أقلام وأراء

مقال بقلم توفيق أبو شومر كلمتان من القاموس الفلسطيني

بقلم / توفيق أبو شومر – 13/11/2012

كلمتان يرددهما إعلامنا صباح مساء، ولعل الكلمتين هما أكثر الكلمات شعبية في أوساط الإعلاميين والسياسيين ومن في حكمهم!

كلمتان تدخلان في ألفاظ المحسنات البديعية في اللغة العربية، وهما من فئة الطباق أو التضاد في المعنى!

وهاتان الكلمتان فلسطينيتان جرى تحريفهما عن معناهما القاموسي والمجازي ليدلا على معنى جديد!

الكلمة الأولى هي (التصعيد).

 أما الثانية فهي (التهدئة)!

والتصعيد في اللغة العربية يعني الانتقال من الأرض إلى السماء،ويعني الصمود والثبات، وهو أسمى أركان الحج حين يصعد الحجاج إلى جبل عرفات!

ولا أدري لماذا اخترنا هذا اللفظ لنشير به إلى العدوان الإسرائيلي، ونسمي كل عملية قتل يقوم بها جيش إسرائيل بأنها:

(تصعيدٌ خطير)!!!

ليس المهمُ مدلول الكلمات، فنحن ما نزال لم نُفلح في نحت مصطلحات إعلامية خاصة بنا كفلسطينيين بسبب انقسامنا ورفضنا للعمل كفريق!!

المهم هو أنني أحاول أن أعثر على بعض الأمراض النفسية التي خلفتها الحالة الواقعة في المسافة بين كل تصعيد وتهدئة على علم النفس الاجتماعي الفلسطيني!!

إن لهاتين الكلمتين أثرا نفسيا مَرَضيَّا، يجعل الفلسطينيين يعتادون القلق والاضطراب ومن ثم الاستسلام والخنوع والرضى بالواقع المفروض!

كما أن المدة الواقعة بين التصعيد والتهدئة، تحدد أيضا نسبة المرض وأثره على النفوس!

ومن الآثار السلبية لمرض التصعيد والتهدئة، انتشار المغامرات غير المدروسة، المغامرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ومن نماذج مرض المغامرات الاقتصادية، حين يُقدم مغامرون تجاريون على توظيف أموالهم في مشاريع غير مدروسة ظنا منهم أنها ستجني ربحا وفيرا، وما إن ينفقوا أموالهم فيها حتى يكتشفوا بأنهم كانوا مضللين، فيخسرون كل ما ملكت أيمانهم!

وهناك أمثلة كثيرة على ذلك كتجارة الأنفاق، وبناء الأبراج السكنية والعقارات، وما في حكمها!!

ولعل أخطر آثار مرض التهدئة على الاقتصاد، هو هروب الاستثمارات الاقتصادية المدروسة،المتمثلة في الشركات التجارية الكبرى، التي تعتبر(التصعيد والتهدئة) ألدَّ أعدائها!

كما أن فايروس التصعيد والتهدئة يصيب أيضا السياسيين  حين يحاولون أن يؤسسوا أحزابا جديدة، وتشكيلات مجتمعية جديدة، انطلاقا من رغبتهم في الحصول على مزايا وأرباح شخصية، وما إن تُكشف نزعاتهم حتى يُفضّ المولدُ وينهار بناؤهم، فما أكثر التنظيمات والتيارات والأحزاب، التي أعلن مؤسسوها عنها ثم غابت عن الأنظار واختفت !

أما المغامرون المجتمعيون  فهم الأكثر انتشارا، فهناك مرضى العسكرة القبلية، حين يغيِّر المصابون بمرض التصعيد والتهدئة صيغة التضامن الأسرى والتكافل الاجتماعي، إلى ميليشيا عسكرية قبلية، تفتعل النزاعات، وتحول صلة القُربى إلى كتيبة مخابراتية خاصة، هدفها إثارة النُّعرات المجتمعية، وتغليب النظام القبلي على النظام المجتمعي الحضري!

ومن المغامرين في الإطار الاجتماعي أيضا هؤلاء الذين يغتنمون وفرة النساء العازبات ليضيفونهن إلى حاشية الحريم في بيوتهم، اقتناصا للفرصة السانحة بين التصعيد والتهدئة، ثم يقومون بعد فترة وجيزة أيضا بالتخلص منهن إما بالطلاق، أو بهجرهن وتركهن معلقات!

ولعل أخطر تأثيرات حالة التصعيد والتهدئة هي ما يُصيب الشباب والأطفال من ميلهم إلى العنف، ورغبتهم في الهجرة من الأوطان، وجعل التعليم ليس غاية من غايات الثقافة، بل هو وسيلة للحصول على مؤهلات الهجرة من الأوطان!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى