نيران الغضب والثورة ستفتح على مصراعيها أمام طغيان وظلم جنرالات إسرائيل.

(11)

والواقع أن قراءة متأنية لاحداث ونتائج هذه الحرب وما اشتملت عليه من مآسٍ وأحداث وقعت في قطاع غزة وما ترتب عليها من نتائج خطيرة ودمار متواصل على مدار الساعة وما عرضته شاشات التلفزة من لقطات تنفطر لها القلوب وخاصة مشاهد الدمار والقتل للاولاد والاطفال المشوهين الذين يتم انتشال جثثهم من تحت أنقاض المنازل، كل ذلك يثير الذعر في نفوس جميع العائلات العربية وغير العربية، كما أن حجم الدمار الذي سببته هذه الحملة المسعورة على الشعب الغزي المسالم كل ذلك جدير بان يحرك ضمائر العرب من القاهرة الى بغداد ومن الرياض الى الرباط ومن المحيط الى الخليج لان الدم العربي يسفك بهذه الطريقة التي لا يمكن لانسان ان يقبل بها او ان يسلم بعدم مقاومتها والتصدي لها.

وجدير بهذه المواكبة ومشاهدة تلك المجازر ان تحرك الرأي العام العربي وان تدفع القيادات العربية في مختلف المواقع لان تتحرك لان حجم الهجمة الاسرائيلية ومدى عنفها لا بد ان يقوض شرعية كل نظام عربي بل انها تشكل خطرا على النظام العربي برمته، فما من حكومة عربية بمنأى عن غضب شعبها، كما أن المظاهرات اندلعت في أكثر من مائة عاصمة عالمية في اوروبا والصين واليابان واستراليا وأمريكا وبريطانيا وفرنسا واليونان وبعبارة موجزة أن العالم كله كان ضد هذه الحملة الاسرائيلية الظالمة، وهذه الحقيقة لا تغيب عن ادراك آلة الحكم الاسرائيلية بقيادة نتنياهو ، وقد تجلت نتائج الحرب على وجه ساسة اسرائيل في المؤتمر الصحفي الذي عقدوه وظهرت على ملامح نتنياهو وباراك آيات الهزيمة والخيبة والحزن بشكل واضح. تلك إذن واحدة من أهم معطيات هذه الحرب الظالمة على قطاع غزة.

(12)

إن أحداث هذه الحرب وما نتج عنها تؤكد أن الشعب الفلسطيني وخلال ستة عقود أو اكثر ما زال مطاردا من حرب الى حرب ومن دمار الى دمار ومن قمع الى قمع ، بل ان تاريخ الشعب الفلسطيني هو تاريخ المنطقة من حيث الحروب والدمار والمذابح ، فما من معركة جرت في هذه المنطقة المنكوبة المسماة الشرق الاوسط الا وكان الشعب الفلسطيني طرفا مباشرا فيها وهو لشدة الاسف الطرف الذي يستباح دمه وأرضه وتاريخه ودماء أبنائه.

وفي عهد التكنولوجيا المتقدمة والفضائيات فان توثيقا دامغا لما حدث يسجل بالصوت والصورة هذه المجزرة النادرة لانتهاك الدم الفلسطيني واستباحة الارض والعرض والحق الفلسطيني. ولا يمكن انهاء هذا المسلسل الدموي الا بان يأخذ صاحب الحق حقه، ولا بد من الاحتكام الى المنطق والعدل والايمان بأن حرية الشعوب هي أثمن وأهم القيم في عصر لم يعد فيه الاستعمار قادرا على فرض شروطه واملاء ارادته.

كل هذه الحقائق التي اضحت بديهية في قاموس السياسة وحكم الشعوب معروفة ومسلم بها الا في مساحة ضيقة من عقول نفر من العسكريين الاسرائيليين والسياسيين الذين لا تنقصهم الثقافة ولا الفكر ولا الدراسة ولا سعة الافق، ينقصهم فقط الصدق مع النفس والايمان بأن شعبا لا يجوز ان يستعبد شعبا آخر في الالفية الثانية من هذا الزمن.

ولعل استقالة ايهود باراك واعلانه عن رغبته في اعتزال السياسة لعل هذه الصحوة المتأخرة لضميره جاءت بعد كل هذا التاريخ من الحروب والمعارك والدم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى