ترجمات عبرية

مقالات وتقارير مترجمة من الصحافة الاسرائيلية ليوم 16-11-2012


معاريف – من عمير ربابورت:16/11/2012

 في الطريق الى غزة../ يقاتلون ضد الزمن../

حتى لو لم يطلقوا صاروخي فجر نحو تل أبيب وريشون لتسيون مساء أمس، معقول الافتراض ان الجيش الاسرائيلي كان سينطلق في حملة برية في قطاع غزة في اطار المرحلة الثانية من حملة “عامود سحاب”. احتمال تحقق هذه المرحلة، فور “التليين” الجوي والمعالجة لوسائل اطلاق الصواريخ والكاتيوشا كان عاليا منذ البداية.

          خطوة حماس، التي أدخلت مليون ونصف مواطن آخر في خوف الصافرات، حتى وإن لم يتسبب حتى امس باصابات أو اضرار في غوش دان، زادت هذا الاحتمال جدا. فامكانية أن تكون عملية برية هي خلفية قرار وزير الدفاع السماح بتجنيد حتى 30 الف رجل احتياط.

          وتقدر مصادر في مصر بان اسرائيل تنوي في وقت قريب قادم الشروع في عملية برية، وفي القاهرة يحاولون احباط الخطوة بكل القوة. ومنذ الان بات الدبلوماسيون الاجانب المتواجدون في غزة يتركون القطاع رغم استياء حماس. اذا ما انطلق الجيش الاسرائيلي بالفعل الى عملية برية في عمق قطاع غزة، فان الهدف كفيل بان يكون مزدوجا: تشديد الضغط على قادة حماس لطلب وقف النار، وبالتوازي تقليص نار الصواريخ نحو بلدات جنوب البلاد بل ومركزها، من خلال الاستيلاء على قسم من وسائل اطلاق الصواريخ. وتؤكد أحداث أمس بان الاعمال من الجو وحدها لا تكفي لتعطيل النار: ففي اثناء اليوم اطلق نحو اسرائيل اكثر من 200 صاروخ ومقذوفة صاروخية، كمية تشبه حجم نار حزب الله في أثناء حرب لبنان الثانية وهي أعلى بكثير من الحجم في أثناء “رصاص مصبوب” قبل نحو أربع سنوات.

          فهل حملة برية في الايام القريبة القادمة في قطاع غزة تكون مشابهة في صيغتها لـ “رصاص مصبوب”؟ الضغط الدولي على اسرائيل لوقف الحملة، من المتوقع أن يشتد مع بدء المرحلة البرية؛ التخوف من ضرر استراتيجي يلحق بالعلاقات مع مصر وبالطبع التخوف من الكثير من المصابين من الطرفين – سيحمل الجيش الاسرائيلي الى تنفيذ خطوة سريعة وفتاكة. واغلب الظن، فان الجيش الاسرائيلي لن يمكث في القطاع على مدى نحو ثلاثة اسابيع مثلما في “رصاص مصبوب”. وهو سيتطلع الى البقاء في القطاع باقل وقت ممكن، ولكنه لن يغادره قبل أن يوجه ضربة أليمة لمنظمات الارهاب.

          ومن المتوقع للخطوة أن تنفذها آليات مدرعة ومحمية بمرافقة غلاف من النار الدقيقة. والسؤال الكبير هو كيف الخروج من الحملة البرية بالطريقة الافضل. فالجيش الاسرائيلي يتميز بشكل عام بخطوات افتتاح للمعارك. اما السياق، ولا سيما النهاية لكل معركة، فهو قصة اخرى تماما. في هذا المجال فان انجازات الجيش الاسرائيلي، ولا سيما القيادة السياسية تحتاج الى تحسين بشكل تاريخي.

          واليكم عدة حقائق أساسية: الزمن، بشكل عام، لا يلعب في صالحنا. فبعد خطوة افتتاحية مذهلة – تصفية أحمد الجعبري – يمكن للاتجاه العام أن يكون يهبط الى هذا الحد أو ذاك. لقد استغرق حماس بضع ساعات كي تستوعب الصدمة، ولكن النار الكثيفة أمس بما في ذلك على تل أبيب، كانت متوقعة الى هذا الحد أو ذاك. وكذا الثمن الباهظ للصواريخ. هذا ليس مشجعا. ولكن يمكن لحماس أن تستخدم أيضا أسلحة اكثر مفاجأة من ناحيتنا (بما في ذلك صواريخ شاطيء – بحر)، وربما حتى تنفذ عملية بعيدا عن قطاع غزة. ومثلما هو الحال دوما، يعطينا العالم بضعة أيام تسامح لمعالجة مشكلتنا. وفي الاسبوع القادم سيبدأ الضغط من لجنة الخارجية والامن في الامم المتحدة. فالعناوين الرئيسة عن قتلى مدنيين من غزة ستسيطر على الشاشات في العالم والصبر تجاهنا سينفد. وحتى الجيش الاسرائيلي سيشعر بهذا. واذا لم يكن هذا بكافٍ – فان كل يوم يمر سيزيد الضغط على الحكومة المصرية لتوجيه ضربة تاريخية لاتفاق السلام مع اسرائيل، ذي المعنى الاستراتيجي. ولكن هذا أيضا ينبغي أن نتذكره: التفوق النوعي والكمي لاسرائيل على حماس هائل. اكبر بكثير من الفارق بين روسيا وجورجيا، التي سحقت تحتها، لغرض المقارنة. والحديث يدور عن فارق ستشعر به حماس جيدا في أثناء الايام القريبة القادمة وقد شعرت به منذ الان. فهل هذا يعني أن القيادة السياسية حددت للجيش الاسرائيلي أهدافا واضحة لاستغلال الخطوة العسكرية، وهل تحقيق هذه الاهداف مضمون؟ تماما لا.

————————————————

يديعوت – مقال – 16/11/2012

يبحثون عن صورة النصر

بقلم: اليكس فيشمان

احتمال أن توافق اسرائيل على مبادرة مصرية لوقف القتال في اليومين القريبين ليس عاليا. بالعكس. فابتداء من يوم امس في ساعات المساء الاتجاه هو نحو التصعيد. يبدو أن هذه المواجهة توجد فقط في الثلث الاول من الطريق.

صاروخا فجر 5 اللذان اطلقتهما أمس حركة الجهاد الاسلامي على تل أبيب، اطلقا من مخابيء توجد في قلب منطقة مأهولة جنوبي مدينة غزة. وكانت هذه المخابيء معروفة في اسرائيل ولكن معالجتها تأجلت الى مرحلة لاحقة منعا لاصابة السكان المدنيين في موجة الهجوم الاولى.

نار أمس نحو تل أبيب سرعت الانتقال في مراحل العمل التي أعدها الجيش الاسرائيلي، ووجه وزير الدفاع الجيش لتوسيع حجم وطبيعة الاهداف التي ستتعرض للهجوم منذ المرحلة الحالية، الجوية. والمعنى هو أنه اضيف الى بنك الاهداف ايضا مخابيء الصواريخ التي توجد في المناطق المأهولة. ويدور الحديث عن  عدة عشرات المخابيء، ولا سيما لصواريخ غراد الى مسافة 40كم. وهذا هو السبب الذي انطلق فيه منذ أمس نداء الى السكان المدنيين في القطاع لترك الاماكن المرشحة للاضطرابات.

ويتضمن توسيع الاهداف أيضا ضرب أهداف سلطوية، وليس فقط عسكرية. كما أن قائمة المرشحين للاحباط المركز عدلت ووسعت، ولن نفاجأ اذا ما ظهرت فيها أيضا اسماء شخصيات سياسية. نار أمس من سفينة سلاح البحرية نحو منزل رئيس وزراء حماس في غزة، اسماعيل هنية، لم تكن صدفة. كما أن عدم اصابة البيت لم تكن صدفة هي الاخرى. هذه كانت اشارة. اليوم الثالث لحملة “عامود سحاب” يشهد تصعيدا للقتال في قطاع غزة وموجات الصدى التي تنطلق من غزة نحو القيادات في مصر، الاردن وفي الضفة. وهذه تطورات من شأنها أن تحدث مصاعب لاسرائيل على المستوى السياسي – الامني منذ المرحلة الفورية.

الرد الاولي لحماس على تصفية أحمد الجعبري وعلى ضرب الصواريخ بعيدة المدى لديهم كانت الصدمة والتشويش. وفي اسرائيل لاحظوا حتى ظاهرة اليأس الشديد في أوساط القيادة في غزة. وكان في حماس احساس بان المصريين، الاسرائيليين – أو الطرفين معا – خدعاهم، وذلك لانه في اليوم الذي سبق الهجوم الاسرائيلي ترك المصريون لديهم انطباعا بان اسرائيل وافقت على وقف اطلاق النار. اما الان فقد باتت حماس أكثر تشككا قبل الموافقة على مبادرة مصرية لوقف النار.

وابل النيران التي انطلقت من غزة حتى يوم امس في ساعات الظهيرة اطلقت حسب خطة اعدت مسبقا لحالة الطوارىء. لم تكن أوامر محددة لوحدات الصواريخ في الميدان، لم تكن يد مركزية موجهة. كمية النار التي أنتجتها وحدات اطلاق الصواريخ هذه كانت أصغر بكثير من القدرة. ففي غزة يوجد اليوم أكثر من 10 الاف صاروخ، منها أكثر من 2.000 بمدى يصل حتى 40كم. وتيرة النار حتى عصر أمس كانت متدنية نسبيا سواء كنتيجة للضربة الشديدة أم لقرار يقضي بمحاولة التحكم بمستوى اللهيب.

ومساء أمس بدأت الصورة تتغير. فقد جمعت حماس نفسها، فعلت منظومات التحكم البديلة، وزعت القيادات في أماكن مختلفة وبدأت تجري مداولات في أساسها استمرار المقاومة، مع غمزة نحو صورة انهاء للقتال. وتبحث حماس الان بكل القوة عن صورة نصر ترمز الى نهاية المعركة التي فرضتها عليها اسرائيل. وعليه فمن الان فصاعدا فانها تعطي كل ما يوجد لديها: محاولة لضرب الطائرات، الدبابات، النار نحو غوش دان وحشد الجهود في شكل نار كثيفة على بلدات معينة.

منذ قبل شهر اطلقوا صاروخ كتف من طراز “ستريلا” نحو طائرات اسرائيلية، وأمس اعلنوا عن اسقاط طائرة غير مأهولة. وهم يريدون صورة. إن لم تكن طائرة اسقطت، أو تل أبيب المقصوفة، فإن حماس تريد أن يرى الناس عندها في البيت انهيار مبانٍ في اسرائيل مع كثير من القتلى. هذه هي مرحلة حرجة من ناحية اسرائيل وذلك لان هذا الجهد من جانب حماس للوصول الى صورة انتصار- تستمر حتى السبت على الاقل – يضع رباطة جأش الجبهة الداخلية والقيادة السياسية الاسرائيلية في اختبار أعلى.

وبالمقابل تلوح اسرائيل الان بسوط الخطوة البرية التي ما هي والا حماس ترغبان فيها. وصادق وزير الدفاع على تجنيد 30 ألف من رجال الاحتياط. والمئات جندوا منذ الان في صالح قيادة الجبهة الداخلية وتعبئة الشواغر. وبين المجندين يوجد اولئك الضباط الذين يشاركون في الواحدات البرية المختصة للعناية بالسكان المدنيين المحتلين. وأمام قطاع غزة آخذة في الانتظام الان قوة برية بحجم فرقتين: فرقة غزة وفرقة نظامية اخرى. كل هذه الاقوات تدربت، قبل بضعة اسابيع، على الدخول الى قطاع غزة.

وفي هذه الاثناء تبدأ حملة “عامود سحاب” الخروج من حدود قطاع غزة وتحريك تطورات غير مرغوب فيها لاسرائيل في الدول المجاورة: فقد عزز الجيش المصري في اليومين الاخيرين قواته على طول الحدود الاسرائيلية لمنع انتقال العمليات الانتحارية من سيناء الى اسرائيل. وذلك لان القتال في القطاع أيقظ المحافل الاصولية للقيام بجهد مركز لتنفيذ نشاط ارهابي من سيناء. وأعلن زعيم الاخوان المسلمين في مصر عن يوم غضب لكل الاخوان المسلمين في المنطقة، والمعنى الفوري قد يكون اضطرابات في الحرم تشعل النار في بؤر اخرى في الضفة.

كقاعدة، يتعرض الرئيس المصري مرسي لضغط الامريكيين والاوروبيين، الذين يطالبونه باقناع حماس بانهاء هذه الجولة، وهذا هو السبب الذي يجعل رئيس وزراء مصر يصل اليوم في زيارة غير مسبوقة الى القطاع. وقد طلب المصريون من اسرائيل الاذن بوصول رئيس الوزراء، والذي يعني أنه في زمن بقائه في غزة فان الطرفين ملزمان بالحفاظ  على وقف النار، الامر الذي من شأنه أن يشكل لاحقا مدخلا لبداية اتفاق على التهدئة.

ساحة تغلي اخرى هي الاردن، كانت فيها في الايام الاخيرة مظاهرة كبرى ضد الملك. ومع ان هذه كانت مظاهرات ضد اسعار الوقود، ولكن خلفها وقف الاخوان المسلمون. يوم غضب الاخوان المسلمين واستمرار القتال الاسرائيلي في القطاع هما وقود للاضطرابات في الاردن، من شأنها ان تنتقل الى الضفة. ولن نفاجأ اذا ما اضطر الملك الاردني الى اعادة سفيره من اسرائيل، مثلما فعل المصريون. واذا لم يكن هذا بكافٍ، فان رئيس وزراء تركيا اردوغان سيهبط في مصر يوم السبت القريب القادم. ومن غير المستبعد أن يسعى الى زيارة قطاع غزة هو الاخر، مثلما خطط في الماضي. فماذا ستفعل اسرائيل اذا ما حصل هذا؟ هل ستوقف الحملة؟

احتمال أن توافق اسرائيل على مبادرة مصرية لوقف القتال في اليومين القريبين ليس عاليا. بالعكس. فابتداء من يوم امس في ساعات المساء الاتجاه هو نحو التصعيد. يبدو أن هذه المواجهة توجد فقط في الثلث الاول من الطريق.

————————————————

هآرتس – مقال – 16/11/2012

حرب سلامة نتنياهو

بقلم: تمار جوجنسكي

هذه المرة وفي 2008 على حد سواء كان للحرب هدف سياسي مكشوف: تسخين الاجواء العامة والنيل بهذه الطريقة بقدر اكبر من الاصوات في الانتخابات للكنيست. وعليه فان الاسم المناسب للحرب التي بدأت أول أمس هو “حرب سلامة نتنياهو”، وان شئتم – حرب سلامة نتنياهو وباراك”.

بصدر منتفخ من شدة الاهمية أعلن رئيس الوزراء ووزير الدفاع على مسمع من الصحفيين والجمهور عن بدء حرب اخرى، وهذه المرة في قطاع غزة. وكما كان متوقعا، لوح الرجلان للذريعة المتآكلة “هذه حرب لا مفر منها”؛ وكما كان متوقعا تمسك بهذه الذريعة ايضا سياسيون من كديما والعمل، من ناحيتهم قصف غزة هو سبب يدعو الى أداء التحية للحكومة.

          لقد علمتنا التجربة المرة تلو الاخرى بانه في بداية كل حرب تتعهد الحكومة باحتفالية، بان هذه المرة سيوضع حد للنار على المدن والبلدات، ولكن دوما تأتي الحرب التالية، التي يفترض بها أن تحل المشكلة “مرة واحدة والى الابد”. كذب يلحق بذر الرماد في العيون، الذي يلحق بوهم القوة المخدر. في السنة التي مرت أعدنا بنيامين نتنياهو وشركاه للحملة العسكرية الاكبر ضد ايران وشرحوا لنا المرة تلو الاخرى بان ايران هي “تهديد وجودي”. ولكن لا يزال حيويا للحرب ضد ايران شريك أمريكي، لم يعطِ حتى الان بعد نتنياهو ضوء أخضر. وعليه كما أعلن، فان الحرب ضد اسرائيل أجلت الى الربيع. لكن في هذه الاثناء توجد انتخابات، كما قال لنفسيهما على ما يبدو نتنياهو وايهود باراك، بحيث أنه اذا لم تكن حرب ضد ايران فكيف ننظم هنا جدول أعمال يناسب حملة انتخابات احزاب اليمين المشاركة في الحكومة، التي تعانق المستوطنين من جهة وعائلات اصحاب المال من جهة اخرى؟ وها هو بتوقيت كامل، نظم بالضبط الان، قبل شهرين من الانتخابات التصعيد في الجنوب؛ فالقصف جر نار صاروخية جرت بدورها قصفا، وهكذا دواليك.

          حكومة نتنياهو – افيغدور ليبرمان – باراك هي الاخرى تعرف بان القصف وحتى الاجتياح من الجيش الاسرائيلي لقطاع غزة لن يحلا أي مشكلة. ويجدر بالذكر انه في 27 كانون الاول 2008 أعلن باراك، الذي كان وزير دفاع في حكومة ايهود اولمرت ايضا عن حملة بدء “رصاص مصبوب” – تلك الحرب التي كان يفترض بها ان توجه ضربة قاضية لحماس. وها هي مرت فقط أربع سنوات، ونفس باراك يدير مرة اخرى حربا ومرة اخرى ضد غزة. ومرة اخرى يصخبون بروائع التصفيات والدمار، على أن يتمكنوا من تضليل الجمهور الاسرائيلي وكأن هذه المرة ستحل المشكلة.

          ولكن وجه الشبه بين الحرب التي بدأت لتوها وحملة “رصاص مصبوب” ليس فقط خدعة “ضربة واحدة وانتهينا”. فهذه المرة وفي 2008 على حد سواء كان للحرب هدف سياسي مكشوف: تسخين الاجواء العامة والنيل بهذه الطريقة بقدر اكبر من الاصوات في الانتخابات للكنيست. وعليه فان الاسم المناسب للحرب التي بدأت أول أمس هو “حرب سلامة نتنياهو”، وان شئتم – حرب سلامة نتنياهو وباراك”، وليس الاسم الشاعري بعض الشيء “عامود سحاب”.

          لقد كانت الحرب وتبقى أداة شديدة القوة لازالة المشاكل الاجتماعية من على الطاولة، لاخفاء ضائقة السكن المحتدمة والارتفاعات اليومية في أسعار البضائع الاساسية، وكذا لتبرير الاجراءات المتشددة في ميزانية 2013. وباختصار، يقولون لنا: اقعد بصمت واسمحوا بتبذير 5 – 10 مليار شيكل على حرب اخرى، وعندها تبرر التقليصات التي ستأتي في بدل البطالة، في مخصصات الاولاد، في تمويل المستشفيات، في التعليم وفي البنى التحتية.

          أتساءل أحيانا، كم ينبغي للشعبين، الاسرائيلي والفلسطيني، ان يعانيا الى أن يحسم الامر عندنا ونفهم أخيرا بان استخدام القوة العسكرية لا يحل مشكلة النار على البلدات الاسرائيلية ولا يضمن السكينة للاطفال في سديروت وفي عسقلان.

          في الحرب السابقة (“رصاص مصبوب”) صرخنا في المظاهرات: “في غزة وفي سديروت، الاطفال يريدون الحياة”. وأنا ملتزمة بذلك في أن أواصل الصراخ هتافا لدعوات الحياة هذه في المظاهرات التي سنعقدها ضد الحرب الحالية ومن أجل السلام بين اسرائيل وبين الدولة الفلسطينية التي تقوم الى جانبها.

 

————————————————

يديعوت – مقال – 16/11/2012

سحاب فوق رؤوسنا

بقلم: ناحوم برنياع

حماس أُصيبت بصدمة بالغة بعد اغتيال الجعبري والقضاء على مخزونها من الصواريخ بعيدة المدى لكن السؤال الآن ما الذي ستفعله بعد ان تخرج من صدمتها.

       لم تعد توجد حروب مُترفة، فقد كان القتلى الثلاثة في كريات ملاخي أمس صباحا تذكيرا مؤلما بأن لكل اجراء عسكري مهما يكن ناجحا أثمانا من الأرواح. بدأت العملية العسكرية في غزة بالرجل اليمنى ولا ضمان لأن تنتهي كذلك.

          كان الانجاز الأكثر ادهاشا فيما سُمي استخبارات عملياتية. فقد عملوا في “أمان” سنتين على تحديد الموقع الدقيق لمستودعات القذائف الصاروخية وآبار اطلاق الصواريخ. وكان هذا هو التأكيد الذي جاء به معه اللواء أفيف كوخافي وهو من قدماء حروب غزة حينما تم تعيينه رئيسا لـ “أمان”. وكان الهدف الرئيس صواريخ فجر. يبلغ مدى هذه الصواريخ 85 كم ووزن رأسها 75 كغم. ومداها لا يشمل تل ابيب وحدها بل ديمونة وأهدافا حساسة في منطقة المركز وضواحي القدس ايضا.

          كان في غزة عدد غير كبير من صواريخ فجر. وتم القضاء عليها جميعا أو عليها كلها تقريبا في الساعات الاولى من عملية “عامود سحاب”. وتمت مضاءلة بل ربما أُبطلت قدرة ذراع حماس الطويلة الاستراتيجية على العمل؛ ويستطيع المستوى السياسي في اسرائيل ان يتخذ قرارات دون ان يخشى اطلاق صاروخ من غزة على قلب تل ابيب ردا عليها.

          في الـ 12 ساعة الاولى من العملية تم القضاء ايضا على جزء كبير من احتياطي صواريخ الكاتيوشا في غزة وعلى عدد من آبار اطلاقها؛ وهوجمت الآبار بمعدل ثلاثين بئرا لكل ساعة؛ وتم الهجوم على منشأة لتركيب وسائل طيران بلا طيارين. ونجح الجيش الاسرائيلي في اصابة البنية التحتية والمخازن.

          كانت اشارة البدء اغتيال قائد حماس العسكري في غزة احمد الجعبري، ويتحدث قادة في الجيش الاسرائيلي عن ثلاثة مستويات من التهديد يكون الرد عليها احباطا مُركزا (اغتيالا). أما المستوى الاول فهو وجود خلايا تستعد لاطلاق قذائف رجم أو قذيفة صاروخية أو بث لغم عند الجدار. وأما المستوى الثاني فهو القادة في المستويات المتوسطة للمنظمات. وتتولى قيادة خلايا الاحباط هذه، قيادة الجنوب.

          ويشتمل المستوى الثالث على كبار مسؤولي المنظمات. ويُدير “الشباك” خلايا الاحباط هذه بمشاركة فاعلة من ضباط “أمان”. هوجم في الاشهر الاخيرة خمسة أو سبعة تم تعريفهم لسوء حظهم بأنهم “مسؤولون كبار”. ولم يكن ينتمِ أحد منهم الى رابطة الشيخ ياسين أو الرنتيسي اللذين صُفيا في الماضي. كان الأرفع مستوى فيهم، الى ان اغتيل الجعبري، هو وزير مالية حماس الذي صُفي في اثناء عملية “الرصاص المصبوب”.

          لا جدل في عدالة اغتيالات تمنع اطلاق الصواريخ على اسرائيل. وهناك جدل منذ سنين طويلة في اصابة المسؤولين الكبار. ان الزعم هو ان لكل مسؤول كبير يُقتل نائبا يحل محله يتبين في احيان كثيرة انه أكثر مقدرة وأخطر. والفائدة لا تُسوغ المخاطرة والثمن.

          ان الدرس من تصفية قائد الذراع العسكرية لحزب الله عماد مغنية عزز الزعم المضاد. فلم ينجح حزب الله في ان يُعد الى اليوم قائدا عسكريا في مستوى كمستوى مغنية وسلطته. وستحتاج حماس ايضا الى زمن حتى تُعد جعبريا جديدا مع قدرات الجعبري على القيادة والتفكير، ومع سلطته والتصور عنه. ان تصفيته ضربة معنوية قاسية لحماس. “توجد هناك صدمة من الطرف الى الطرف الأقصى”، كان هذا هو الانطباع في الجيش الاسرائيلي حتى أمس. والسؤال ماذا سيحدث في حماس حينما يخرجون من الصدمة.

          ان سؤال الاسئلة هو كيف ستتصرف مصر التي يحكمها الاخوان المسلمون. استيقظ الرئيس مرسي في يوم الاربعاء من قيلولته على واقع جديد مقلق جدا بالنسبة اليه. فقد أُلقي على كاهله ثقل من المشكلات الاقتصادية وهو مُعرض لضغط من الشارع يزداد. وتصفية الجعبري واستمرار العملية في غزة تُعرضانه لانتقاد في حركة الاخوان المسلمين التي ترى حماس شريكة ومرعية. ومن المنطقي ان نفترض ان تخرج موجة مظاهرات الى شوارع القاهرة طالبة الغاء معاهدة السلام مع اسرائيل.

          كان تقدير “أمان” الذي وضع عشية العملية على مائدة المستوى السياسي انه ستكون هناك تصريحات قاسية مضادة لاسرائيل على لسان مرسي أو ألسنة وزرائه. ولن يُسرع السفير المصري في اسرائيل الذي دُعي سريعا للمشاورات في القاهرة، لن يُسرع في العودة. وعند هذا سنتهي الامر – كما يزعم تقدير “أمان”. يفترض ان يشخص مرسي قريبا لزيارة واشنطن وهو يأمل بمساعدة امريكية. وهو لا يستطيع ان يزور امريكا مع صفة مؤجج نار اقليمي.

          من السابق لأوانه ان نقارن “عامود سحاب” بـ “الرصاص المصبوب”. فلا يمكن اجراء المقارنة إلا بعد ان تنتهي الجولة وربما في الجولة التالية فقط. ومع كل ذلك هناك مكان للمقارنة بين مرحلتي البدء. فقد بدأت حكومة اولمرت عملية عسكرية بعد شهور من الصراع الداخلي وحث اولمرت على الهجوم وعارضه باراك. فقد كان يسعى الى هدنة مع حماس بوساطة فرنسية. وقد أثقل الصراع بين اولمرت وباراك وبينهما معا وبين لفني واشكنازي على العملية كلها. وحظي اولمرت بدعم كامل من الرئيس بوش والاتحاد الاوروبي. وفي تفضل نادر جاء وزراء خارجية حكومات اوروبا الى اسرائيل في اثناء العملية للتأييد والمشايعة.

          كانت اشارة البدء قصفا من الجو لمراسم انهاء دورة ضباط شرطة، كانت اسرائيل تُعرفهم بأنهم مخربون برغم أنهم لم يعلموا بأنهم كذلك. ونزل قادة حماس الحقيقيون الى الملاجيء تحت الارض وخلصوا دون اصابة. وأحب الشارع في اسرائيل تلك العملية فقد رآها شهادة على اعادة تأهيل الجيش الاسرائيلي بعد اخفاقات حرب لبنان الثانية. وعمل الردع زمنا قصيرا. فقد كانت العلاقات العامة للعملية أنجح من نتائجها العسكرية.

          وبُدئت عملية “عامود سحاب” – وهي تُسمى بالانجليزية “عامود الدفاع” بما بدا أنه اتفاق عام لا بين رئيس الوزراء ووزير الدفاع فقط بل بين رئيس هيئة الاركان وبينهما. وعلى حد علمي لم يعترض أحد في النقاشات التي سبقت العملية على الحاجة الى عملية عسكرية، فباراك يعلم ان هدنة مع حماس ليست اختيارا لا في هذه الحكومة ولا قُبيل الانتخابات.

          كان البدء أكثر ادهاشا فلم تكن هناك دورة رجال شرطة بل أحمد الجعبري، وأهم من ذلك القضاء على احتياطي الصواريخ. وأُعطي الدعم الدولي بنصف فم. هذا هو الثمن الذي تدفعه الحكومة عن حلفها مع المستوطنين. ان مصر مبارك لم تقلقها “الرصاص المصبوب”؛ أما مصر مرسي فمتضايقة ويؤثر تضايقها في الردود في الغرب.

          قد يكون شك العالم بالحكومة مُحسنا لها فقط، فقد عملت حكومة اولمرت بلا تحديد زمن وكانت النتيجة أنها تورطت في عملية برية كثيرة المصابين من الفلسطينيين وضئيلة النتائج. أما حكومة نتنياهو فعالمة بحدودها.

          لا يوهم أحد نفسه بأن العملية ستحل مشكلة غزة. يقول شخص عسكري رفيع المستوى انه سيكون ردع ويتآكل بالتدريج. سيتآكل الردع بسبب اطلاق صواريخ على بلدات وسيكون تآكل في السلوك على الجدار ثم تكون جولة اخرى.

       الجبهة الثالثة

          من وجهة سياسية يكون الاجراء العسكري دائما مقرونا بمخاطرة. فما يبدو أولا أنه حيلة لامعة قد يصبح كارثة انتخابية. ولهذا يكره أكثر الساسة البدء بعملية عسكرية مُدبرة قُبيل انتخابات. والعملية العسكرية يصاحبها بالضرورة تخلي عن السلطة. فان آخرين يحسمون مصير المرشح مثل خطأ طيار أو قذيفة صاروخية تسقط على حضانة أو استهانة سكان بيت مشترك بتعليمات الأمن.

          تم تقبل عملية “عامود سحاب” بدعم عام مطلق تقريبا. لكن لا يقين عند نتنياهو ألبتة بأن الوضع سيستمر كذلك. فقد استُقبلت حرب لبنان الثانية في بدئها بتأييد 80 في المائة من الجمهور والى ان انتهت اختفى أكثر الـ 80 في المائة.

          ان جدول العمل يتحول، فالموضوعات الاجتماعية تُنحى جانبا ويسيطر الأمن. وتُنحى ايران جانبا ويعود الفلسطينيون. وهذا سيء لحزب العمل برئاسة يحيموفيتش وسيء للبيد. وهو جيد نظريا لاولمرت ولفني. ان الوضع الأمني السيّال حسن لليمين حينما يكون اليمين في المعارضة، فهو يستطيع ان يخطب خطبا عصماء ولا يجب عليه ان يتحمل مسؤولية. ويكون الوضع أكثر تعقيدا حينما يكون اليمين في الحكومة لأنه يمكن الفحص عن الفرق بين التصريحات العالية والاعمال بالفعل. فيمكن ان يهاجمه اليمين بسبب ما لم يُنجز وان يهاجمه اليسار بسبب عدم وجود المظلة الدولية. هزم رابين شمير في 1992 بعد ان نجح في ان يُظهر نفسه بأنه رجل أمن أكثر من الليكود. يكره الناخبون ان يروا عناوين صحفية عن قتلى ولا سيما حينما يكون القتلى جنودا. وفي هذا الشأن لا يوجد فرق كبير بين الكتلتين، فقد انتهى بيغن في 1984 بسبب أعداد القتلى في لبنان؛ وانتهى اولمرت لنفس السبب في 2006.

          قبل شهر فقط هاجم نتنياهو اولمرت لأنه بدأ حربين لا داعي اليهما في حين انه، أي نتنياهو، في ولايتيه لم يبدأ أية حرب. ولم يأخذ نتنياهو في حسابه الحراك الداخلي في الجنوب. لم يُجذب الى هذه الحرب لكنها جذبته اليها. وسيفعل كل شيء يستطيعه كي لا يُجر الى حرب برية، ففي الحرب البرية يُقتل جنود وهذا سيء، وهذه كارثة قُبيل انتخابات.

          قبل العملية في الجنوب بذل نتنياهو جهودا كبيرة لمصالحة اوباما فأرسل رُسلا وأجرى أحاديث واقترح احياء مسيرة السلام من جديد. وكان هذا الاجراء مفهوما لأن نتنياهو اخطأ وهو الآن يحاول اصلاح خطئه. ومن المؤسف ان ذلك تم بطريقة فظة جدا.

          تتصل العملية في غزة على نحو ما بطلب الفلسطينيين القبول بهم دولة غير عضو في الامم المتحدة. فيصعب على حكومة اسرائيل ان تصارع في الوقت نفسه في جبهتين بأن تُجند العالم لمواجهة أبو مازن بسبب التوجه الى الامم المتحدة وان تُجند العالم لمواجهة أعدائه في غزة. ومن الخلف توجد الجبهة الثالثة، ايران. فالحكومة تطلب الكثير من العالم ولا تستطيع ان تعرض شيئا.

          يهاتف رئيس الوزراء في رام الله، سلام فياض، في هذه الاثناء اصدقاءه في واشنطن ويطلب سُلما للنزول عن الشجرة، فهو يعلم ان مجلس النواب الامريكي ينوي ان يرد على التصويت في الامم المتحدة بوقف تام للمساعدة المالية للسلطة الفلسطينية ووقف تام للمخصصات الامريكية للامم المتحدة، فاذا حدث ذلك فستنهار السلطة.

          في هدوء تام ألمحت جهات في السلطة الفلسطينية لاسرائيل أنه حينما تعترف الامم المتحدة بأنهم دولة فلن يستغلوا حقهم في مقاضاة اسرائيل في المحكمة الدولية في لاهاي. ان التوجه الى المحكمة الدولية يقلق حكومة اسرائيل أكثر من الاعتراف بدولة. هذا تحسس نشك في ان يُجدي ومهما يكن الامر فان الأكثرية في مجلس النواب الامريكي ستوقف المساعدة.

       ما الذي لا يجب فعله

          ان ميخال فاسر تُعد لشهادة الدكتوراة في التاريخ وموضوع شهادتها هو قصف مدنيين من الجو في الحرب العالمية الثانية. وهو موضوع آسر وقد يكون ذا صلة ايضا. التقيت معها يوم الثلاثاء قرب بيتها في كيبوتس كفار عزة عند الجدار الغربي للكيبوتس. وقد كان ذلك اليوم بدأ بزخة مطر نقّت الجو جاءت بعدها شمس خريفية صافية مداعبة. وبدت بيوت غزة أقرب مما تظهر دائما. كان صاروخان انفجرا في داخل الحي خلال الاسبوع وتركا آثارا قاسية على جدران البيوت والشوارع الهولندية في الحي. أخذني عضو الكنيست شاي حرماش من كديما، وهو من أبناء الكيبوتس، في جولة على طول الجدار بازاء الحدود.

          سألتها: ما الذي يجب فعله. “لا أعلم ما الذي يجب فعله”، قالت، “لكنني أعلم أنه لا يجب فعل ما يفعلونه الآن”، قالت. انتسبت في الانتخابات السابقة لحزب كديما. وقد انتسب 276 رجلا وامرأة في كفار عزة الى كديما وهذا عدد مدهش في كيبوتس فيه 220 عضوا فقط انتسب كل اعضاء الكيبوتس تقريبا وجاءت البقية من مناطق التوسيع. وكافأهم حرماش باحسانات حصل عليها من اجل سكان غلاف غزة – تحصين وتخفيف ضرائب وارض بالمجان. وبدأت جميع الاحسانات باقتراحات قانون خاصة من حرماش تبنتها الحكومة.

          من المؤكد أنها لن تصوت لكديما هذه المرة بل ستصوت لميرتس.

          هاتفتها أمس صباحا. كانت في البيت في غرفة محصنة. سألتها ما الذي تعتقده في العملية فقالت: “ليست هذه طريقة. هذا خطأ. ينبعث عنه رائحة سياسية قوية ورائحة انتخابية”.

          سألتها: ما هو حلك. “لا يُجربون اتجاهات اخرى بقدر كاف”، قالت. “ليس عندنا حكومة تهتم بالسلام وهذا يُحزنني”.

          وفجأة حدثت ثلاثة اشياء دفعة واحدة: فقد سُمع نذير اللون الاحمر، وسُمع صوت سقوط صاروخ فصاحت ميخال فاسر “واو، شيت”. ماذا حدث، سألتها فقالت: “حدث سقوط صاروخ هنا، انها قذيفة رجم وقد سقطت قبل نذير اللون الاحمر”.

          بعد ذلك جلست لتكتب رسالة للصحيفة فكتبت: “لا تدافعوا عني. ولا تُرسلوا الجيش الاسرائيلي للانتصار. ابدأوا التفكير للأمد البعيد لا للانتخابات القادمة. وحاولوا ان تفاوضوا الى ان ينبعث دخان ابيض. مدوا أيديكم لأبو مازن وكُفوا عن الاغتيالات المركزة وانظروا في عيون المدنيين في الجانب الثاني ايضا.

          “أنا أعلم أن أكثر الجمهور سيتهمني بالنفاق، لكنني أنا التي أجلس هنا حينما تسقط قذائف الرجم في ساحتي، لا ساعر ولا بيبي ولا شيلي ويئير ايضا، إنني أنا التي اخترت أن أُنشيء أبنائي هنا، فقد خدم أبنائي في وحدات قتالية وزادوا على ذلك سنة تطوع. نحن نعيش هنا ونحب البلاد. ان حربنا هي على صبغة الدولة لا على حدودها”.

          في اثناء عملية “الرصاص المصبوب” أرسلت فاسر رسالة الى صحيفة “هآرتس” وسمت العملية “حماقة مصبوبة”.

       عصر صواريخ الكاتيوشا

          كانت في حديقة منزل دينا دغاني، وهي من القديمات في الكيبوتس، شجرة مانغا. وقد غرس هذه الشجرة زوجها الراحل يغئال. حينما أخلت اسرائيل مستوطنات سيناء في اطار اتفاق السلام مع مصر، ساعد على نقل كيبوتس حوليت من رفح الى موقعه الحالي في داخل الخط الاخضر وجاء بشجرة المانغا من هناك، من سيناء، وقد انفجر صاروخ الكاتيوشا على الشجرة فقضى عليها وثُقب الجدار، وصُورت الثقوب بصورة جيدة. جاءت رئيسة حزب العمل شيلي يحيموفيتش الى الكيبوتس وصُورت قرب الجدار وسافرت. وفي يوم الثلاثاء جاءوا بعامل الى هناك هو طالب عمل من افريقية. ودفعت الدولة وأصلح السوداني.

          استضافني حرماش في شرفة بيته قريبا من مدخل الكيبوتس. وجاءت زوجته حافا بسوشي من سدروت. تناولنا السوشي وتحدثنا عن الوضع. فقال حرماش “الى ما قبل اسبوعين كان هنا زخم هستيري فلم يكن يوجد بيت خالٍ. اقترحنا على الأبناء العودة. وضعت 15 عائلة 10 آلاف شيكل رسوما مسبقة. وكانت الخطة ان تُجرى عليهم هذا الاسبوع امتحانات قبول.

          “في اثناء الرصاص المصبوب تركت 15 عائلة الكيبوتس واختارت 3 منها مغادرة البلاد وعادت 10 الى الكيبوتس.

          “بعد الرصاص المصبوب اعتقدنا ان البلاد ستهدأ اربعين سنة، فلم تكن لا اربعون ولا عصافير. كان ربيع 2011 الخط الفاصل. فقد أُطلق من غزة 55 قذيفة رجم ولم يكن رد عليها. وبعد اسبوعين وقعت حادثة الحافلة فقد دخلت حافلة صفراء فيها 55 ولدا الى ناحل عوز وحينما خرجت أطلقوا عليها صاروخ كورونت. لو أنهم أطلقوا عليها حينما دخلت لقُتل 50 ولدا وبرغم ذلك لم يوجد رد.

          “ضعف الردع كله وأصبحت جولات القتال متقاربة – من مرة كل شهرين الى مرة كل اسبوعين. وانقضى عهد صواريخ القسام وبدأ عهد صواريخ الكاتيوشا، ولم يعد يوجد وقت كاف للانذار وليس مؤكدا ان التحصين كاف.

          “الناس ينكسرون، وتقول الأمهات انهن بحياتهن هنا يقمن بعمل غير اخلاقي فهن يُنشئن اولادا مذعورين. حينما أخذنا الاولاد الى البحر هربوا مذعورين حينما صفر المنقذ. ورفض اولاد الصف التاسع النزول من الحافلة في غابة حروفيت وسألوا أين المنطقة المحصنة.

          “ان المدن اليوم محصنة ففيها قبة حديدية وهي غير موجودة عندنا. لم تحصل 23 بلدة من بين 44 في غلاف غزة على تحصين لأنها تقع بين 4 كم ونصف الى 7 كم عن الحدود”.

          قلت: كنت رئيس المجلس الاقليمي. وقد اخترت السكوت حينما كانوا يصرخون في سدروت.

          قال حرماش: “اجل. مثلنا دور بوباي. اعتقدت ان هذا يقوي السكان هنا. أردنا تطوير معهد سبير وان نجذب الصناعة وان نزيد عدد السكان، وكان من مصلحتنا السكوت.

          “تغير الواقع تماما. ان الشعور هنا هو شعور بالمغادرة، فنحن نرى تأثير النساء والاولاد. وليست الدولة معنا”.

          أول أمس عدت وتحدثت الى حرماش فكان راضيا، فهم يفعلون شيئا ما في نهاية الامر.

 

 

————————————————

هآرتس – مقال – 16/11/2012

بانتظار القاهرة

بقلم: عاموس هرئيل وآفي يسسخروف

في حماس قدروا قبل بضعة اشهر بان بوسعهم أن يطلقوا العنان للفصائل الصغيرة والسماح لها بتنفيذ المزيد فالمزيد من الاستفزازات ضد اسرائيل. وحماس هي التي تبحث الان عن سبيل لانهاء المواجهة دون أن تداس كرامتها حتى التراب.

رغم الثمن الدموي الباهظ الذي دفع أمس وشدة الخطابة العالية والكفاحية التي اطلقتها القيادات في الطرفين، حتى بعد اتساع اصداء الانفجارات لتصل الى غوش دان – فان انتقال حملة “عامود سحاب” الى عملية كبيرة يقوم بها الجيش الاسرائيلي في قطاع غزة لا يزال لا يعتبر قضاء وقدرا. اذا ما فحصنا بعناية مصالح اسرائيل وحماس يمكن الوصول الى الاستنتاج بان ليس للطرفين حاليا مصلحة حقيقية في عرض جديد لمسرحية “رصاص مصبوب”. وبالتالي فانه يحتمل أن تلغى أخيرا التدريبات على العرض الجديد للمسرحية.

اغتيال مسؤول حماس الكبير احمد الجعبري أول امس اثار اهتماما شديدا في وسائل الاعلام لانه كان ممكنا تصوير وجه وخلفية لشخصية الرجل. وبالفعل كان الجعبري رجلا مركزيا جدا في قيادة حماس، ويمكن لنا ربما ان نشبه اغتياله لمسؤول حزب الله الكبير عماد مغنية في 2008. اما التشبيه باسامة بن لادن فهو مبالغ فيه جدا. ولكن يحتمل أن يكون من ناحية الاثار الاستراتيجية لضرب منظومة صواريخ فجر لدى حماس والجهاد الاسلامي آثار أوسع تتجاوز المواجهة الحالية.

في المخابرات الاسرائيلية قدروا مسبقا بان حماس سترد على تصفية زعيم بحجم الجعبري بنار أول في نوعه نحو غوش دان لصواريخ فجر 5، الصاروخ الايراني الذي يصل الى مدة 75كم. وشل الهجوم على مخابيء صواريخ فجر أول أمس قسما هاما من هذه المنظومة، ولكن النار التي سمعت أمس في منطقة تل أبيب تعكي على ما يبدو قدرة على اطلاق النار. وقد تبقت في غزة أعداد غير قليلة من صواريخ فجر والى جانبها صواريخ ذات مدى مشابه من انتاج محلي.

حتى لو اطلقت صوارخ فجر الاخيرة المتبقية من غزة نحو غوش دان، فانها لن تلحق على ما يبدو سوى ضرر محدود. المشكلة هي أنه بقدر كبير يدور الحديث عن حرب صور: من جهة، نجح الفلسطينيون في أن يدخلوا أمس نحو مليون اسرائيل آخر الى مدى النار وصافرات الانذار. ومن جهة اخرى، من شأن الفزع اللحظي في تل أبيب ان يضغط القيادة الاسرائيلية ويشجع على هجوم غير متوازن يفاقم الوضع.

اذا ما كان بالفعل اخرجت عن نطاق العمل معظم منظومة “سلاح يوم الدين” لدى حماس، فان قدرتها على تحطيم المعادلة حيال اسرائيل ستعتمد أساسا على النار الكثيفة الى المدن التي في مدى صواريخ غراد المحسنة – حتى 45 كم من حدود القطاع. وهذا بالضبط ما فعلته المنظمة أمس وبصليات كثيفة، على بئر السبع، اسدود، عسقلان، كريات ملاخي ومدن اخرى. واطلقت الفصائل الفلسطينية امس اكثر من 270 صاروخ نحو الاراضي الاسرائيلية. ولكن مع تغطية واسعة من بطاريات قبة حديدية، التي تثبت نفسها هذه المرة بشكل مثير للانطباع على نحو خاص، ان عدد الخسائر الاسرائيلية لا يتناسب وكميات الذخيرة التي اطلقت نحو اراضينا. فقد أجادت القبة في الاعتراض المتزامن لوابل الكاتيوشا بسبب التحسينات التي ادخلها عليها الخبراء. ويبدو أنه سجل تحسن ايضا في قدرتها على توفير حماية لاراض بلدية أوسع. هذا تغيير دراماتيكي ايجابي يعطي ايضا مساحة اوسع للقيادة السياسية باتخاذ القرارات. ويعتقد التحليل الاستخباري في اسرائيل بان حماس غير معنية حقا لمواجهة بشدة عالية، تتضمن دخولا واسعا لالوية الجيش الاسرائيلي على اراضي القطاع. وفي التردد بين قيمة المقاومة العسكرية لاسرائيل والحاجة الى بقاء السلطة، اختارت حماس دوما الخيار الثاني. ولعل المنظمة ستواصل اطلاق النار بحثا عن ثأر أكبر لموت زعيمها العسكري، ولكن اذا ما توفرت آلية لانهاء سريع بشكل نسبي لجولة العنف هذه، فقد يتعاون معها.

في هذه الاثناء يستعد الجيش الاسرائيلي لامكانية عملية برية. وجاء تعزيز القوات قرب القطاع تدريجيا احتياطا لاتخاذ امر كهذا لاحقا. وجرى تجنيد محدود للاحتياط بعدد 30 الف رجل معظمهم بقيادة الجبهة الداخلية، سلاح الجو وسلاح الاستخبارات. ولكن كل هذا لا يعني ان القيادة الاسرائيلية، السياسية والعسكرية، تبحث عن مثل هذه المواجهة. فقد سجلت اسرائيل انجازات لا بأس بها في اليومين الاولين من الحملة ويحتمل أن تسعى بالذات الى نهاية سريعة لها الان. ويؤمن باراك الذي ادى دورا مركزيا في عملية اتخاذ القرارات، بالخطوات الحادة والسريعة، التي سبقها استعداد وتضليل. وبعدها يفضل قطع الاشتباك. هكذا أوصى ايضا في حملة “رصاص مصبوب” حين فضل التنازل عن الخطوة البرية وعلق في خلاف حاد مع رئيس الوزراء في حينه ايهود اولمرت.

فرص مرسي

سلم النزول عن الشجرة كفيل بان توفره لحماس (وفي واقع الامر لاسرائيل ايضا) زيارة رئيس الوزراء المصري هشام قنديل الى قطاع غزة اليوم. هذه زيارة اولى من نوعها في وقت حساس بشكل خاص، قادرة على أن تبسط عمليا رعاية حكومة الاخوان المسلمين في القاهرة على حكم حماس في القطاع. في زمن الزيارة، سيصعب على الجيش الاسرائيلي الهجوم وربما تسعى الفصائل الفلسطينية بالذات الى استغلال هذه الهدنة بتشديد النار على بلدات الجنوب.

في زيارة قنديل الى غزة تكمن ايضا فرصة: فهذه يمكن أن تكون نقطة خروج من حملة “عامود سحاب” قبل أن يحتدم العنف أكثر فأكثر. بالضغط المصري لانهاء المعركة، قد تكتفي الفصائل الفلسطينية باعتبار النار نحو غوش دان صورة النصر لهم، حتى وان كان هذا نصرا بائسا على نحو خاص. وفي مثل هذا الوضع ستتجاوز المخابرات المصرية، التي منذ تصفية الجعبري رفضت التوسط بين اسرائيل وحماس، كبرياءها وتعود الى صورة الاتصالات. ونبع الرفض من الزعم المصري في أن اغتيال الجعبري، الذي تقرب جدا من رجال المخابرات منذ تغيير الحكم في مصر، أحبط وقفا للنار أعلنت عنه القاهرة صباح يوم الثلاثاء.

للرئيس المصري، محمد مرسي، توجد الان امكانية لترميم مكانة القاهرة بصفتها الجهة المركزية في المنطقة. فاذا ما نجح في تحقيق وقف للنار، فسيكون هذا انجازا هاما بالنسبة له. وفي الطريق الى ذلك سيكون ملزما بان يراعي ايضا موقف الشارع المصري. ومن المتوقع اليوم في مصر مظاهرات غضب كبرى احتجاجا على الهجوم الاسرائيلي سيطلب فيها من الحكم القطع التام للعلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل.

وسيتعين على الحكم المصري ايضا التعبير عن تضامنه مع حماس، ولكن فقط حتى حدود معينة. فاذا ما شدد الحقنة، سيجد نفسه في صدام مع الادارة الامريكية. فالرئيس الامريكي براك اوباما اعرب في حديثه مع مرسي أول أمس عن تأييد صريح لحق اسرائيل في الدفاع عن نفسها. مصر، التي تتوقع الان مساعدة اقتصادية اخرى من الولايات المتحدة، ستحذر من أن تجتاز الخطوط الحمراء حيالها.

مهما يكن من أمر حتى لو تحقق وقف للنار، حتى مهلة مؤقتة يخيل أنه ستكون صعوبة شديدة لاعادة الاستقرار الى قطاع غزة. وحماس التي أعلنت امس عن تعيين مروان عيسى خليفة للجعبري في رئاسة الشارع  العسكري. لم تعد منذ زمن بعيد الجهة الوحيدة في الصورة. فصائل اخرى، كالجهاد الاسلامي، مسلحة حتى الاسنان بصواريخ غراد وعلى ما يبدو ايضا بصواريخ فجر قليلة. ومنظمات سلفية متطرفة تدير سياسة مستقلة تماما هدفها الاساسي هو القتال المتواصل ضد اسرائيل.

وفي حماس قدروا قبل بضعة اشهر بان بوسعهم أن يطلقوا العنان للفصائل الصغيرة والسماح لها بتنفيذ المزيد فالمزيد من الاستفزازات ضد اسرائيل. وفي الشهرين الاخيرين انضمم بالتدريج ايضا الذراع العسكري لحماس بقيادة الجعبري الى محاولات ضرب جنود الجيش الاسرائيلي على مقربة من الجدار الفاصل ولا سيما في المنطقة العازلة، التي حاولت اسرائيل فرضها في الطرف الفلسطيني من الحدود. وحتى يوم الاثنين اعتقدوا في غزة بان تهديدات القيادة الاسرائيلية هي بالاجمال خطابية فارغة. وعندما ثار فزع ما، وافقت حماس على وقف النار المصري، غير أن هذا القرار كان اتخذ متأخرا. ورغم كل هذا، فان عدم اكتراث الجعبري، الذي سافر في سيارته واصيب يدل على ان المنظمة لم تقف على جدية النوايا الاسرائيلية. فقد غامرت حماس بشكل مغلوط حين غيرت سياسة العمل العسكري لديها وهي الان تدفع ثمنا لا بأس به لقاء ذلك.

خلافا للتوقعات المسبقة لكبار رجالات حماس، لم يمتنع نتنياهو عن التصعيد بل انه حتى شدد قوة المواجهة الى ما هو ابعد من التقديرات المسبقة. والان، فان حماس هي التي تبحث عن سبيل لانهاء المواجهة دون أن تداس كرامتها حتى التراب. وللكرامة يوجد دوما دور. فحماس لا تستطيع ان تسمح لنفسها بالتجلد على ضربة كهذه لها.

لما يجري في غزة توجد أيضا اثار على الوضع في الاردن. وسيحاول الاخوان المسلمون  هناك استغلال الاجواء المناهضة لاسرائيل لاخراج الالاف الى الشوارع للتظاهر تضامنا مع حماس. وفي الضفة الغربية ستسعى السلطة الفلسطينية الى كبح جماح مهرجانات حماس ومنع استئناف تصدير العمليات من الضفة الى الاراضي الاسرائيلية. في زمن حملة “رصاص مصبوب” كانت الضفة المكان الاهدأ في الشرق الاوسط. مرت اربع سنوات منذئذ. واليوم ستجد السلطة صعوبة في استعادة هذا الانجاز، ولا سيما اذا ما أخذنا بالحسبان الاجواء الحالية في المنطقة.

درس الغرور

          لقد عرضت القيادة السياسية حتى الان اهدافا متواضعة لحملة “عامود سحاب”. هذا ايضا  هو درس من الغرور الذي ميز القيادة السياسية والعسكرية في بداية حرب لبنان الثانية والتطلعات المبالغ بها التي تميزت بها حملة “رصاص مصبوب”. ورغم اجواء الانتخابات يبدو أن النبرة ضابطة النفس والحذرة التي يتخذها رئيس الاركان غانتس تنجح بالتأثير الايجابي على السياسيين ايضا الذي يحافظون الان على ظل منخفض. ينبغي الامل في أن يستمر هذا النهج والى جانب الاستعدادات الضرورية لحملة برية كبيرة، ان تستثمر اسرائيل ايضا ما يكفي من الوقت لاعداد استراتيجية خروج. 

————————————————

هآرتس – مقال -16/11/2012

العملية في غزة: كيف يخرجون منها

بقلم: يوسي فيرتر

ان اهود باراك وزير الدفاع الاسرائيلي راض عن بدء عملية “عامود سحاب” لكن يصعب عليه ان يقول متى ستنتهي وكيف.

       بعد 24 ساعة بالضبط من بدء عملية “عامود سحاب” في غزة وبعد ساعتين من اجراء اهود باراك حديثا مشجعا مرتجلا مع جنود بطارية القبة الحديدية عند ظاهر بئر السبع، بدا لمُحدثيه جديا لكنه غير معكر المزاج، وهو محصور الهم في هدفه لكنه ليس نافد الصبر. انها عملية عسكرية مفاجئة وناجحة وناجعة من النوع الذي كان تصاحبه حيلة خداع كلاسيكية وكأنها حيكت على حسب مقاس باراك. فالسرية والدهاء والرغبة الدائمة في التضليل وبث دخان حوله أو عامود سحاب أو عامود دخان كل ذلك يميز باراك، لا في سلوكه العسكري الامني فقط. ان الذي نجح في ترك فؤاد بن اليعيزر فاغر الفم صبيحة الانشقاق عن حزب العمل ليس شيئا عنده ان ينظم حيلا من النوع الذي يجعل احمد الجعبري يتجاهل قواعد الحذر التي هي شيء أساسي عند كل ارهابي؟.

          كان باراك هو الذي اقترح في جلسة التسعة في يوم الثلاثاء ان يخرج الوزير بني بيغن لاذاعة صوت اسرائيل ويعلن انهاء جولة القتال. وقرن بيغن نفسه للمهمة بحماسة فتى صغير. ومن الغد، في بدء جلسة المجلس الوزاري المصغر في الكرياه في تل ابيب، لقي بيغن متحدث باراك، براك ساري. “من كان يصدق ان يكذب بني بيغن على الجمهور”، قال ساري وهو يخز بيغن، فأجاب الوزير بلا حقيبة وزارية: “لم أكذب. قلت ان جولة القتال انتهت اليوم. أما الغد فهو يوم جديد”.

          في هامش تلك الجلسة أطرى شخص ما على براك على الحيلة فتلقى الاطراء بتواضع وقال في شبه تواضع: “أنظر يوجد في هذه الغابة غير قليل من الناس الأشرار، ولا يمكن ان تحارب هؤلاء الناس بقواعد مدرسة رهبانية”.

          عشية نشوب حرب لبنان الثانية، كما نشر في الماضي، اتصل الوزير آنذاك شمعون بيرس بباراك الذي كان يعمل في الحياة المدنية، وسأله ماذا يفعلون مع تلك الازمة. فعرض عليه باراك ان يسأل رئيس الاركان دان حلوتس سؤالا واحدا وهو: هل نعلم كيف ننوي انهاء العملية/ الحرب أم ان ذلك غير موجود. فسأل بيرس ولم يتلق جوابا، أما ما عدا ذلك فمكتوب في صفحات تقرير لجنة فينوغراد.

          أمس (الخميس) كان من وجه الى باراك سؤالا مشابها وهو: كيف نخرج من هذا. فقدم باراك جوابا معوجا غير قصير. وانطبع في أذهان سامعيه انه ليست عنده صيغة دقيقة للخروج، وانه ايضا لا يشتاق الى معركة طويلة. “نحن لا نعرف التنبؤ بدقة ما هي نقطة النهاية”، قال باراك. “ليست هذه هندسة بناء. من الواضح أننا لن ننهي قبل ان نحرز الأهداف التي استقر رأي المجلس الوزاري المصغر عليها وهي: تقليل اطلاق صواريخ القسام، وزيادة الردع وتحسين الواقع الامني اليومي لسكان الجنوب. وهذه أهداف قابلة للاحراز. نحن نسعى الى اشياء معقولة كأن يمكن العمل قرب الجدار بلا خطر. ونحن نجتهد في احراز هذه الأهداف والغايات من غير ان نخطب خطبا تشرتشلية ومن غير ان نُبين في تأخر في مؤتمرات خاصة ان الأهداف التي أعلناها لم تكن قابلة للاحراز وأننا لم نقصد اليها في الحقيقة ايضا حينما رسمناها”.

          قال باراك: “لا مكان للتوقف الآن. ان حماس تتلقى ضربات قاسية جدا بعد ان صُفي قائدها ودُمرت أكثر الصواريخ للمدى البعيد. اذا ركعت حماس في الغد وتوسلت لنتوقف فسيكون مكان لنزن التوقف فهذا متعلق ايضا بالطرف الثاني. وفي الاثناء فاننا مستمرون ما لم يحدث ذلك”.

          يفهم كل ولد من الذي قصده باراك حينما أدخل تشرتشل في حديثه. ان شخصية اهود اولمرت المرشح المحتمل تقف بازاء ناظريه وناظري نتنياهو بصورة واعية أو غير واعية. ان باراك ونتنياهو معنيان بأن يبرهنا للعالم على ان حرب لبنان الثانية لن تعود – لا في صورة الخروج اليها ولا في تحديد الأهداف ولا في الادارة ولا في الاستعداد لعملية برية اذا احتيج اليها.

          قال باراك أمس في أحاديث مغلقة: “تعلمنا من المرة السابقة وأعلنا فورا في البداية حالة طواريء في الجبهة الداخلية، وجندنا الاحتياط فورا اذا استدعى الامر. وقد استخلصنا الدروس، نتنياهو وأنا، من أخطاء الآخرين، نحن نفكر عدة خطوات الى الأمام. في المرة السابقة لم يوجد تخطيط مسبق بل حدث كل شيء بصورة عرضية. ليس من المؤكد أننا سنحتاج الى عملية برية لكننا مستعدون اذا احتجنا”.

          في تلك الأحاديث الداخلية التي أجراها باراك قارن بين صورة عمل رئيس الوزراء اولمرت في “الرصاص المصبوب” وصورة عمل نتنياهو فقال باراك ان اولمرت ما كان ليتحرك من غير رئيس هيئة الاركان ورئيس “أمان” ورئيس “الشباك” فقد كانوا في كل نقاش وكل مشاورة وكل جلسة، وقال: “لم يكن عندهم وقت للقيام بعملهم”. وقال: “في هذه المرة نحن ندعهم يعملون. يوجد ثلاثة – رئيس الوزراء ووزير الخارجية وأنا – فوضهم المجلس الوزاري المصغر لاتخاذ القرارات، وأنا بطبيعة الامور أفتح عيني أكثر. لكن الامور التي كانت آنذاك وصعبت تصريف الامور غير موجودة اليوم”.

       القفز على العجلة حينما لا يكون مناص

          لا يستطيع باراك ان يتجاهل الكلام السياسي حول عملية “عامود سحاب” التي دهمتنا قبل الانتخابات بـ 67 يوما. كان هناك من ذكّره بأنه قبل عملية “الرصاص المصبوب” التي كانت قُبيل انتخابات 2009، منحت استطلاعات الرأي حزب العمل برئاسته بين 6 نواب الى 8. وبعد العملية التي أدارها باراك فورا ارتفعت أسهمه وكذلك التنبؤ بالنواب لحزبه الى 15 – 16 نائبا، وانتهى ذلك آخر الامر الى 13 نائبا. فقال باراك: “بربك، إنني مستعد اليوم ايضا لأن أوقع على 13 نائبا لحزب الاستقلال”.

          انه يرفض رفضا باتا الزعم الذي ينسب اليه والى نتنياهو مصلحة سياسية واضحة في بدء هذه الحرب قبل الانتخابات بشهرين وأكثر. وقد بيّن لمحادثيه الحساسية الكبيرة في عملية اغتيال من النوع الذي تم تنفيذه في يوم الاربعاء بعد الظهر على الجعبري.

          قال باراك: “توجد فترات تكون فيها في ظاهر الامر شرعية عالية للمس بقائد رفيع المستوى مثل الجعبري، مثل التصعيد الذي حدث مثلا. لكن في هذه الفترات ينزل الارهابي المتحدث عنه للعمل السري وحينها لا يمكن المس به، أما في فترات هادئة تماما فربما يتجول الهدف في حرية لكن لا شرعية للمس به لأن هذا المس يشعل المنطقة”.

          أوضح باراك انه حدث في هذه المرة تلاقي فرص مثل درزة ثوب لطيفة جدا ونادرة جدا بين الفترة الشرعية بعد الجولة العنيفة والفترة غير الشرعية التي لا يشعر فيها الهدف بأنه مهدد.

          “يوجد توتر راسخ بين هاتين الفترتين”، قال باراك، “لا يعني ذلك انه في يوم الثلاثاء ولأول مرة قررت التساعية المس بالجعبري، فلا تنشأ قدرة كهذه على نحو عام ببساطة وقد نشأت هذه المرة. بُذل هنا تفكير كثير وبُذل هنا تخطيط كثير. وأُثير شخص الجعبري باعتباره هدفا للاصابة في النقاش في حلقات مختلفة أكثر من مرة واحدة في العقد الأخير”.

          وقال باراك: “والى ذلك نقضت حماس القواعد، فقد أطلقت صاروخا على جيب عسكري في داخل ارضنا. وفجرت نفقا بنصف طن من المواد المتفجرة المضادة للدبابات كان جزء منه في داخل ارضنا، فمن الواضح ان هذا كان وقت العمل دونما صلة بالانتخابات. ان السياسة في هذا الشأن هي فقط في رؤوس اولئك الذين ينسبونها إلينا لا في رؤوسنا”.

          ومع كل ذلك لا يمكن تجاهل المواد الأولية السياسية حتى ساعة كتابة هذه السطور، في مساء يوم الخميس، في حين يجري كل شيء تقريبا بحسب المخطط وتحصد القبة الحديدية نجاحا مدهشا: ان باراك ونتنياهو يسيطران تماما على برنامج العمل الاعلامي. والشعب ينتظر ما يصدر عنهما. وهما يوحيان بالتصميم وضبط النفس وتقدير الامور. ولم يعد باراك يرأس حزبا هامشيا سخيفا لا يكاد يبلغ نسبة الحسم، بل هو وزير دفاع خبير يُصرف بصورة غير سيئة على الاطلاق عملية معقدة تحظى بدعم كاسح من الجمهور. وكل ذلك صحيح الى الآن، مرة اخرى. قد توجد اختلالات وقد توجد أخطاء وقد توجد كوارث، وقد أُخذ كل ذلك بالحسبان.

          نحّى نتنياهو وباراك رؤساء الاحزاب الاخرى جانبا الى حد إخفائهم وهم شيلي يحيموفيتش من حزب العمل ويئير لبيد من “يش عتيد” وشاؤول موفاز من كديما. فقد وجد المتحدون الثلاثة المركزيون للزوجين نتنياهو وباراك، وجدوا أنفسهم في صفة فرقة تشجيع. وهم يضطرون الى الانتقال من قاعة تلفاز الى اخرى ومن برنامج الى آخر ومن حلقة حوار الى اخرى، ويُحكم عليهم في خضم هذه الثرثرة الحربية – السياسية التي لا تطاق ولا تنتهي بأن يباركوا ثم يعودون ليباركوا وكأنهم أبطال مأساويون خرجوا من الميثولوجيا اليونانية، يباركون رئيس الوزراء ووزير الدفاع.

          تُطبق يحيموفيتش ولبيد بسلوكهما المؤيد والمشجع الاستراتيجية السياسية المعروفة باسم “أنا ايضا”. حينما يلاقي سياسي قضية عامة يلفها الاجماع لا يملك سلطة عليها وليس عنده ما يقوله فيها ولا يستطيع ان يثور عليها بيقين لأن ذلك سيكون انتحارا، فانه يستعمل الاستراتيجية المذكورة آنفا فيقفز على العجلة ويعبر عن تأييد متحمس وينشد نشيد هتكفاه بصوت صاف – وكل ذلك في الأساس كي يقلل الخسائر مؤملا اللحظة التي تزول فيها القضية من جدول العمل وتعود المعركةالانتخابية لتتناول أمورا قريبة من قلبه. وتكون كل الاختيارات على المائدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى