ترجمات عبرية

مقالات وتقارير مترجمة من الصحافة الاسرائيلية ليوم 15-11-2012


الخبر الرئيس – حرب القطاع
– معاريف – من عمير ربابورت: 15/11/2012

ضربة افتتاح../

حكم أحمد الجعبري تقرر قبل الاسبوع الاخير. بقدر كبير، تذكر تصفيته أمس في الساعة الرابعة ما بعد الظهر بتصفية رئيس الذراع العسكري لحزب الله، عماد مغنية، في شباط 2008.

تصفية مغنية، التي تعزى لاسرائيل، جاءت لتشطب في حينه عار النتائج غير المقنعة التي حققها الجيش الاسرائيلي في حرب لبنان الثانية، ومعاقبة مغنية على عملية الاختطاف التي أدت الى القتال. الموازي له، رئيس الذراع العسكري لحماس، احمد الجعبري، هو الرمز الذي يقف خلف اختطاف جلعاد شليط. الطريقة التي انصرف فيها أمس من العالم يمكنها أن تقلص الضرر الذي لحق بالردع الاسرائيلي في أعقاب صفقة تبادل الاسرى المهينة مع حماس.

وبالاخذ بالاعتبار ان أحمد الجعبري كان يمكنه أن يفهم بانه ابن موت، مفاجيء نمط الحياة العلني لدرجة الوقاحة، الذي اتخذه. فالجعبري لم يختبىء في جحر مثلما يفعل زعيم حزب الله، حسن نصرالله منذ ست سنوات. فقد تحرك من مكان الى مكان أمس ايضا، رغم أنه في الصحف الاسرائيلية نشرت في الاونة الاخيرة بان الجيش الاسرائيلي كفيل بان يتلقى تعليمات من القيادة السياسية بتصفيته. واهمال الجعبري لا يقلل حتى ولو بقليل انجاز المخابرات الاسرائيلية والجيش الاسرائيلي التي نجحت في العثور على السيارة التي سافر فيها على مدى بضع دقائق في قلب غزة – وضربها. على كل حال، فان نهاية الجعبري كانت معروفة الى هذا الحد أو ذاك منذ زمن بعيد، ولم يكن موضع سؤال سوى التوقيت.

اعتبارات موضوعية

واذا تحدثنا عن التوقيت، فلا يمكن الا نفكر بان على رئيس الوزراء ووزير الدفاع ان يكونا ملاكين كي لا يفكرا بتأثير حملة “عامود سحاب” التي انطلقت أمس على الدرب مع تصفية الجعبري عن حملة الانتخابات القريبة القادمة. نتنياهو وباراك ليسا ملاكين، ولكن على قادة الجيش والمخابرات يمكن الاعتماد بالتأكيد بان اعتباراتهم موضوعية تماما، وهم ايضا فكروا بان عملية في قطاع غزة هي أمر محتم.

لقد دخل الجيش الاسرائيلي في معمعان الاستعداد نحو حملة “عامود سحاب” التي انكشف اسمها أمس للجمهور الغفير. ففي أحداث الاسبوعين الاخيرين، بما في ذلك سلسلة العمليات على طول الجدار الحدودي مع قطاع غزة وتفجير النفق المفخخ الذي كان يمكن ان ينتهي بمصيبة كبيرة بل وربما باختطاف، سهل على أصحاب القرار اصدار الاوامر: سننطلق الى عملية. هكذا، منذ يوم الخميس الماضي أجرى الجيش الاسرائيلي مناورة واسعة قبيل حملة محتملة في القطاع. ليس كل من شارك في المناورة قدر بان سيناريوهاتها ستتحقق بسرعة كبيرة بهذا القدر.

ما كان رئيس الوزراء ووزير الدفاع ان يحتاجا الى مصادقة من المجلس الوزاري كي يأمرا الجيش الاسرائيلي باجراء استعدادات حثيثة للعملية. وهكذا عندما قام ايهود باراك صباح يوم الثلاثاء زيارة فرقة غزة كانت الاجواء هي عشية حملة كبيرة. وفي توقت متأخر فقط، في سياق النهار، انعقد محفل التسعة للبحث في الحملة وسماع استعراضات قبيلها. واستغرق النقاش في المجلس الوزاري نحو ساعتين. ومثلما هو الحال دوما، قبل بدء العملية، يكون الاجماع في اوساط الوزراء واسعا. في الوقت الذي استمع فيه الوزراء الى الاستعراض أخذ الطقس البارد في بداية الاسبوع يهدأ، الامر الذي سهل على سلاح الجو الاستعداد للهجمات.

في صباح يوم الثلاثاء نشرت في الصحف اقتباسات حماسية من الوزراء الذين يدعون الى عملية في غزة، وكان يمكن لهذا أن يكون اشارة لحماس في غزة، بان القرار قبيل حملة بالذات قد اتخذ. يوم الثلاثاء، بعد النقاش في المجلس الوزاري، ارسل الوزير بيني بيغن للحديث في صوت اسرائيل والايضاح بان الجيش الاسرائيلي يسحب مخططاته للعملية. لو كانت حماس شكت في أن هذا تضليل غير ذكي على نحو خاص، ما كان أحمد الجعبري ليخرج أمس في جولة في سيارته في شارع عمر المختار.

الجيش الاسرائيلي لا يخرج في أي مرة في حملتين متشابهتين ولكن احيانا توجد مزايا مشابهة بين المعارك المختلفة. تصفية احمد الجعبري (التي كان لها دوافعها الخاصة) يمكن ان نشبهها بالضربة المذهلة التي وجهت لحماس عند اندلاع حملة “رصاص مصبوب” حين قتل أكثر من 200 رجل من المنظمة في قصف على طابور في اثناء احتفال شرطي. الهجوم على مواقع التخزين والاطلاق لصواريخ فجر، التي دفن الكثير منها في قلب مناطق كثيفة السكان في قطاع غزة يمكن أن نشبهها بحملة “وزن مميز” التي عالجت الصواريخ بعيدة المدى لحزب الله في الليلة الاولى من حرب لبنان الثانية.

ومثلما في العام 2006، هكذا هذه المرة أيضا، فان المعركة هي بقدر كبير على شاشات التلفزيون. فقد انطلق الجيش الاسرائيلي الى المعركة مسلحا ليس فقط بقذائف “جي – دام” الدقيقة بل وأيضا بافلام الفيديو التي توثق دفن صواريخ فجر لتبرير عمليته. حماس، بالمقابل، حدد موعد ردها الناري بالضبط في الساعة الثامنة مساء، مع بدء النشرات الاخبارية. فقد أطلقت كمية كبيرة من الصواريخ دفعة واحدة نحو بئر السبع في محاولة للتغلب على بطاريات “قبة حديدية”، ولكن حتى هكذا تم اعتراض معظم صواريخ غراد، وتلك التي سقطت في أراضي المدينة ألحقت ضررا طفيفا. فأي “بركة” تشكلها “القبة الحديدية” من ناحية خطط حماس، وكم هو غير مشجع التفكير كيف كان سيكون المزاج الوطني اليوم لو بلغ هذا الصباح عن بضعة قتلى في وابل الكاتيوشا الاول. النجاح في اعتراض الصواريخ  يحبط حماس ويقلل دوافعها للمخاطرة تحت نار الطائرات.

خطر على اتفاق السلام

كل هذا لا يعني بان الاسوأ بات خلفنا وان حملة “عامود سحاب” توشك على أن تكون نزهة. يوجد احتمال معقول بان تطلق احدى المنظمات في قطاع غزة صاروخا بعيد المدى ما نحو تل أبيب او بلدة اخرى في وسط البلاد، لاول مرة منذ حرب الخليج منذ 1991. احتمال غير قليل قائم أيضا ان تنظم حماس ردا غير متوقعا مثل عملية بعيدة عن حدود القطاع، ولم نتحدث بعد عن امكانية أن يحاول حزب الله أو منظمات جهادية اخرى اشعال الحدود في سيناء أو في الشمال.

لقد استغلت حماس في السنوات الاخيرة الفوضى في سيناء وانحلال الجيش الليبي كي تجمع في القطاع سلاحا متطورا كثيرا، من أنواع مختلفة، بما في ذلك السلاح المضاد للطائرات، صواريخ شاطيء – بحر وربما حتى طائرات غير مأهولة. وهي قد تقرر بان هذا هو الوقت لاستخدامها.

خطر السلاح يلغى وكأنه غير قائم وكصفر مقارنة بالتهديد ذي المعنى الاستراتيجي الذي في أعقاب العملية يتخذ حكم الاخوان المسلمين في مصر خطوة دراماتيكية تؤدي الى المس الحقيقي باتفاق السلام مع اسرائيل.

يوجد على الحكم المصري ضغط شديد من جانب الولايات المتحدة ودول غربية اخرى لعدم عمل ذلك. من جهة اخرى، يضغط قادة حماس على المصريين للرد، وبالتوازي بدأوا في القاهرة يجسون النبض حول امكانية ان يتوسط النظام لوقف النار. مفاجيء؟ رئيس الاركان الاسبق ونائب رئيس الوزراء موشيه بوغي يعلون قال في الايام الاخيرة ان تصفية شخصية مثل الجعبري تدفع قادة حماس الى الخوف على حياتهم وتقليص استعدادهم للانطلاق الى المعركة بشكل كبير.

أتذكرون غولدستون؟

وماذا بالنسبة للجيش الاسرائيلي؟ الكثير مما سيحصل في الايام القريبة القادمة منوط برد حماس. اذا ما تراجعة ورفعت علما ابيض فوريا (احتمال طفيف)، فمن شأن الامر ان يسحب البساط من تحت المراحل التالية في حملة “عاموس سحاب”. معظم التقديرات تحدثت أمس عن أن الجيش الاسرائيلي سينطلق الى حملة برية سريعة وفتاكة، بعد مرحلة التليين الجوية. في مثل هذه الحالة يمكن التقدير بان مدة الحملة ستكون على الاقل اسبوع، ولكن ليس بالضرورة أكثر، من أجل عدم الغرق في الوحل الغزي.

الجيش الاسرائيلي كفيل بان يستخدم وسائل مناورة ثقيلة الى جانب النار الدقيقية. كل حملة تنطوي على خطر غير قليل للاصابات. في عملية في مكان مكتظ مثل قطاع غزة يوجد أيضا خطر هائل للاصابات في اوساط السكان المحليين. وعليه، فانه اذا انطلق الجيش الاسرائيلي الى خطوة برية، فان غير قليل من الضباط والجنود سيحتاجون الى خدمات المحامين في اثناء السنوات القادمة، تحت ضغط الانتقاد الدولي على السلوك القتالي (تقرير غولدستون في أعقاب “رصاص مصبوب” – هل أحد ما يتذكر؟).

 وكيف ستنتهي “عامود سحاب” مهما يكن، فان التفوق التكنولوجي، النوعي والكمي للجيش الاسرائيلي سيجد تعبيره في أثناء الايام القريبة القادمة. ومع كل وقاحة حماس في الفترة الاخيرة، فان رجالها سيحصلون على تذكير عن عمق الفوارق بين الطرفين. السؤال هو هل ستعرف القيادة السياسية كيف تستخدم الجيش الاسرائيلي وأن تضع له اهدافا سليمة وثابتة، والخروج في التوقيت الكامل من الحملة؟ في ذلك نحن بشكل عام غير ممتازين.

 

 

هآرتس – مقال – 15/11/2012

شاهدنا هذا الفيلم من قبل

بقلم: يوسي سريد

عملية الاغتيال للجعبري مهما تكن ناجحة ومهما قيل في الثناء على القائمين بها لن تغير شيئا ولن تُجدي على اسرائيل.

       ليست الحياة فيلما. ان القضية هنا ليست قضية عدل لأنه لا يهمني هل مات احمد الجعبري أم عاش، وليمت من جهتي لأن يديه ملطخة بالدم. ان القضية قضية تقدير عقلاني لا يكترث بغريزة الانتقام والمُجازاة.

          ذات مرة، قبل ثماني سنوات، سحقنا رأس الأفعى في غزة الذي كان أكثر سُماً وفتكا من هذا الجعبري. فقد صفينا آنذاك الشيخ أحمد ياسين كي نعلمهم درسا، وليروا جثته المهشمة ويتعلموا. وفضلا عن أنهم لم يزيدوا اعتدالا هناك منذ ذلك الحين تطرفوا ونجحوا في تطرفهم في بسط سلطتهم على القطاع.

          لم تبرهن الاغتيالات – مهما بلغت درجتها من التركيز – على جدواها. فهي في الحقيقة تُسبب رضى لحظيا لكن تنفس الصعداء قصير. وما إن نتنفس الصعداء حتى تهاجمنا أفكار ثانية وثالثة فحواها: هل كان من الجيد ان نغتال “المهندس” في حينه ونجلب على أنفسنا كوارث ثقيلة واحدة بعد اخرى؟ هل جميع الحافلات والمقاهي والمطاعم التي انفجرت هي في الحقيقة نهاية فعل بتفكير بارد مسبق؟ يأتي ورثة للمغتالين الخطيرين فورا وفي الحال. بل انه لا يجب ان يأتوا لأنهم موجودون هناك مستعدين ومتأهبين. ومن يحلون محلهم لا يحلون محلهم بفضل اعتدالهم خاصة. بالعكس، ان الأكثر تطرفا يكونون أول من يُختارون للمهمة. ويجب عليهم من جهتهم ان يبرهنوا على أنهم أكثر تشددا ممن سبقوهم.

          هذا ما حدث في لبنان ايضا. فقد اغتلنا عباس موسوي زعيم حزب الله وحصلنا على حسن نصر الله. فاذا كان الامر كذلك فما نفع المغتالين باغتيالهم وبجهلهم؟ كنا نريد احيانا لو أعدنا عجلة التاريخ الى الوراء؛ فالتاريخ يعود أما العجلة فلا تعود. ان النهاية المُرة لياسين والمهندس وموسوي وعشرات الأوغاد الآخرين يستحقونها لكن لماذا نستحقها نحن. انهم هنا لا يغتالون الارهابيين فقط بل يغتالون المعتدلين ايضا ممن أقسموا ان يتركوا الارهاب. واذا لم يغتالوا حياتهم حقا فانهم يغتالون حياتهم السياسية ويغتالون مستقبلنا ايضا.

          في الايام الاخيرة، قُبيل الانتخابات التمهيدية في الليكود بيتنا وقُبيل التصويت في الامم المتحدة، يتنافس القائمون بالانتخابات التمهيدية في إرخاء الرسن. فكل مُكثر من الهجوم على محمود عباس ممدوح وسيتم الثناء عليه في صناديق اقتراع الحركة الموحدة الجديدة، وهم مصممون على القضاء عليه لأنه هيأ لنا باعتداله فرصة اخرى للتحادث والتهدئة.

          لم يعد يوجد فرق بين بنيامين نتنياهو وموشيه فايغلين، وبين افيغدور ليبرمان وجدعون ساعر، فالجميع ينقض في هياج وغضب على عباس بشرط ألا يبلغوا الى المحكمة الدولية في لاهاي. يتبين اذا ان الاعتدال ايضا ليس صفة تتيح طول العمر.

          ما الذي فكر فيه جميع صاغة “برنامج العمل الاجتماعي والمدني” من شيلي يحيموفيتش الى يئير لبيد، ونشطاء الاحتجاج اولئك الذين يحاولون الآن الاستيقاظ من نومهم؟ ما الذي خطر ببالهم هل ان تدور الانتخابات التالية حقا على التساوي في العبء، وتغيير طريقة الانتخابات، وغلاء المعيشة والفروق التي تزداد عمقا في المجتمع؟ أهذا ما رأيتموه بعيون أرواحكم وخواطر قلوبكم يا رُحماءنا ورُفقاءنا؟ لستم ساذجين بهذا القدر. ان بنيامين نتنياهو واهود باراك لن يدعاكم تجرون الجدل العام الى مناطق ميتة هي بالنسبة اليهما مناطق مشاع. ان الناس الأقل اتزانا هم دائما الناس الأكثر اتزانا حينما يكون مصيرهم الشخصي موضوعا في كفة الميزان. وسيُعيد الجمهور قلقه الى سابق عهده كما كانت الحال في جميع معارك الانتخابات السابقة.

          ان “عامود السحاب” وهو الاسم الذي أُعطي للعملية العسكرية المكرر، هو اسم أكثر نجاحا من “عامود النار” بل من “الرصاص المصبوب” اللذين هما اسمان ذوا صبغة عنيفة شيئا ما. ان الشعب كله سيرى عامود السحاب عند باب الخيمة والشعب كله سيقوم ويسجد كل واحد عند باب خيمته. وبعد العملية التي ستقضي على الوباء هذه المرة وتقتلع وتُبعد وتحسم – سنعلم مرة اخرى ان البحر هو نفس البحر وان غزة هي نفس غزة وان العرب هم العرب أنفسهم وكذلك اليهود ايضا.

 

 

 

معاريف – مقال – 15/11/2012

خطوة افتتاحية لامعة

بقلم: اليكس فيشمان

لو كانت هكذا بدأت حرب لبنان الثانية – بتصفية نصرالله وبابادة معظم الصواريخ بعيدة المدى لديه – لكانت الحرب اياها بدت مختلفة.

          في الضربة الافتتاحية أصاب الجيش الاسرائيلي بشدة، في غضون فترة زمنية قصيرة، عنصرين استراتيجيين مركزيين في منظمة حماس: فقد صفى معظم الصواريخ بعيدة المدى – والقائد العسكري. كانت هذه خطوة لامعة، سواء من حيث الفكرة أم من حيث التنفيذ.

          لقد اعدت هذه الحملة كـ “حملة على الرف” قبل أشهر طويلة. وتحدث رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية “امان” اللواء أفيف كوخافي منذئذ عن تصفية احمد الجعبري، غير أن هذا اعتبر في حينه كجنون سيشعل كل الشرق الاوسط. وفجأة، يوم السبت، بعد ضرب سيارة جيب جنود جفعاتي، حين انزلت حملة “عامود سحاب” عن الرف وبدأت تتدحرج في هيئة الاركان العامة، أصبح هذا ممكنا.

          وقرر رئيس الوزراء ووزير الدفاع الخروج الى حملة عسكرية فيها خطرا كبيرا على اشتعال شامل. هذه الجرأة في اختيار الاهداف يفترض أن تضع حماس، بشكل أسرع، امام المعضلة المطلقة: الرد أم التراجع. لا سبيل ثالث لادارة حرب استنزاف. وعليه فان ضربة الافتتاح يجب ان تكون كاملة: وهكذا كان.

          الاحساس بالنوم الذي بثه باراك ونتنياهو في اليومين الاخيرين وان كان مزق أعصاب سكان الجنوب، الا أنه أيضا امتشق الجعبري وأمثاله من الجحور وسمح بضربة مفاجئة وانطلاقا لحملة عسكرية في طقس جوي جيد. قيادة الجيش، وزير الدفاع ورئيس الوزراء عرفوا منذ يوم الاحد بان الحملة ستبدأ يوم الاربعاء. وقد كانوا بحاجة الى الوقت: من أجل الاستعداد لضربة الافتتاح وكذا من أجل الوصول الى الحملة في طقس جوي مثالي.

          وشارك الجيش ايضا في عملية التضليل. فقبل يوم من الحملة سافر رئيس الاركان الى هضبة الجولان وفتحت المعابر في قطاع غزة لعبور البضائع. ولكن أكثر من كل شيء: الجيش صمت. لم يتحدثوا ولم يهددوا – ضباب قتالي حقيقي. في الـ 24 ساعة التي سبقت الحملة اغلق رئيس الاركان وقائد المنطقة الجنوبية على نفسيهما الغرفة مع رجال سلاح الجو والاستخبارات وانشغلوا باقرار الخطط. وعلى الطاولة وضعت عدة فرص لتصفية سلسلة طويلة من قادة حماس. رئيس الاركان نظر الى الضباط المتحمسين، ورفض. كانت هناك فرص ذهبية، ولكن غانتس اراد، قبل الجميع، رجل واحد – أحمد الجعبري. وقدمت له المخابرات اياه على طبق من فضة.

          لو كانت هكذا بدأت حرب لبنان الثانية – بتصفية نصرالله وبابادة معظم الصواريخ بعيدة المدى لديه – لكانت الحرب اياها بدت مختلفة. هذه المرة نجحت اسرائيل في أن تمس بزعيمين لهما تأثير حاسم على المعركة: الجعبري، “عماد مغنية حماس” – صفي. أما مصير قائد اللواء الجنوبي في القطاع، رائد العطار، فليس واضحا بعد ويحتمل أن يكون نجا من الاصابة. هذا الرجل، اضافة الى قائده الرسمي، كان المسؤول عن عمليات الارهاب في محور غزة – سيناء، وفي الاشهر الاخيرة أخذ على عاتقه المسؤولية عن المنظومة الصاروخية بعيدة المدى.

          وفي الضربة الاولى أيضا شطب الجيش الاسرائيلي حفرات اطلاق للصواريخ دفنت فيها صواريخ فجر 5 التي تصل الى مدى 75كم، وصواريخ بعيدة المدى غيرها. عمل سنوات في شعبة الاستخبارات أعطى ثماره. في الموجة الثانية من الهجمات الجوية قصفت معامل انتاج طائرات غير مأهولة في غزة، مراكز تطوير، مخازن ومخارط لانتاج الذخيرة.

          لقد أوضحت ضربة الافتتاح بان المنظومة العسكرية، سواء لحماس ام للجهاد، مكشوفة مثل صورة اشعاعية امام العيون والاذان الاسرائيلية. من يعرف أين يتجول الجعبري، يعرف أيضا اين يتجول نشطاء عسكريون كبار آخرون في مستويات مختلفة. وهنا نصل الى اليوم الثاني من الحملة، حيث من المتوقع للجيش الاسرائيلي أن يواصل التدمير المنهاجي لاهداف عسكرية وقيادات عسكرية. معقول جدا الافتراض بانه اذا كان رد حماس على ضربة الافتتاح قاسيا، فلن يكون أمام اسرائيل مفر غير معالجة شخصيات معينة في القيادة المدنية للمنظمة ممن يرتبطون باعمال الارهاب.

          الملف الغزي الذي أعدته الاستخبارات في اسرائيل يتشكل من مئات الاهداف. كلما ارتفعت درجة النار، ستقترب النار أكثر فأكثر من التجمعات المدنية، حيث تدفن مخازن عسكرية وقسم من البنى التحتية للانتاج العسكري لدى حماس. وعندها أيضا لن يكون مفر من بث الصافرات وغيرها من الوسائل لاخراج السكان المدنيين في غزة من مناطق معينة.

          المرحلة الاولى في حملة “عامود سحاب” هي في أساسها مرحلة جوية، ولكن توجد فيها أيضا عناصر من البحر ومن البر. في هذه الاثناء، حين لا يدور الحديث اساس الا عن استخدام السلاح الموجه الدقيق، فقد أعطى الامريكيون لاسرائيل ضوء أخضر. أما للاوروبيين فيستغرق الامر زمنا الى أن يصحوا. والان توجد قيد الاختبار العلاقات التي تبقت مع المصريين ومع السلطة الفلسطينية. العملية الجوية الدقيقة، على الاقل حتى الان، هي اشارة واضحة ايضا للايرانيين وللبنانيين على حد سواء – ليس فقط عن قدرة اسرائيل العسكرية بل وايضا عن استعدادها لاخذ المخاطر.

           في الساعات الاولى تصرفت حماس كمنظمة اصيبت بالصدمة. وعند المساء بدأت تعمل منظومات التحكم والرقابة التي اقامتها المنظمة بعد “رصاص مصبوب” وبدأت نار منسقة نحو اهداف في الاراضي الاسرائيلية.

          في اسرائيل يأخذون بالحسبان بان حماس هي منظمة محبة للحياة. فبعد أن تتضرر بشدة من العملية العسكرية ستستخدم المنطق كي تنجو. ولاسرائيل ايضا لا توجد مصلحة في اسقاط حماس. ومن هنا أيضا تنشأ أهداف الحملة. اذا ما التقطت في اسرائيل معلومة عن أن حماس ليس فقط لا تطلق النار بل وأيضا تستخدم إمرتها وقوتها  كي تمنع الجهات الاخرى عن اطلاق النار – فان اسرائيل ستتوقف. هذا هو الانجاز اللازم بعد تدمير منظومة الصواريخ الاستراتيجية.

          اذا لم تعطي العملية الجوية، التي سترتفع كل الوقت في مدرج القوة، هذه النتيجة – ستنتقل الحملة الى المرحلة الثانية، التي هي مثابة الخيار أهون الشرين: المرحلة البرية. الدرس العسير من حرب لبنان الثانية والدرس الايجابي من حملة “رصاص مصبوب” علما اسرائيل بان الضربة البرية يجب أن تكون، من اللحظة الاولى، في قمتها. ليست تدريجية. والا يبدأ التورط. ومنذ أمس بدأت ألوية نظامية تستعد لامكانية النزول الى قطاع غزة. اما تجنيد الاحتياط فهو حاليا هامشي ويرمي الى استكمال الوظائف في الوحدات النظامية.

          وتقدر محافل رفيعة المستوى في سلاح الجو بان الضربة الجوية التي اعدت ستكفي، وذلك لان قوة النار المخطط لها هي بحجوم مثيرة للانطباع جدا ومنظمة حماس، سبق أن قلنا، هي منظمة عقلانية. فهي تريد أن تحافظ على حكمها بكل ثمن.

          المخاطر التي تنطوي عليها هذه الخطوة العسكرية هي الارهاب في الخارج – في ظل ضرب أهداف اسرائيلية ويهودية، ارهاب في اراضي دولة اسرائيل وفي الضفة وبالطبع استمرار النار الصاروخية، التي نجاعتها مشروطة، أولا وقبل كل شيء بالاجماع الوطني وبقدرة صمود سكان الجنوب. وستكون الايام القريبة القادمة الايام الصعبة للجبهة الداخلية الاسرائيلية وذلك رغم أن سلاح الجو سيواصل صيد وسائل الاطلاق والقبة الحديدية سجلت لنفسها أمس رقما قياسيا عالميا حين اعترضت، دفعة واحدة، 17 صاروخ فوق بئر السبع. ولكن بانتظار سكان الجنوب عدة أيام من الالام- وبالطبع توجد دوما امكانية أن تتعقد هذه الحملة في اتجاهات غير مرغوب فيها.

 

 

هآرتس – مقال – 15/11/2012

حرب انتخابات

بقلم: أوري مسغاف

الدافع الى العملية في غزة سياسي بحت لتعزيز مكانة بنيامين نتنياهو واهود باراك قبل الانتخابات.

       أوضحت مصادر عسكرية في بداية الاسبوع ان حماس برغم أنها أسرعت الى تحمل المسؤولية – لم تكن مسؤولة عن جولة اطلاق النار الأخيرة في غلاف غزة. فقد نفذت فصائل جهادية متطرفة اطلاق الصاروخ المضاد للدبابات على سيارة للجيش الاسرائيلي واطلاق الصواريخ على بلدات النقب. وعلى حسب ما تقول “أمان”، تطمح تلك المنظمات الى هدف مزدوج وهو تحدي حماس من اليمين وجر اسرائيل الى عملية واسعة في غزة تنهار على أثرها سلطة حماس وتنتقل القيادة الى القاعدة. وبرغم ان هذه الحال معلومة للجميع اغتالت اسرائيل بعد الظهر القائد العسكري لحماس وأصحاب مناصب اخرى في المنظمة ووجهت في المقابل ضربات جوية اخرى الى بنى تحتية للمنظمة. ان المنطق الوحيد لهذه العملية سياسي لا استراتيجي. ذات مرة كانت الحكومات الواقعة في ازمة قد اعتادت ان تستعمل عشية التوجه الى صناديق الاقتراع اقتصاد انتخابات، وحصلنا اليوم على بديل عنه هو حرب انتخابات.

          لا جدل في ان سكان الجنوب (وسكان قطاع غزة ايضا، بالمناسبة) يعيشون في واقع لا يُطاق. فهو واقع مشاع وفاضح يُفرغ من المضمون مسؤولية دولة ذات سيادة عن عيش سكانها في كرامة. ان الحكومة القومية – المتدينة التي تحكم اسرائيل في ثقة في السنوات الاربع الاخيرة لم تفعل شيئا لتُغير هذا الواقع في هذه السنوات الاربع.

          كانت العملية الاستراتيجية الوحيدة في المجال بين اسرائيل وغزة هي اعادة أسير الجيش الاسرائيلي جلعاد شليط، وتم ذلك ردا مباشرا على أمواج الاحتجاج الاجتماعي الاقتصادي ومقابل الافراج عن أكثر من ألف أسير فلسطيني، وخلافا مطلقا للموقف الذي عبر عنه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حتى يوم الاطلاق نفسه.

          كانت في الحقيقة عملية واحدة اخرى ذات آثار استراتيجية وهي السيطرة البائسة بالقوة على السفينة “مافي مرمرة” التي أفسدت علاقة اسرائيل مع تركيا وورطت اسرائيل حتى عنقها في الصعيد الدولي، ولم يتم شيء سوى ذلك لا فيما يتعلق بالحصار البحري والبري الذي يخنق غزة ولا فيما يتعلق ببنية الأنفاق التحتية التي تتطور نتيجة الحصار. ولا فيما يتعلق بزيادة قوة فصائل الجهاد العسكرية برعاية ايران، ولا فيما يتعلق بالطبع بامكانية حوار سياسي مع الفلسطينيين عامة ومع حكومة حماس خاصة. والآن قبل الانتخابات في اسرائيل بشهرين جاءت تصفية الجعبري التي تعني اعلان حرب.

          كان يفترض ان تتم الانتخابات القريبة في الملعب الاقتصادي – الاجتماعي. وهو ملعب توجد فيه الحكومة التي تتولى عملها في ضيق لم يهدد في الحقيقة استمرار سلطتها لأن خصوم نتنياهو المحتملين في المقابل تخلوا عن الملعب السياسي الامني، ولم يتجرأ أحد منهم على اقامة بديل في هذا الملعب وان يعرضوا بذلك على مواطني اسرائيل تصورا استراتيجيا عاما ينافس التصور الحالي لحكومة نتنياهو (إن وجد). أعلنت رئيسة حزب العمل شيلي يحيموفيتش في مطلع الاسبوع أنها “تمنح رئيس الوزراء نتنياهو دعما” فيما يتعلق بالتوتر في الجنوب – وكأنها شريكة كاملة في حكومته في المستقبل لا منافسة مصممة في قيادة الدولة. ولا حاجة الى اكثار الكلام على صمت زعيم “يش عتيد”، يئير لبيد، الهادر. فمن الواضح مع عدم وجود معارضة وتصور عام بديل ان الاصبع كانت خفيفة بصورة مميزة على الزناد.

          برغم ذلك وفي ضوء عجز القيادة المستمر في الجنوب، بدأ يلوح في الايام الاخيرة عدم هدوء في الميدان السياسي والاعلامي، وبدأ نتنياهو يتصبب عرقا. فمع السيطرة المطلقة لنفتالي بينيت ومؤيديه على المصوت المتدين – القومي، وقوة شاس السريعة بقيادة درعي، والضعف المستمر لطاقة المصوتين “الاجتماعيين”، كان كل ذلك كثيرا جدا بالنسبة اليه. ان النجاح العملياتي المدهش قد يعزز في ظاهر الامر وزير الدفاع اهود باراك الذي غاص تحت هوة النسيان لنسبة الحسم مع حزبه الافتراضي. ولندع للحظة منطق العملية الاستراتيجي فنقول ان توقيتها شفاف ببساطة الى حد السخافة.

          سيدفع مواطنو اسرائيل الثمن في الايام القريبة. ويجدر ألا ننساق وراء ردود ابتهاج كثيرين منهم في مواقع الانترنت والشبكات الاجتماعية وألا نتأثر كثيرا ايضا بالدعم الآلي من قبل أكثر الجهاز السياسي (حتى من المتقاعدة السياسية تسيبي لفني التي لم يستقر رأيها بعد على الترشح في الانتخابات، لكن استقر رأيها على دعم العملية، بسرعة الصوت).

          شاهدنا هذا الفيلم مرات كثيرة. وتميل النشوة الى الخفوت مع سقوط أول صاروخ خارج المحيط المعتاد لخط المواجهة العسكرية.

يديعوت – مقال – 15/11/2012

حرب بلا نهاية

بقلم: ايتان هابر

ليس “عامود سحاب” ولا “عامود نار” ولا الحملات العسكرية هي التي ستحل المشكلة الصعبة التي تسمى قطاع غزة ومنظمات الارهاب التي وجدت وتجد لها فيه مأوى. لم يكن، لا يوجد ولن يكون حل عسكري للدمل الذي يسمى قطاع غزة.

          العلمانيون منا بعثوا أمس بالتهاني للجيش الاسرائيلي والمتدينون منا صلوا لسلامة الجيش وسلامة دولة اسرائيل، في الوقت الذي انطلق فيه الجيش الاسرائيلي الى حملة “عامود سحاب” ردا على النار التي لا تتوقف من قطاع غزة. وفي هذه الساعة دارج بشكل عام الوقوف خلف الجيش الاسرائيلي الثناء على الخطوات العسكرية وابداء الوحدة.

          للتهاني والصلوات على حد سواء يجب أن تضاف ايضا الآمال في أن تكون هذه جولة النار الاخيرة وسكان الجنوب يحظون في نهاية الحملة بسنوات من الهدوء. ولكن هذا، على ما يبدو، هو وهم عابث. حملة امس هي على ما يبدو مجرد فصل آخر في الكتاب الدموي الذي لم يعد أحد يتذكر بدايته، أما نهايته فلا يراها احد بعد. هذه حرب لا نهاية لها: مرة تكون في الشمال، مرة في الوسط، والان، منذ عدة سنوات في الجنوب.

          العملية التي بدأت امس كانت واجبة الواقع تقريبا. رئيس الوزراء، وزير الدفاع، رئيس الاركان، وزراء الحكومة ورجالات الحكم واعون لصورة الوضع البشعة: فقد عرضت حماس دولة اسرائيل والجيش الاسرائيلي العظيم عاريين، عديمي الوسيلة، يجدان صعوبة في الرد ويفقدان على نحو شبه تام قدرتهما على الردع. لا يمكن لاي دولة محبة للحياة ان تسمح لنفسها بوضع كهذا، رغم أن رئيس الوزراء ووزير الدفاع، وبالتأكيد عشية الانتخابات، غير قادرين على أن يتصورا ان يعرضا كواهنين وعديمي الحيلة.         

          في صالح رئيس الوزراء، وزير الدفاع ورئيس الاركان، وكثيرين آخرين يقال انهم نجحوا في خلق مفاجأة استراتيجية حين خيل أنه تأخروا في موعد الرد العسكري المناسب. يتبين أنه حتى في ايام الجلبة الاعلامية من كل صوب وحين خيل ان كل الاسرار العسكرية تتدحرج في الشارع، لا يزال ممكنا خلق مفاجأة كبيرة للاصدقاء والاعداء على حد سواء. لقد كان احمد الجعبري هذه المرة هو الضحية. وكانت العملية التي بدأت امس هي اجمال لجمع للمعلومات الاستخبارية الجدير بكل ثناء وانفعال: المخابرات (برئاسة يورام كوهين) ورجال استخبارات في الجيش الاسرائيلي (بقيادة اللواء افيف كوخافي) جمعوا على مدى اشهر طويلة تفاصيل التفاصيل، قطعة فوق قطعة من المعلومات حتى استغلال الفرصة وضرب مخازن الصواريخ التي يمكن لبعضها أن تصل ايضا الى ميدان القصر الثقافي في تل أبيب وشماله.

          جمع المعلومات عن مكان الصواريخ بعيدة المدى كان حتى أهم من العثور على مكان رئيس أركان حماس. التهديد بنار الصواريخ على منطقة غوش دان لم يشطب بعد في الوقت الذي تنزل فيه هذه السطور الى المطبعة، ولكن كل صاروخ دمر امس في غزة هو مصابين اقل في غوش دان وفي اسرائيل بأسرها.

          في هذه  اللحظة لا نعرف كيف ستنتهي حملة “عامود سحاب” اذا كانت الحملة ستستمر لبضع ساعات اخرى فقط، لبضعة ايام اخرى أم ربما اكثر من ذلك. وبالتأكيد يحتمل أن يضطرون الى توسيعها الى عملية برية، ويحتمل أيضا أن نشهد عمليات مضادة. في كل الاحوال، فانه ليس “عامود سحاب” ولا “عامود نار” ولا الحملات العسكرية هي التي ستحل المشكلة الصعبة التي تسمى قطاع غزة ومنظمات الارهاب التي وجدت وتجد لها فيه مأوى. لم يكن، لا يوجد ولن يكون حل عسكري للدمل الذي يسمى قطاع غزة. اذا لم يتوفر السبيل لتسوية سياسية، فسيكون في داخلنا الكثيرون ممن سيشاركون في “عامود سحاب 2″، “عامود سحاب 3” وهكذا دواليك.

اسرائيل اليوم – مقال – 15/11/2012

يجب ان نُبين لحماس أنها هي المسؤولة

بقلم: د. رون برايمن

ينبغي لاسرائيل ان تشدد الحصار على غزة لمنع دخول الاسلحة لا ان تستمر في تزويد المواطنين تحت حكم حماس بوسائل العيش.

          ان عمل الحكومة في العقد بين الدولة ومواطنيها هو الحفاظ على أمنهم. ومقابل ذلك يوافق المواطنون على قيود هي طاعة القوانين والخدمة العسكرية ودفع الضرائب. وحينما لا تفي الحكومة بهذا الواجب تنكث العقد، وتقلل استعداد المواطنين لتحمل القيود وتضر بنسيج العلاقات الحيوي في مجتمع ديمقراطي.

          ليس جنوب البلاد هو “غلاف غزة” بل “المتلقي من غزة”، وهو منطقة أخذت تتسع في حين لا تفي حكومة اسرائيل بواجبها. ومع ذلك فان استعمال الحكومة للجيش الاسرائيلي يجب ان يكون موزونا واخلاقيا ايضا.

          تحتار دولة اسرائيل كيف تعامل حماس، فهناك من يقترحون حربا ترمي الى اسقاطها من غير تفكير في الثمن – لا من حياة الجنود والمواطنين الاسرائيليين ورعايا العدو بل الأخطاء السياسية وغير الاخلاقية: فقد تجعل حكومة اسرائيل ضحايا الجيش الاسرائيلي الطبق الفضي لانشاء دولة فلسطينية. ان الخطر الكامن في نقل غزة الى سيطرة سلطة الارهاب الفلسطينية أكبر من الخطر الكامن في حماس. ولا يجوز ان يُستخدم جنود الجيش الاسرائيلي طبقا فضيا لانشاء دولة فلسطينية. اذا كان هذا هو الهدف فان الحديث عن حرب غير اخلاقية ولا يجوز الخروج اليها.

          ويقترح آخرون من مؤيدي الانفصال خاصة وكل ما بقي منه هو طرد اليهود، يقترحون استمرار المشاركة في غزة والافضال على رعايا العدو حتى لو كان ذلك يُعرض للخطر حياة اسرائيليين وحتى لو كانت هذه السياسة تعزز حماس: فاسرائيل حينما تزود السكان في غزة بحاجاتهم تعفي السلطة هناك من مسؤوليتها عن رعاياها وتحررها للاشتغال بزيادة قوتها استعدادا للحرب.

          لا يجوز ان يتم القتال في غزة دون شرطين ضروريين الاول تقدير مسبق للأخطار توزن في اطاره جميع المعاني المتعلقة بمواطني اسرائيل والعدو والجبهات الاخرى وقوة ردع اسرائيل وغيرها. وليس واضحا انه تم تقدير أخطار أساسي قبل الخروج المتسرع لحرب لبنان في 2006. والثاني تحديد أهداف الحرب. يجب ان يكون الهدف تحطيم قوة حماس لا اسقاطها. ويجب ان تكون الوجبات بحسب ذلك.

          لا يجوز على الاطلاق تعريض حياة جنود الجيش الاسرائيلي للخطر اذا كان الهدف اسقاط حماس ونقل السلطة الى أبو مازن. فحماس أفضل من م.ت.ف. لأنها عدو معلِن ظاهر، الأثمان السياسية معه منخفضة. أما منظمة التحرير الفلسطينية فهي عدو تشبه أهدافها أهداف حماس لكنها تُعرض على أنها “معتدلة”، وهناك من يُغريهم دفع أثمان باهظة لها مقابل “اعتدالها”.

          ليس قطاع غزة دولة بل هو كيان تحكمه حكومة معادية تُمكّن من مهاجمة أهداف اسرائيلية. ويُقتل مواطنون ويُجرحون ويُصاب كثيرون منهم بصدمة ورعب، وتتشوش الحياة العادية تماما حتى حينما لا يوجد مصابون ولا يقع ضرر. ولا شك في انه يعيش في القطاع كثيرون لا يشاركون في الاعمال القتالية لكنهم رعايا العدو. وقد انتخبوا حماس في انتخابات ديمقراطية نسبيا. ولا توجد اليوم ايضا علامات احتجاج على هذه السلطة ويبدو ان الجمهور بعامة يؤيد حماس.

          ان هدف الصهيونية بحسب نشيد “هتكفاه” ان نكون شعبا حرا في ارضنا وان نكون بقدر لا يقل عن ذلك شعبا يعيش حياة طبيعية في بلاده. ان الدولة الطبيعية لا تعطي أعداءها غذاءا ومساعدة انسانية ولا وقودا وكهرباء واسمنتا تُستعمل في آلة حربها. أهكذا تصرفت بريطانيا مع المانيا النازية التي فاز الحزب الحاكم فيها هو ايضا بانتخابات ديمقراطية نسبيا؟ ألم تفضل أمن مواطنيها ورفاههم على أمن العدو ورفاهه؟.

          على مر التاريخ البشري كان حصار العدو ومنع المدد عنه وعن السكان الذين يحكمهم، وسيلة مقبولة لاخضاعه. فلم تحجم بريطانيا عن حصار بحري لالمانيا وقصف جوي لأهداف مدنية واقتصادية ايضا من اجل الافضاء الى انهاء الحرب.

          والاستنتاج انه ينبغي تشديد الحصار على القطاع بدل تعريض الاسرائيليين للخطر بامداد العدو بالوقود. ويمكن على ان يكون ذلك تفضلا انسانيا إمداد مولدات الكهرباء في المستشفيات بالوقود والتزويد بالمعدات الطبية بصورة نقطية. وعلى كل حال ينبغي ان نُبين لحماس ومُدعي البر الذين يعملون من اجلها ان المسؤولية عن منع كارثة انسانية مُلقاة عليها باعتبارها حكومة. فاذا شاءت فانها تستطيع ان تخفف الحصار بتسليم صواريخ الكاتيوشا وصواريخ القسام مقابل الغذاء. وفي مقابل هذا لا يجوز الاستمرار في مفارقة صواريخ الكاتيوشا وصواريخ القسام (التي تطلق) على مدن اسرائيل في مقابل الغذاء لغزة. لا يجوز ان تكون التفضلات الانسانية بلا مقابل بل في مقابل تسليم وسائل القتال عند العدو ووقف “تهريب” السلاح الذي ليس هو سوى إمداد من مصر. قد يكون تشديد الحصار خاصة هو الذي يمنع حربا دامية في غزة.

اسرائيل اليوم – مقال – 15/11/2012

للحظة، اسرائيل التي كانت ذات مرة

بقلم: دان مرغليت

بدأت عملية “عامود سحاب” بخطوة صحيحة لكن النهاية ستكون صعبة فيجب الاستعداد لها استعدادا جيدا.

       تمت تصفية احمد الجعبري أمس في تأخر ملحوظ، وفعل ذلك متأخرا أفضل من ألا يكون. كان يُحتاج الى طلقة البدء وما جاء بعدها بالهجوم على صواريخ فجر ومسؤولين كبار آخرين في حماس كي تُعاد الى اسرائيل قوة الردع التي سُحقت في الاشهر الاخيرة. ان الثمن الذي يجبيه الجيش الاسرائيلي و”الشباك” من حماس هو الاحتمال الوحيد لوقف اطلاق النار فترة طويلة. وهذا هو الهدف. وليس هو أمرا لا أهمية له لكنه أقل من حل شامل.

          ظهرت للحظة اسرائيل التي كانت ذات مرة، في دهاء وسرعة ولطافة. فقد أعلن الوزير بني بيغن ان جولة المعارك قد انقضت. وصدرت عن بنيامين نتنياهو واهود باراك اقوال بدت مثل كليشيهات ومن اجل استكمال خديعة حماس طارا أمس الى الشمال وحينها وجه بني غانتس النيران الى قطاع غزة.

          لم يكن سهلا امكان بدء عملية “عامود سحاب” بتصفية مسؤولين كبار آخرين من حماس، لكن يورام كوهين و”الشباك” جاءا بمعلومة تفيد أنه هناك احتمال لاعتقال الجعبري، واستقر الرأي على انتظاره قبل الانقضاض على خرائط مواقع صواريخ فجر الدقيقة التي جاء بها رئيس “أمان”، أفيف كوخافي.

          فوجئت حماس لأنها قدّرت ان الحكومة في القدس لن تتجرأ على الرد على تحرشها، بل ظهر ذلك أمس في كلام اسماعيل هنية الذي قال انه لو كانت الادارة المصرية الحالية تحكم القاهرة في ايام “الرصاص المصبوب” لما حدثت العملية السابقة.

          ما كانت حماس قادرة على تخمين ان “عامود سحاب” واقف عند بابها. صحيح ان مصر ردت أمس بحزم دبلوماسي باستدعائها سفيرها للمشاورة في البيت. وهذا يعني في المعجم الدبلوماسي تنديدا شديدا باسرائيل.

          اخطأت حماس تقدير ضعف اسرائيل. ومع ذلك امتنع نتنياهو وباراك أمس عن كل اظهار للصلف ورفع متكلف للروح المعنوية من النوع الذي ميز بدء حرب لبنان الثانية. بالعكس، أكدا هما ومتحدث الجيش الاسرائيلي يوآف (بولي) مردخاي أنه تنتظرنا ايام قاسية.

          حددت الحكومة سقف أهداف واقعيا بل انه رمادي مفهوم من تلقاء ذاته عن ادراك ان هذه العمليات لا تحل المشكلة حلا كاملا لأنه لا يعقبها اتفاق سلام ولا هدنة ايضا بل يتم احراز ردع لبضع سنوات، وهو – وفقط هو – يمنح سكان البلدات في الجنوب هدوءا نسبيا.

          لكن الطريق من هنا الى احراز الأهداف الواقعية هذه طويلة. ستكون ايام مد وجزر؛ وايام حيرة مع “ماذا سيكون” و”هل نعيش على السيف الى الأبد؟” وستكون مشكلات سياسية صعبة في الشرق الاوسط وفي الدائرة الصديقة البعيدة في الولايات المتحدة واوروبا؛ وصواريخ غراد تصيب أهدافها بل ربما يُطلق صاروخ فجر على غوش دان، ويجب الامتناع عن الهستيريا، وهذا سيء لكنه سيقوي التكافل مع المواطنين – الأخوة في بلدات غلاف غزة؛ ووحدة المعسكر السياسي ايضا هي شأن لوقت قصير، وستُمكّن صعوبات وأخطاء لا يمكن منعها فصائل معارِضة من الانشقاق عن الاجماع الواسع على نحو طبيعي.

          لا شك في ان “عامود سحاب” قد انطلقت في طريقها بخطوة صحيحة، لكن من المفهوم ان النهاية ستكون قاسية بصورة مميزة. آنئذ ستأتي مرحلة المساومة مع تدخل جهات دولية صديقة ومعادية. ويستحق القرار تأييدا واسعا لكن يجب ان يتم ملء الرئات بالهواء فالصبر وبرودة الأعصاب هما امتحان الجبهة الداخلية. وكذلك ادراك ان كل انجاز محدود في الوقت ظاهر للعيان.

هآرتس – مقال -15/11/2012

مجال رد مصر الدبلوماسي أخذ ينفد

بقلم: تسفي برئيل

ليست مصر وغيرها من الدول العربية معنية بأن تتدهور العلاقات باسرائيل وتسوء الى حد القطيعة لكن كل ذلك يتعلق بكيفية تطور الأحداث في الايام المقبلة.

       قصّرت مصر أمس بصورة كبيرة سلسلة الرد التي تعودتها اسرائيل في فترة مبارك. فقد أعادت سفيرها من اسرائيل بسبب تصفية قائد الذراع العسكرية لحماس لا بسبب ازمة سياسية. وليست اعادة السفير للمشاورة قطعا للعلاقات لكنها تضائل مجال الرد الدبلوماسي المصري، ومن هنا ايضا تأثير مصر في استمرار الاجراء العسكري. كانت مصر تُقدر الى أمس أنها نجحت كما كانت الحال في الماضي في وقف موجة العنف وانشاء هدنة بين اسرائيل وحماس. وقضى اغتيال احمد الجعبري على هذه المعادلة ودفع مصر بمفاجأة مزعزعة الى ركن قرار لم يكن عندها مناص منه. اذا استمرت العملية العسكرية واذا تبين أنها توقع قتلى كثيرين من السكان المدنيين في غزة فسيتضاءل احتياطي الردود المصرية لتصبح سوءا آخر للعلاقات قد يعني قطيعة حقيقية.

          في المقابل يوحي مرسي برسالة اخرى ايضا. فقد دعا على عجل وزراء خارجية الدول العربية للتشاور وتوجه ايضا الى مجلس الامن الذي أجرى هذه الليلة نقاشا عاجلا للازمة في غزة. ان توسيع دائرة متخذي القرارات وإشراك الدول العربية في صوغ رد عربي مشترك، الى جانب توجه الى مجلس الامن، قد يُخلص مصر من تلك الزاوية. ونقل علاج الازمة في غزة من مصر الى دول عربية اخرى والى المجتمع الدولي يعني تقاسم عبء المسؤولية الذي قد يمنع نقدا قاسيا جدا على مصر من الداخل ومن قبل حماس ايضا لأنها لا تستعمل خطوات شديدة كقطع العلاقات. ان عدم حضور سوريا لهذا الاجتماع بسبب ابعادها عن الجامعة العربية يترك لمصر والاردن والسعودية ان تقترح قرارات معتدلة نسبيا قد تُبين لحماس ايضا مبلغ الدعم الذي يمكن ان تتوقعه.

          ان مصر الغارقة الآن في صراع سياسي مرهق لصوغ دستور وتحتاج الى العمل في تصميم على مواجهة المنظمات السلفية المسلحة، لا تحتاج الى تحدي سياسي خطير آخر مع اسرائيل. ان استمرار التعاون الهاديء بين اسرائيل ومصر على المعركة مع الارهاب في سيناء ضروري كي تستطيع ادارة مرسي ان تعرض انجازات. وفي المقابل فان الخشية المصرية هي من انه اذا تدهورت العلاقات أكثر فقد تعمل اسرائيل في سيناء بصورة مستقلة وتُضعف بذلك مكانة الحكومة في نظر الجمهور أكثر.

          للاردن ايضا، الذي دُفع الى دوار احتجاجات على ارتفاع اسعار الوقود قد تتطور لتصبح عصيانا مدنيا، له ايضا مصلحة كبيرة في تهدئة الازمة في غزة كي لا تغذي احتجاجات الفلسطينيين في داخله لأن انتقال الازمة الى داخله قد يثير طلب قطع العلاقات بين المملكة واسرائيل. وستجهد السعودية لمنع صرف الانتباه العربي عن سوريا الى غزة ولا سيما بسبب مشاركة قطر في القطاع التي قوّت الامارة الصغيرة والغنية على حساب تأثير السعودية.

          ان تلاقي المصالح بين مصر والاردن والسعودية قد يثمر في هذه المرحلة خطابة صارخة وتنديدات شديدة لكنه لن يثمر خطوات أكبر من اعادة السفير المصري. لكن اذا استمرت العملية العسكرية ولم تُحرز تهدئة، فان مصر بدعم من الدول العربية قد تفتح من طرف واحد معبر رفح لا للناس فقط بل للسلع ايضا وتسقط بذلك سياسة الحصار الاسرائيلية. وسيضطر الاردن بعد ذلك ايضا الى اعادة السفير بعد ان كان عينه في الفترة الاخيرة فقط، وهذه هي المرحلة الثانية للرد العربي التي تريد الدول العربية الامتناع عنها. والسؤال الآن بأي قدر تستطيع الولايات المتحدة وتوافق على اخراج حبات الكستناء لها من النار من اجل الافضاء الى تهدئة.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى